الرئيسيثقافةغير مصنف

مريض الجذام: نهاية الجسد وإلغاء الذات.. قراءة في فيلم “يوم الدين”

 

 

حظي فيلم “يوم الدين” بإعجاب النقاد والجمهور والصحافة في عدّة تظاهرات عالمية، ومنها مهرجان كان في دورته السابقة بعد غياب السينما المصرية عن فعاليات هذا المهرجان لخمس سنوات متتالية، وقد أدرج فيلم “يوم الدين” ضمن لائحة الأفلام المنافسة على السعفة الذهبية ورشح أيضا لجائزة الكاميرا الذهبية، إلا أنّه أحرز على جائزة شرفية هي جائزة “فرانسوا تشاليز”.

 

يوم الدين هو الفيلم الروائي الأوّل في رصيد المخرج المصري أبو بكر شوقي والذي اقتحم من خلاله مساحات صادمة وصامتة في الوعي المصري من خلال تسليط الضوء على الحياة البائسة التي يعيشها مرضى الجذام ونفيهم من دائرة الحياة العامة إلى دوائر ضيّقة شكلت مجتمعهم المعزول والموصوم بالرفض من طرف المجتمع الرسمي.

سبق للمخرج أبو بكر شوقي أن قدم للسينما فيلما وثائقيا حول مستعمرة ” أبو زعبل” التي تضمّ المئات من مرضى الجذام ويعتبر فيلم ” يوم الدين ” تكملة أو استطراد  للفيلم الوثائقي والذي نقل من خلاله المخرج بعض حكايات مرضى الجذام مما أكسبه دراية وتجربة في إكمال هذه التجربة بشكل مختلف عن الفيلم الوثائقي  في فيلم”يوم الدين” والذي أضفى عليه مسحة إنسانية عالية من خلال جرعات الألم والكوميديا خلفت تعاطفا كبيرا في أوساط المتفرجين الذين ضحكوا وبكوا في آن واحد.

يتناول  فيلم ” يوم الدين ” حكاية ” بشاي ” المسيحي في مجتمع طائفي والمريض بالجذام في مجتمع عنصري، فقد حمل بشاي من خلال هويته الدينية والجسدية مقومات نبذه وإقصائه.

 

 

 

 

يبحث البطل “بشاي”  عن عائلته بالصعيد المصري بعد أن تخلت عنه وتركته في مستعمرة الجذام ويلعب بطولة الفيلم أحد مرضى الجذام المتعافين “راضي جمال”، والذي  خضع  إلى دورات مكثفة في التمثيل وقد نجح “راضي جمال ” في تقمص الشخصية بعفوية بالغة  وبانفعالات تبدو حقيقية مما مكنته من دخول قلب المتفرج دون صعوبة وتحاكي قصة الفيلم حياة الممثل الواقعية مع بعض التعديلات الطفيفة.

 

كيف يمكن للعائلة أن تتنصل من مسؤولية تربية ابنها المريض والاعتناء به هكذا بكلّ سهولة ودون أي صعوبة أخلاقية أو عاطفية وكيف يمكن أن يتواصل هذا التخلي بشكل مقبول من طرف المجتمع الرسمي دون أن يمارس أي شكل من أشكال الإدانة للعائلة بل تصبح هذه الجريمة مقبولة عرفيا وثقافيا، هذا سؤال يحمل الفيلم بعضا من الإجابة عنه بعد أن تخلى والد بشاي عن ابنه في مستعمرة الجذام مرتديا قناعا يحاول من خلاله حماية نفسه من عدوى انتقال المرض إليه.

 

 

يعيش مريض الجذام نفيا ورفضا منذ لحظة مرضه بل تشبه طقوس التخلي عنه طقوس الموت الحقيقي، فهذا المريض هو ميّت في نظر العائلة والمجتمع، فمرضه بمثابة موت رمزي لما يحمله من تشوهات بالغة تستوجب طقس العزل ثمّ الحماية ويثير مرضه الفزع في أوساط العائلة والمقربين كما يثيره الموت ،تمارس العائلة طقس عزل المريض عن الأحياء وحمايتهم منه، وهو ما يطرح عنصرية المجتمع المصري تجاه مرضى الجذام وهي الرسالة التي حملها المخرج لمحاربة هذه العنصرية المقيتة.

لم يشفع تعافي “بشاي” المشوّه خلقيا من مرض الجذام أن يحظى بالإدماج من جديد في المجتمع بل كانت تشوهاته بطاقة هويته في مجتمع أو مستعمرة الجذام بضواحي القاهرة ليكمل حياته هناك داخل مجتمع  أو طائفة المنبوذين اجتماعيا،  الذين صنعوا عالمهم وشكلوا مجتمعهم من خلال خصائص المرض الذي حملوه وأيضا من خلال النبذ الاجتماعي الذي تعرضوا إليه.

 

 

 

 

مارست بعض المجتمعات مثل الهند النبذ الاجتماعي كوسيلة عقاب في مجتمعات كثيرة ضدّ من خرج عن أعراف القبيلة  أو الغرباء وأيضا  أصحاب الأمراض الجلدية مثل البرص والجذام وتعيش طوائف المنبوذين على هامش المجتمع ويوصم وجودها بالوضاعة، ورغم التقدّم الملحوظ في منظومة حقوق الإنسان إلا أنّ هذه الممارسات لا تزال موجودة بشكل صريح أو ضمني حتى في المجتمعات المتقدمة والتي تروي فصولها سردية تفوّق عرق ضدّ عرق أو طائفة ضدّ طائفة حتى وإن تمتع المنبوذون ببعض الحقوق إلا أنّهم قد يتعرضون إلى أنواع رمزية من النبذ تؤكد هشاشة وجودهم وأيضا حقوقهم.

 

 

 

 

من خلال حياة وضعية على هامش الحياة الحقيقة ومن داخل مجتمع  مرفوض داخل المجتمع، يحاول “بشاي” استعادة هويته المسحوقة تحت كمية الاحتقار الاجتماعي في الفضاء الرسمي، وذلك بعد خروجه من مستعمرة الجذام لأوّل مرّة  ليبحث عن عائلته بعد أن فقد زوجته المختلة عقليا، وكأنّه بفقدانه لزوجته يفقد آخر حصون مقاومته في مجتمع الهامش، أو انتماءه للعالم فيكون البحث عن عائلته بمثابة البحث عن الانتماء، الانتماء إلى شيء ما بعد أن فقد كلّ الأشياء وكأنّه يبحث عن حياة ما بعد موته والحياة هنا هي الذكرى والتي قد تعوّض  التهميش والنسيان الذي عاشه.

 

 

 

 

تعرّض البطل في الفضاء الاجتماعي الرسمي الذي خرج إليه لأوّل مرة  إلى ممارسات عنصرية تعكس طبيعة المجتمع العدوانية تجاه مرضى الجذام فيظهر بشاي وكأنّه ميت يتنقل بين أفواج الأحياء، لا حياة لميت هنا، حتى وإن تحدث الميت ونطق وبكي وضحك وعمل وتعب كلّ هذه الخصائص التي تشارك فيها مع الأحياء لا تشفع لصاحب التشوهات الخلقية في أن يحظى بالقبول والاندماج وكأنّ حضوره بينهم وداخل مجتمعهم نشار يهدد جمالية الحيّز العام، ويظهر ذلك من خلال لقطة القطار والتي كشفت خوف الركاب منه وتحاشيهم له.

 

 

 

 

يصاحب “بشاي ” في رحلة البحث عن عائلته  حماره ” حربي ” الذي حمل أثقاله المادية وربما أيضا المعنوية، والطفل ” أوباما ” وهو طفل يتيم من النوبة، كان لون بشرته الأسود حاجزا  أو عائقا في الاندماج في المجتمع فحمل مع رفيقه بشاي أوجاع المنبوذين في العالم، كيف يمكن أن يتوحد الأسود مع المشوّه في الوجع ويصبح هذا الإقصاء الاجتماعي عنوانا كبيرا للوحدة، وحدة الضعفاء والمنبوذين، الذين كلّما اشتد نبذهم من الإطار الرسمي تعمقت عناصر وحدتهم التي ولدت من آلام المعاناة ومن رحم المأساة المشتركة ليصبح إيمانهم بالعدالة الأخروية مطمحا لإنصافهم من بؤس الحياة التي تعرضوا إليها ” يوم الدين كلنا هنبقى متساوين ومحدش هيبص لشكلنا”.

يقترب فيلم ” يوم الدين ” من أفلام موجة الأفلام الواقعية التي اعتمدت على أشخاص مغمورين وغير معروفين وأيضا من خلال اقتحامه لقضايا  الهامش، ويصنف هذا الفيلم ضمن أفلام الطريق ، ويمكننا اعتباره إضافة  نوعية إلى المكتبة السينمائية المصرية والعربية رغم بعض الهنات والنقائص إلا أنّه شكل انزياحا جميلا عن موجة أفلام المقاولات التي شكلت ملامح السينما المصرية في العقود الأخيرة.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد