مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

عندما يقف الثدي بين المرأة وزوجها

تصاعد حالات الطلاق بين مريضات السرطان في الجزائر

 

غنية قمراوي- الجزائر مجلة ميم

 

هن نساء أصبن في أنوثتهن، استأصلت الأثداء وحل مكانها الخراب في الحياة والكرامة والعلاقات، وما أن استفحل المرض من الجسد الجميل “المشوه” حتى غادر الزوج الحبيب والرفيق، لتبقى المرأة وحيدة تصارع على كل الجبهات: ألم المرض، رحلة العلاج، صدمة الجسد ووصمة الطلاق.

 

هذا واقع تثبته الدراسات، فزوج (رجل وامرأة) بين اثنين ينفصلان بعد اصابة المرأة بسرطان الثدي، وحظ المريضة في الطلاق يتضاعف بست مرات بعد استئصال ثديها.

 

 

ارقام مخيفة للإصابات بسرطان الثدي تزداد بالآلاف سنة عن سنة، وتسجل دول عربية مثل الجزائر نسبا كبيرة من الإصابات، بل يأتي سرطان الثدي على رأس قائمة الوفيات من مختلف الأمراض.

 

سرطان يساوي طلاق

لكن بعيدا عن الوقاية والحماية، تثبت الدراسات ان لهذا النوع من السرطان تحديدا، نتائج وخيمة على حياة المرأة النفسية والاجتماعية، وكثير من المصابات وجدن أنفسهن مطلقات بسبب الاصابة بعد حياة زوجية طويلة أو قصيرة، والسبب رفض الازواج التعايش مع اجسادهن “المشوهة”، التي أخذ المرض منها جزءا مهمّا حال دون استمرار الرغبة الجنسية والمعاشرة الزوجية وانجذاب كل طرف للآخر.

 

دراسات فرنسية أجريت قبل 3 سنوات  تؤكد أن النساء المريضات بصفة عامة تكون فرصتهن للانفصال أكثر من الرجال المرضى، وتتضاعف تلك الفرصة بست مرات أكثر للنساء عن الرجل في حال تشخيص سرطان، كما يكون حظ النساء المريضات أقل بكثير في الاحتفاظ بأزواجهن مقارنة باحتفاظ الرجال المرضى بزوجاتهم.

 

ونشرت نتائج الدراسة بمجلة “السرطان” الفرنسية، وتفيد بأن نسبة الطلاق لدى النساء المصابات بالسرطان هو 20.8 بالمائة بينما لا تتعدى النسبة 2.9 بالمائة بالنسبة للرجال المرضى، كما اوضحت الارقام ان العينة المدروسة كان 58 بالمائة منها يعيشون حياة زوجية وبعد سنتين من تشخيص السرطان تقهقر عدد المتزوجين منهم الى 43 بالمائة حيث كان الانفصال مصيرا للنساء اللواتي أصبن بسرطان الثدي.

 

 

 

لن اتحمل .. ابتعدي أنت ومرضك عني

كما حاولت الدراسة حصر الأسباب التي أدت ولا زالت تؤدي الى هذه النتائج، فجاءت صعوبة تسيير الحياة الجنسية والعلاقات الحميمة بين الازواج على رأس المعوقات التي تمنع السير الطبيعي للحياة، وبخاصة خلال السنتين اللتين تليان اكتشاف السرطان لدى المرأة، مع تسجيل انخفاض معنويات المرأة النفسية وآلامها ودخول دورات العلاج والدواء على خط حياتها وحياة أسرتها كاملة، ابتداء بالزوج أقرب الناس إليها ثم الابناء.

 

وأشارت دراسة اخرى إلى أن زوجا واحدا (رجل ومرأة) بين اثنين يكون مصيره الانفصال بعد سنتين من تشخيص السرطان، ويكون تلاشي جودة العلاقة بين الزوج وزوجته المريضة سببا مباشرا في هذا الانفصال، إذ تجد المرأة المصابة بالسرطان نفسها في معركة نفسية على عدة جبهات: مقاومة الضعف أمام المرض، الألم ورحلة العلاج، انتقاص أنوثتها وصدمة جسدها المشوّه، صعوبة آداء واجباتها في البيت والأسرة كزوجة وأم لعائلة، وفوق كل ذلك النفق المظلم الذي تدخله بعد شعورها بالحرج من علاقتها الحميمة مع الزوج وعدم قدرتها على الاداء الجيد ومجابهة طلباته وإرضاء تطلعاته.

 

وإذا كانت مختلف الشهادات للنساء المريضات، تثبت ان الرجل يكون، في أغلب الحالات، المبادر بطلب الانفصال وقد يغادر أيضا دون استئذان لعدم تحمله الواقع الجديد وجسد الزوجة المبتور، فإن نسبة قليلة من النساء تكون هن من يطلبن الطلاق لشعورهن بعبء الحياة الجديدة ونفور الزوج منهن، وهن بذلك يتحررن من وضع وجدن انفسن فيه مرغمات، فتتطلق المرأة المريضة في هذه الحال طلبا للخلاص والنجاة وحتى لتحرير زوجها من سجن الاحتمال.

 

 

 

نظرة دونية لجسد مشوه..

البروفيسور شريفة بوعطة، أستاذة علم النفس بجامعة الجزائر ورئيسة جمعية علم النفس وصاحبة عدة بحوث اجتماعية تتعلق بالصدمات النفسية الجماعية عقب الكوارث مثل الزلزال والهجمات الإرهابية، توصلت في إحدى دراساتها لعينة من النساء المصابات بسرطان الثدي والمنشورة في مجلة “بسيكولوجي” إلى عدة نتائج منها:

 

المرأة بعد الإصابة بسرطان الثدي وبخاصة في حال الاستئصال، تكون نظرتها دونية إلى جسدها وتكون هي أول من يطلق الأحكام على شكلها، فيصبح أكثر ما يرعبها هو النظر إلى جسدها في المرآة وهو منقوص من ثدي او اثنين، وهي في الحقيقة تسقط بهذا نظرة زوجها إلى هذا الجسد الجديد “المبتور” الذي لن تكون له فرصة أخرى للإغراء في حين يطلب منه تحمل كل الآلام.

 

ولمعرفة آراء النساء في علاقتهن بأزواجهن بعد المرض، طرحت الدراسة عدة اسئلة على العينة المدروسة تتعلق بالحياة الخاصة والحميمة والعائلية والاجتماعية والأمور التي تغيرت بعد المرض، فجاءت الاجابات متنوعة بحسب آلام وآمال كل واحدة من المريضات، لكنهن اجمعن على أن الرجل يتغير في معاملة زوجته حتى لو حاول أمام الجميع الظهور بمظهر المتقبل للوضع الجديد.

 

جل المريضات يحاولن تفهم وضع الرجال لأن الوضع صعب، لكن بصرخة واحدة قالت جميعهن “ليس بأيدينا ما نحن فيه، ولسنا سببا في مرضنا.. فلماذا يعاقبنا الرجال؟”، في حين ذهبت اخريات الى حد مخاطبة ضمائر الذكور “فليكن الرجال متفهمين ولا يتخلون عن نسائهن من أجل ثدي ناقص”.

 

 

 

التكفل من الأخوات والأزواج إلى المرتبة الرابعة!

ويشير تحليل المعطيات، إلى ان التكفل بمريضة السرطان لا يأتي من الزوج بالدرجة الأولى، بل يتقهقر هذا الاخير الى الدرجة الرابعة، حيث تسبقه أخوات المريضة على رأس القائمة يليهن الأبناء، ثم باقي العائلة فالزوج في المرتبة الرابعة، وهذا ما يشكل ألما نفسيا ملازما لمريضة سرطان الثدي. فقضية مرضها تصبح موزعة على العائلة، في حين تتكفل الزوجة بالدرجة الاولى في معظم الحالات بالزوج المريض وتقوم له بمعظم الواجبات والعلاج قبل الحاجة الى باقي أفراد العائلة.

 

كما ترفع الدراسة انشغال الزوجات المريضات حيث ترى هذه في رعاية أزواجهن لهن “أحسن علاج وأنجعه” وهو أمل بالنسبة لـ80 بالمائة منهن، حيث تأتي في مقدمة أمانيهن عدم مفارقة الزوج لهن، خاصة السيدات البالغات من السن الاربعين والخمسين فما فوق، وهذه في أغلب الحالات يكون قد مضى على زواجهن سنوات طويلة كونّ خلالها أسرا وأنجبن أبناء، وقد يكون لديهن أحفاد أيضا، فلا تحتمل المريضات ان تتمزق حياتهن ويتبخر كل هذا بسبب “فقدان ثدي”.

 

هذه آمالهن، لكن الواقع فيه كثير من الألم أيضا، فالزوج يختار الانفصال في كثير من الحالات، وقد يبقى ويسقي زوجته كؤوسا من الأسى والأحزان. ومثال على هذه الحال ما تقوله إحدى المستجوبات “لا زلت أعيش مع زوجي لكنني لم أعد أحتمل هذا الوضع، حياتي أصبحت جحيما”.

 

“أصبحت الخلافات يومية في بيتنا بين زوجي وابننا الأكبر. إبني يدافع عني باستمرار ولا يحتمل مضايقات والده لي وهذا الوضع سبب الخلافات. لا أريد من زوجي إلا المعروف فحياتنا الزوجية انتهت مع إصابتي بالسرطان لكن هذه المشاكل لا تنتهي وأتعبتني جدا”.

 

 

 

فراش الزوجية ..فراش الذل والهجران

في شق آخر من الاسئلة المتعلقة بالحياة الحميمة، جاءت الإجابات على اعتبار هذه المسألة موضع ألم حقيقي وعذاب نفسي، حيث تلاحظ المريضة نظرة رفض الزوج لجسدها وعدم تقبله افتقاد ثدي أو اثنين، فهو يحس أنه مع نصف امرأة أو جسد لا يوفر له أسباب المتعة والإغراء، ليصبح بذلك إما متذمرا كثير الشكوى، أو متهربا يتحاشى اللقاء.

وليس تشوه الجسد هو السبب الوحيد في تعطل الحياة الحسية بين الزوجين. فالزوجة المريضة مكلومة متألمة تنقص الأدوية وطرق العلاج الصعبة مثل العلاج الكيماوي والعلاج بالأشعة، من رغبتها الجنسية، بل تحول العملية إلى أشواط تعب وعذاب نفسي، وبذلك لا تقبل على العلاقة، مثلما تشير إليه الدراسات، وتكون هذه من اسباب تفاقم الاضطرابات بين الطرفين وتزيد من الاحتقان وتفجر المشاكل و الابتعاد ويتحول فراش الزوجية بذلك من البهجة والانتشاء إلى الذل والهجران.

 

 

عند أهلها تتدرب على الحياة من جديد

في تصريحات لمصابات بسرطان الثدي، ينشطن مع جمعية “فجر” الجزائرية لمرضى السرطان، روت إحداهن انها كانت امرأة جميلة نشطة تملأ البيت فرحا وحياة زوجها وأبنائها حبا ومودة، لكن منذ اكتشاف إصابتها بسرطان الثدي انقلبت حياتها رأسا على عقب، فالزوج فارقها بعد تفاقم المشاكل ورفض مرضها جملة وتفصيلا، ووجدت نفسها في كنف عائلتها التي تتكفل بها وبأبنائها الصغار.

 

دخلت حالة من الضياع النفسي والتشتت العاطفي. فمن جهة كان عليها أن تقف بنفسها على علاجها، ومن جهة أخرى تطمئن على أبنائها، إضافة إلى معركة إقناع نفسها بأنها اصبحت امرأة مطلقة بدون زوج في هذه الظروف.

 

تقول إنها وجدت بفضل الله العون من عائلتها، بما مكنها من الوقوف على رجليها من جديد، وإعادة بعث الامل في روحها مما مكنها من استعادة عملها بعد رحلة العلاج وأصبحت هي من تباشر أمور أبنائها، وهي اليوم ناشطة في جمعية “فجر” تقدم، من خلال تجربتها، العون والمساعدة لمريضات أخريات.

 

زوجتك المريضة تستحق منك الكرامة..

وفي تصريح لها في الموضوع، ضمن تسجيل لجمعية “فجر”، طالبت الأستاذة المحامية فاطمة الزهراء بن براهم الأزواج “بالتعامل برفق وانسانية مع مريضات السرطان، ولأن تكون النخوة عنوانا لمعاشرتهن”. فالدولة مثل ما قالت “تتكفل بعلاج المريضة عن طريق الضمان الاجتماعي وما على الزوج إلا  التصرف بمروءة، فما كانت لتخذله لو انقلبت الآية، وما يدريه ربما تشفى ويصاب هو بعاهة مزمنة؟

 

هذا واقع مرير وتاريخ أسود اصبح يكتب لفئة كبيرة من مريضات السرطان. وكأن في الامر مقايضة: استمرار الحياة الزوجية مقابل بقاء الجسد سليما. نذكّر بهذا الواقع لأنه موجود، لكن الأمل موجود أيضا، وما يقابل هذا السوء من هؤلاء الرجال هو خير وطيبة وشهامة في رجال آخرين توطدت علاقتهم بزوجاتهم أكثر بعد المرض فأحاطوهن بالعناية والحب والحنان، ولم يرضوا عنهن بديلا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد