ثقافةغير مصنف

“سينماتيك وهران”… حكاية قاعة استضافت المشاهير وصمدت في وجه الإرهاب

 حسام الدين ربيع/ الجزائر/ ميم

 

في قلب شارع العربي بن مهيدي بعاصمة الغرب الجزائري وثاني أكبر مدن البلاد، وهران الباهية، توجد قاعة جميلة تفتح أبوابها أمام الجمهور في كل فصول السنة، يرتفع ريتم النشاط بها في المناسبات الفنية والثقافية وتستقبل كل السينمائيين من داخل وخارج الوطن، هي “سينماتيك وهران” عمرها أكثر من نصف قرن.

تستوقفك لافتة كبيرة كتب عليها “متحف السينما الجزائرية” (سينماتيك وهران)، هذه القاعة حكايتها بدأت في العام 1965 عندما تم تأسيسها، بعد عام واحد من تأسيس متحف السينما الجزائرية بالعاصمة الجزائر، وبعد ثلاثة أعوام فقط على استقلال البلاد في 1962.

 

مركز إشعاع سينمائي في قلب وهران صمد في وجه الإرهاب

سينماتيك وهران ليست مجرد هيكل فقط، بل مركز إشعاع سينمائي وذاكرة سينمائية وروح مدينة وشاهد حضاري وتاريخي على أسماء لامعة جزائرية وعربية وأجنبية مرّت على مدينة الباهية منارة المتوسط، مرّ عليها صاحب فيلم “اسكندرية كمان وكمان” يوسف شاهين، صلاح أبو يوسف من مصر وآخرين، جوزيف لوسي من الولايات المتحدة الأمريكية، مايكل أنجلو أنطونيوني من إيطاليا، السنغالي سمبين أوسمان، الكاميروني جان ماري تينو، الإثيوبية هايلي جيريما واللبنانية جوسلين صعب، سما وهام من العراق، أحمد راشدي ومرزاق علواش من الجزائر وغيرهم.

 

وتمكنت هذه القاعة من الصمود أثناء سنوات الإرهاب في البلاد، والتي أثرت على الحياة الفنية في جميع مناحيها، فتحدى القائمون عليها الوضع المخيف والأوضاع الأمنية المتردية وقدموا لمحبي الشاشة الذهبية أعمالا مميزة ولو أنّ العدد قليل والنشاط بطيء أعمالا، متحدين بذلك الإرهاب الذي عمل على قتل الفنانين والمبدعين في الجزائر وفي وهران التي فقدت ثلة من وجوهها البارز في الساحة الفنية على سبيل المثال اغتال الإرهاب المسرحي عبد القادر علولة ومغني الراي الشهير الشاب حسني في العام 1994.

 

شاشة العرض

 

وشكلت ولا تزال هذه المؤسسة الفنية قبلة عشاق السينما والجمهور ومهنيي قطاع الفن السابع سواء كتاب سيناريو أو مخرجين أو ممثلين، كما تحتضن نشاطات وفعاليات أخرى في المسرح واللقاءات والندوات في مجالات السينما كالصورة والإخراج وورشات إعداد الممثل وغيرها.

 

يتذكر الجمهور الوهراني تلك الأفلام الكلاسيكية والحديثة التي عرضت بهذه القاعة التي كان يطلق عليها في الماضي القريب اسم “الونشريس” نسبة إلى جبال الونشريس الشهيرة في الجزائر، كما لا تزال هذه الهيئة تخدم السينما والسينمائيين، فمهرجان وهران  للفيلم العربية تجري عروض أفلامه بـ”السينماتيك” إلى جانب قاعاتي “المغرب” و”السعادة”. فضلا عن احتضانها لأعمال ثورية جزائرية تخلد حرب التحرير وأبطالها منها “وقائع سنين الجمر” لمحمد لخضر حمينة و”معركة الجزائر” للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكوفرو و”دورية نحو الشرق” لعمار العسكري وغيرها من الأعمال الخالدة في ريبرتوار السينما الجزائرية.

 

جانب من القاعة

 

عروض سينمائية طيلة السنة رغم غياب مؤسسات توزيع الأفلام

ويقول المخرج السينمائي جمال محمدي إنّ “سينيماتيك وهران لعلها الوحيدة التي ظلت وفية لجمهورها من خلال عروضها السينمائية الرسمية الدائمة التي يبرمجها المركز الجزائري للسينما إلى جانب ذلك كان طاقمها المسير دائما يبرمج أفلاما وعروضا سينمائية موسمية”.

 

وأكدّ محمدي في تصريح لـمجلة “ميم” إنّ “سينماتيك وهران تعدّ القاعة الوحيدة المفتوحة طيلة السنة أمام الجمهور المتعطش خلافا لباقي القاعات المنتشرة عبر أرجاء الوطن.

 

وأشار صاحب كتاب “بوسعادة مهد السينما” إنّ هذه المؤسسة حاضرة في الموعد دائما مع أهم التظاهرات السينمائية لاسيما احتضانها سنويا للعروض الرسمية لمهرجان وهران. ولفت في معرض حديثه إلى أنّ هذه القاعة بحكم موقعها الاستراتيجي المميز في وسط مدينة وهران تعدّ الفضاء الثقافي الوحيد الذي يرتاده الجمهور الوهراني والزوار من عشاق السينما.

 

ولم يخف المتحدث أنه بالرغم من انعدام شبكة توزيع سينمائية إلا أن “سينماتيك وهران” من حين إلى أخر تبرمج أفلاما كلاسيكية ذات شهرة عالمية ولمخرجين كبار. وقال: ” تقريبا كل الأفلام الكلاسيكية تم عرضها بهذه القاعة، وكانت دائما أبوابها مفتوحة أمام الجمعيات الثقافية والنوادي السينمائية وبذلك يمكن اعتبارها الفضاء الثقافي والسينمائي الفني الذي يجب دعمه والمحافظة عليه”.

 

ذكرى في منفى من الأفلام المعروضة في السينماتيك

 

جوهرة معمارية تزّين شارع العربي بن مهيدي

على الصعيد الهندسي أقل ما يقال أنّ سينماتيك وهران تحفة معمارية في قلب مدينة عمرانها تاريخي منه الذي يعود إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية وبعضه يعود إلى الفترة الإسبانية على الطراز الإسلامي الأندلسي والعثماني، حيث لا تزال المباني شامخة في شارع العربي بن مهيدي، أحد أكبر شوارع  مدينة الأسدان (وهران) والذي يعدّ قبلة سياحية وثقافية للزائرين نظرا للمعالم والأماكن الجميلة التي يزخر بها كدار الصناعة التقليدية وسينما “المرجاجو” وسينما المغرب وأخرى.

 

فالداخل إلى “السينماتيك” بعد ترميمها من قبل السلطات المحلية ترى عينه اللافتة الضخمة (متحف السينما الجزائرية) مكتوبة باللغتين العربية والفرنسية، وبهو جميل يعدّ هو الأخر ذاكرة ومخزن بالنظر إلى الموجودات من الصور والملصقات السينمائية لأفلام قديمة جزائرية وعربية، فضلا عن أسماء بارزة في عالم الفن السابع منها أحمد راشدي وعمار العسكري وسيد علي كويرات وفتيحة بربار والروائية والمخرجة آسيا جبّار.

 

شارع العربي بن مهيدي

 

كما يضم البهو الذي يحتضن معارض الرسم والفنون التشكيلية آلة عرض سينمائية قديمة الطراز، معروضة قبيل مدخل القاعة في الجهة اليمنى، وكأنّما تقول يا من ستشاهد فيلما حديثا بتقنيات عصرية تذكر الماضي وتذكر العروض الأولى الصامتة وعروض الأبيض والأسود، أمّا القاعة فتبدو صغيرة ولكنّها غاية في الجمال، وشاشة عرض كبيرة تستخدم اليوم تقنية “الدي سي بي”، بحيث تبلغ سعة القاعة ذات التصميم الفريد من نوعه 350 مقعدا موزعة على ثلاث صفوف تتخللها ممرات طويلة وضيقة.

 

وبالعودة إلى ترميم هذا المعلم، فتم عام 2004 من خلال عملية تجديد وتأهيل أدت إلى تغيير المقاعد القديمة بواسطة كراسي جديدة مقاومة للحريق، ناهيك عن طلاء الجدران بمواد غير قابلة للاشتعال، في حين عملية التأهيل في شقها اللوجستيكي فتمثلت في تحسين المعدات تدريجياً، بما في ذلك تركيب شاشة جديدة مجهزة بنظام DCP (حزمة السينما الرقمية).

 

وبالتالي “متحف السينما الجزائرية” بوهران مدينة الحضارات والتسامح قد أغلق أبوابه سنة 2004، حيث خضع لعمليات ترميم واسعة، ليستأنف النشاط بعد سنة واحدة فقط،  ويعود إلى الجمهور في أبهى حلّة في ظل تحول بعض القاعات الأخرى إلى فضاءات بأهداف تجارية بحتة تقدم عروض مختلفة منها عروض الفيديو وأفلام الحركة والمغامرات ولكن “السينماتيك” لم تحد عن خدمتها النبيلة وبقيت وفية للسينما وصناعها من داخل وخارج الجزائر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد