مدوناتالرئيسيغير مصنف

في الحاجة الى إعلام تنويري

 

 

في كتابه “هروبي إلى الحرية” يتحدث المفكر البوسني علي عزت بيغوفيتش في إحدى الشذرات عما سماه بإعادة تفصيل التاريخ وتزييفه في ظل الأنظمة الشيوعية باستخدام المقص في حذف صور هؤلاء غير المرغوب فيهم “فهؤلاء الذين استبعدوا من الحياة السياسية اختفوا من الصور وغالبا كان هذا يعني التصفية الجسدية أيضا”.

 

وقد ظلت الأنظمة الشمولية ممن تنهج المنحى السوفياتي في إطلاقية القمع (وليس بالضرورة في تطبيق الشيوعية) تحاول الإصرار على ذات الأسلوب دون إدراك منها أن الواقع الإعلامي والمشهد القائم على الصورة قد انقلب تماما بفعل الثورة التقنية المتعاظمة. فالتحولات الكبرى التي عرفتها أدوات التواصل كسرت الاحتكار السياسي والإيديولوجي الذي ظلت تنفرد به الأنظمة الشمولية في تعاملها مع شعوبها. فزمن سلطة القناة الرسمية الواحدة ومن قبلها الراديو الحكومي المهيمن قد ولّى إلى غير رجعة في ظل الثورة الإعلامية الكبرى.

 

لقد ظلت رغبة هذه الأنظمة المغلقة مستمرة في تشكيل وعي الجمهور والتحكم فيه والتلاعب بقدرته على فهم الأحداث بما يساعدها على الاستمرارية ومنع أي تحول سياسي أو مطالبة بالحرية والحق بالنفاذ إلى المعلومة.

 

 

وفي المنطقة العربية لم يكن مفاجئا أن تتسارع التحولات السياسية وتتوالى أحداث الاحتجاجات الشعبية دون الأخذ في الحسبان هذا التطور الاستراتيجي في مستوى التنوير الإعلامي.

وقد لا يكون من المبالغة القول أن قناة الجزيرة كانت صاحبة السبق في إثارة الماء الآسن الذي خلقته الأوضاع العربية المتعفنة طيلة عقود وربما هذا ما يفسر حدة ما تعرضت له هذه القناة تحديدا من هجمات تراوحت بين محاولات التشويش عليها وصولا إلى شن حملات دعائية ضدها لتشويهها والمس بمصداقيتها.

 

 

 

 

والمتابع لنشاط ما نسميه بالثورة المضادة بإمكانه أن يلاحظ بسهولة تركيزها على العمل الإعلامي الممنهج الذي يقوم أساسا على اجتزاء الصورة والتلاعب بالمصطلحات وتزييف الوقائع، في محاولة محمومة لمنع الرأي العام من إدراك ما يجري في الواقع.

ويمكن في هذا الإطار ذكر نماذج للتشويه الإعلامي المقصود والموجه الذي صاحب الثورات العربية منذ بداياتها أو ما جرى أثناء تغطية محاولة الانقلاب التركي وإصرار قنوات عربية وأخرى غربية على التأثير في الأحداث والتلاعب بالجمهور المتلقي بصورة تكشف غياب المصداقية لديها وتحولها إلى أبواق دعائية على طريقة وسائل الإعلام في الأنظمة الشمولية البائدة.

 

اجتمع الضخ المالي مع توظيف مؤسسات عاملة في مجال الدعاية لتخلق ما سُمي لاحقا باللجان الالكترونية التي نشطت بقوة في سنة 2012 وما بعدها عبر إغراق الساحات الافتراضية والمواقع الالكترونية بمواد دعائية مكثفة جمعت بين السخرية من الثورات التي تطالب بالحرية والترويج لمنطق الهزيمة والدفع نحو خلق رأي عام مضاد تم خداعه عبر أدوات التواصل، تمهيدا لما جرى لاحقا من انقلابات عسكرية أو سياسية أو دفع نحو الحرب الأهلية

 

إن نظرة سريعة إلى ما تقدمه وسائل الإعلام التابعة للأنظمة العربية تكشف عن مدى تخبطها واستخفافها بعقول المتلقين عبر التعامل مع متابعيها بوصفهم فاقدين لقدرة النقد والإدراك ومحاولة توجيههم والتأثير فيهم بشكل يبرر السياسات الفاشلة والقمعية التي تنتهجها هذه الأنظمة.

بعد نجاح الثورات العربية وتفطن أنظمة الاستبداد العربي لأهمية مواقع التواصل وفي ظل رغبتها الشديدة في إفشال الثورات العربية كان عليها أن تعيد ترتيب حساباتها وتوظيف ذات الأدوات التي استخدمتها الجماهير في تنظيم صفوفها من اجل دعم الثورات المضادة.

ومن هنا اجتمع الضخ المالي مع توظيف مؤسسات عاملة في مجال الدعاية لتخلق ما سُمي لاحقا باللجان الالكترونية التي نشطت بقوة في سنة 2012 وما بعدها عبر إغراق الساحات الافتراضية والمواقع الالكترونية بمواد دعائية مكثفة جمعت بين السخرية من الثورات التي تطالب بالحرية والترويج لمنطق الهزيمة والدفع نحو خلق رأي عام مضاد تم خداعه عبر أدوات التواصل، تمهيدا لما جرى لاحقا من انقلابات عسكرية أو سياسية أو دفع نحو الحرب الأهلية.

 

 

 

 

وكانت الغاية واحدة هي إفشال الربيع العربي وكانت الأدوات هي أولئك المجندين للعمل ليلا نهارا من اجل تشويه الثورات واستهداف داعميها عبر أشكال مختلفة من الدعاية السوداء.

إن هذه المصداقية المفقودة لدى وسائل الإعلام التابعة للأنظمة الشمولية هي التي مهدت للثورات الحالية وهي التي جعلت الناس يتوجهون إلى البحث عن المعلومة في مصادر أخرى، ومن لا يدرك أن زمن الإعلام الأحادي الذي يضيق بالرأي الآخر قد ولى سيفقد تدريجيا مبرر وجوده مهما حاول التمديد في أنفاس الأنظمة التي يسير في ركابها ويخدم أجنداتها فحركة التاريخ تتقدم دوما نحو الحرية مهما حاول البعض إعاقتها.

فالرسالة المنوطة بوسائل الإعلام لم تعد مجرد تبليغ لوجهة النظر الرسمية بوصفها الحقيقة الوحيدة الممكنة، والإعلام لم يعد “السلاح الروحي للدولة” كما كان جوبلز وزير الدعاية النازية يطلق على الراديو وإنما أصبح يستمد تأثيره من خلال منحه لخيارات متعددة للمتلقي وهو ما يعني أن تقنيات الاتصال والإعلام الحر في الزمن الراهن هي السبيل لتفادي سقوط الإنسانية في ظل أنظمة استبدادية شمولية مغلقة من جديد.

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد