الرئيسيثقافةغير مصنف

“ريح ربّاني” في أيّام قرطاج السينمائيّة: فيلم دون المأمول لمخرج قدير

 

 

كان اليوم الأوّل من عروض أفلام المسابقة الرسميّة لأيّام قرطاج السينمائيّة فرصة لاكتشاف جديد المخرج الجزائري القدير مرزاق علواش فيلم “ريح ربّاني”، الصادر في عام 2018، وهو فيلم من إنتاج مشترك جزائريّ/فرنسيّ/لبنانيّ/قطري، ومن بطولةِ سارة ليساك، محمّد أوغليس، حسّان بن زراري، مسعودة بوخيرَة. وقد قدّم عرضَه العالميَّ الأوّل بمهرجان تورنتو السينمائيّ الدوليّ في سبتمبر 2018، ليشاركَ بعدَها في الدورةِ الثانيةِ لمهرجانِ الجونةِ السينمائيّ كأوّلِ عرضٍ في الشّرقِ الأوسطِ وشمالِ إفريقيا.

 

وقد كانت قاعة “الكوليزي” في قلب شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة، مزدحمة مع بداية عرض الفيلم، نظرًا لأهمّية التظاهرة الفنّية الأكثر جماهيريّة في تونس، ولأنّ اسم المخرج كان “مرزاق علواش”، المثير للجدل على الدوام والحاضر بقوّة في ذاكرة عشّاق السينما في المغرب الكبير والعالم العربي، صاحب التاريخ الحافل بالروائع السينمائيّة، منذ فيلمه الأوّل “عمر قتلاتو الرجلة” مرورًا بفيلمه الأهمّ على الإطلاق، حسب وجهة نظري الشخصيّة، “باب الواد سيتي” في بداية التسعينيّات، والّذي ظلّ علامة بارزة في السينما العربيّة والإفريقيّة.

 

 

يروي الفيلم قصّة الأيّام الأخيرة لنور (سارّة ليساك) وأمين (محمّد أوغليس) اللّذان يستعدّان للقيام بعمليّة إرهابيّة في مصفاة لتكرير النفط في الصحراء الجزائريّة، نور الهاربة من أجهزة مكافحة الإرهاب، والمصنّفة كعنصر إرهابي خطير جدًّا، نظرًا لمشاركتها في الربط بين هياكل تنظيم داعش وخلاياه بين الدول، تهرب من سوريا لتنفيذ عمليّة إرهابيّة في الجزائر؛ وأمين، الشابّ المستجدّ في عالم الإرهاب، والّذي تمّ تجنيده عبر وسائل التواصل الاجتماعي على ما يبدو.

يلتقي البطلان اللّذان لا يعرفان بعضهما مسبقًا، لكن تمّ التنسيق بينهما من خلال خليّة جهاديّة لتنفيذ مخطّط إرهابي، وهذا ما سيجمعها تحت سقف واحد في منزل بمدينة جزائريّة صحراويّة ليعيشا سويًّا أيّامهما الأخيرة في انتظار وصول المتفجّرات وتحديد موعد التنفيذ، تحت إشراف امرأة طاعنة في السنّ، تدعى “الحجّة” (جسّدت دورها الممثّلة مسعودة بوخيرة). ويمثّل هذا اللقاء بين شخصيّتيْن غامضتين، ذريعة لاكتشاف عالمها النفسي ورؤيتهما للعالم المادّي والعالم “الأخروي”، وللآخر المختلف “عقائديًّا” وفكريًّا، للذات والجسد والآخر، من خلال محاولة نسج بنية علاقات متشعّبة بين شخصيّات الفيلم القليلة.

لكن حسب رأيي، لم ينجح مرزاق علواش في جعل فيلمه “ريح ربّاني” يصل إلى جودة بعض من أعماله المتميّزة السابقة، حيث أنّه كان متوسّطًا لا غير لعدّة أسباب، رغم بعض النقاط المضيئة فيه.

