ثقافةغير مصنف

قراءة في رواية حرّ بن يقظان لأمين الزاوي

كتب

 

 

في البداية لم أستطع أن أقف على فكرة واحدة واضحة، وأنا أقرأ رواية أمين الزاوي تحمل عنوان حر بن يقظان الصادرة عن منشورات ضفاف والاختلاف، لأن الزاوي متعود دائما على تناول مواضيع متنوعة لكنها متناسقة داخل العمل الروائي.

 

يشكل القالب الروائي عند أمين الزاوي فضاء يعالج فيه المسائل الفكرية –السياسية المتعددة وفضاء يطرح فيه جملة من الأسئلة الهوياتية والانشغالات والأطروحات التاريخية ويسافر بالقارئ عبر محطات زمنية مختلفة من تاريخ الوطن، كل محطة تروي تفاصيل ومواضيع معينة ويعالجها بصورة تفاعلية مباشرة ، وهذا الذي يحصل عبر شخصية حر بن يقضان في هذا العمل الفني.

الرواية ليست عملا تاريخيا  تتناول شخصية يحي بن يقضان كما يعتقد القارئ من خلال العنوان، يحمل يحي بن يقضان الذي يتحول إلى حر بن يقضان إلى دلالة عن سؤال جوهري عن الانتماء و الهوية “ابن من أنا يا ترى”  ؟ يدور المحور الأول عن  السؤال عن الذات والأنا.

يولد حر بن يقضان أو آكسل خارج المؤسسة الزوجية الدينية المتعارف عليها، عن علاقة بين  ولديه إسحاق بن سنونسي وسلوانة، المرأة النايلية التي تشتغل على صناعة الصوف .

يرفض حر بن يقضان الانتماء الأبوي في السلالة، يقول “لست أدري لماذا أجدني أفكر جهة الأم و الأخوال أكثر مما أفكر جهة شجرة الأب و الأعمام”، يرفض السلطة الأبوية ولا وجود للأب في الرواية ما عدا الشبق والشهوة  بل هناك حضور قوي للأم الرمزية آسافو ” هل هي أمي أم حكايتي التي ضاعت مني في ليل تحت الوسادة ” تسرق آسافو الابن من أحضان أمه سلوانة ، آسافو التي  يقول عنها “بأنها حفظت سبعة أحزاب، وكثيرا من قصائد الشعر الكلاسيكي عن الحب والهجران على يد زوجها وأنها تعلمت على يد مربي خيله يعقوب عسل- الزمن الكتابة والقراءة باللغة الفرنسية “.

تداوي هذه اللغة وتضمي جراح آكسل وهو صغير “يوم انقطعت عن المدرسة القرآنية شعرت بالسعادة و من يومها قررت أن أتعلم اللغة الفرنسية كي أشفى من جرح …” ما هو ذلك الجرح ؟ يفجر أمين الزاوي المسكوت عنه يقول عن شيخه الفقيه في المدرسة القرآنية ” أكثر من ذلك كنت أخشى لمساته المتكررة لفخذي وأليتي، كان يحملني ويضعني في حجره …”

 

 

يتنقل إلى العاصمة مع ابن عم والده  سيدي مولاي، من قرية التفاحة إلى مدينة ضخمة، يكتشف عوالم أخرى، تبهره العمارة الكولنيالية، ممارسات وسلوكيات جديدة، توفر لديه المدينة ما لا يجده في القرية ، الكتب والأشرطة الموسيقية وقاعات السينما، يرفع صاحب الرواية نزهة الخاطر الستار عن بعض النفاق الديني والاجتماعي عبر شخصية محمود مرسي القنادسي صديق سيدي مولاي الذي يزوره في بيته لحفظ وتلاوة  القرآن يقول عنه  ” يلقب الشيخ محمود مرسي القنادسي بالمصري … وقد أطلق عليه اسم المصري لأنه هاجر من مدينته منتصف الخمسينات خوفا من التجنيد في صفوف ثورة التحريرية …. كان عليه إما أن يلتحق كجميع أبناء الضواحي ….أو يهاجر “.

“لا يتوقف عن النظر إلى لالة مولاتي بشهية الذئب الجائع وعلى الرغم من وجوده إلى جوار زوجها وفي حضرة كتاب الله كنت لا أشعر باطمئنان لهذا الأزهري”.

اكتشاف الجسد مرحلة جديدة في حياة حرّ بن يقضان بل يربط وجود الذات بوجود الجنس في حياته،  الجسد  من أعطاه معنى وجودي لحياته بعد إحساسه بالعدم والعدمية يقول” فتحت فمي و بكيت باحثا عن حليب ثدي ” ثم يضيف ” أنا الغريب لست أدري لماذا سكنتني فكرة الرضاعة ….كي أشعر بوجودي وبوجود الآخرين”.

أثناء الانتقال إلى الجامعة  مسرح  الصراعات الإيديولوجية والسياسية، يصطدم بالكثير من المسلمات، يتقاسم غرفة مع شاب فلسطيني ياسر البرغوثي يطلق عليه اسم ياسر عرفات، في مخيلة حر بن يقضان أن أي فلسطيني هو كائن ملائكي  هو عنوان الالتزام والنضال والمقاومة والشجاعة، صورة طبق أصل أشعار محمود درويش ” كنت أعتقد أن الفلسطينيين من فصيلة الملائكة ” لكنه يصيب بخيبة أمل في الشاب الفلسطيني الذي يعشق أمريكا يقول  ” من يومها  تغيرت صورة الفلسطيني في خيالي بشكل نهائي ونزل من حالة الملائكة إلى واقع الانسان ” علينا أن نحرر فلسطين من وهمنا أولا قبل التفكير في تحريرها من مغتصبيها.

 

 

 

 

تسرد بقيّة الرواية تفاصيل حياة الهواري ابن سيدي مولاي الذي يتحول من شاب يحب الموسيقي، يساري التوجه إلى إسلامي ملتزم. وقصة التحاقه بالوظيفة بعد التخرج الجامعي  ورحلة البحث على الحصول على بطاقة الخدمة الوطنية عبر ادعائه الجنون .

يمكن تصنيف هذه الرواية ضمن  الكتابة النثرية،  ثغرات في السرد والتناسق الزمني وضبابية في المراحل الزمنية للشخصيات الروائية فكيف يعقل أنّ الشيخ القنادسي مثلا لم يلتحق بالثورة خلال الخمسينات يلتحق بالحرب في أفغانستان خلال أواخر الثمينينات ؟  نفس الشيء عن شخصية الهواري ، الغموض يكتنف أيضا عدم قدرتنا على تحديد الفترات الزمنية التي تنمو  فيها الشخصيات الروائية .

بعيدا عن  التقييم الأخلاقي فالجنس والجسد محاور موجودة في أقرب أعمال أمين الزاوي لكن نلاحظ أن  الجنس يتحول  إلى مفهوم روبوتيك، يمارس بشكل أوتوماتيكي، يقول عن حر بن يقضان أن الجنس يعني له الوجود . في علم النفس الجسد في مرحلة المراهقة هو نوع من اكتشاف الذات والأنا  وليس اكتشاف الأخر الموجود سابقا  ولا يوجد مفهوم الإشباع الجنسي عند الزاوي فمسار الممارسة مستقيم  أفقيا له نفس الدرجات عند الطفل والمراهق والشاب ومرحلة الشيخوخة.

يفتقد هذا النص الكثير من الجماليات في اللغة ويحمل الكثير من الكليشيهات والأحكام الجاهزة ، فالرواية تحمل القالب المقالي إن صح التعبير تشبه المقالات الصحفية  لأمين الزاوي ..

الوسوم

عمار لشموت

مدون ومهتم ومتابع للشأن الثقافي والسياسي

مقالات ذات صلة

اترك رد