 

 

سارة ليساك في مشهد من فيلم ريح ربّاني

 

 

ما يُحسَب لهذا المخرج الذي جاوز عقده السابع، أنّه لم تنهكه السنوات الطويلة الّتي قضاها في الكتابة والتأليف والإخراج، بل مازال حاضرًا بقوّة في المحافل السينمائيّة العالميّة لإنتاجه الغزير والتزامه بقضيّة مقاومة ظاهرة التطرّف الديني وتحليلها من زاوية نظر مختلفة في كلّ فيلم من أفلامه، مثل أفلامه الروائيّة “باب الواد سيتي” في 1994 و”العالم الآخر” في 2001 و”التائب” في 2012؛ وفيلمه التسجيلي “تحقيق في الجنّة” في 2017. لكن على ما أظنّ، أنّ هذا الإنتاج الكثيف قد لا يترك فرصة للمبدع أحيانًا كي يجدّد نفسه، ويتجنّب المعالجة الفنّية المتسرّعة ويتعمّق أكثر في دلالات وأبعاد الموضوع المطروح وبنية السيناريو والشخصيّات بعيدا عن “الكليشيهات” والتكرار.

 

الممثّلة مسعودة بوخيرة مثّلت علامة مضيئة في تقمّص دور “الحاجّة”، وكُتِبت شخصيّتها بطريقة متقنة

 

فرغم أنّ “ريح ربّاني” قدّم صورة مغايرة نسبيًّا للمتطرّفين دينيًّا، أو الجيل الجديد من للإرهابيّين، وهذا ما يمثّل نقطة قوّة الفيلم، حيث أنّ الشخصيّتين الرئيستين، القياديّة الجهاديّة نور والجهادي أمين، هما شابّان ليسا ضحيّة للفقر أو الانقطاع عن التعليم، بل هما شابّان متعلّمان وميسوران نسبيًّا حسب ما نستشفّه من بعض التفاصيل الصغيرة في الفيلم الّذي لم يخبر عن تاريخهما أو ماضيهما، (لأنّه أراد التركيز على عالمها النفسي قُبيْل تنفيذ عمليّتهما الإرهابيّة، في تلك اللحظات العصيبة الّتي يعيشها الإنسان حين يعلم أنّه على وشك الموت، ذهنيّة الانتحاريّين الغامضة والمربكة)، فنور وُلدت في فرنسا، متعلّمة ومثقّفة، وهذا ما نستشّفه من المشهد الّذي كانت ترقص فيه بعيدًا عن الأنظار، كأنّها تسترجع ذكرياتها مع فنّ الرقص الغربي، أمّا أمين فهو شابّ متعلّم أيضًا ومتمكّن شأنه شأن نور من استعمال التكنولوجيا الاتّصاليّة، وسيم وذو ملامح بريئة ويملك سيّارة وعلى ما يبدو أنّه من عائلة جزائريّة ثريّة.

 

أثناء تصوير الفيلم

 

إذن الفيلم يتحدّث عن الجيل الجديد من المتطرّفين، أشخاص يمكن أن يكونوا أقرب ممّا نتوقّع، لا يمكن رصدهم أو اكتشافهم إلّا بصعوبة، ودوافع تطرّفهم غامضة وبعيدة كلّ البعد عن الدوافع المعروفة، كالفقر الشديد أو تدنّي المستوى العلمي والثقافي أو الشعور بالدونيّة والنقص. كما نلاحظ صورة أخرى للمرأة الجهاديّة، فنور ليست تلك المرأة الخاضعة ضحيّة السلطة الذكوريّة للخطاب المتطرّف، بل هي قياديّة قويّة ينصاع لها أمين انصياعًا تامّا، شرسة وصداميّة وعدائيّة، تخطّط وتبادر وتقود مثلها مثل المتطرّفين الذكور، وحتّى في أكثر لحظاتها أنوثة، حين بادلت أمين القبل، فلم تكن تلك المستسلمة أو الخجولة، بل تصرّفت على نحو غريب وسادي، إنّ المرأة الجهاديّة في فيلم “ريح ربّاني” تعطي الأوامر أكثر ممّا تتلقّاها في صورة مغايرة عن تلك الّتي عهدها الوعي الجمعي العربي.

 

نقطة الضعف كانت جليّة في شخصيّة نور الّتي جسّدتها الممثّلة سارّة ليساك، حيث حافظت على الحركات والإيماءات والوجه نفسه طيلة الفيلم في وضعيّات متباينة، وهو ما ساهم في إضعاف القدرة الإيحائيّة للفيلم عمومًا

 

كما يُحسب للفيلم تصوير حالة العطالة للشباب المتطرّف بطريقة ذكيّة، ففي المنزل أين أقام الجهاديّان، تقوم “الحاجّة” بكلّ ما يمتّ للحياة بصلة، فهي الّتي تطبخ وتنظّف وتحضر الماء وتشاهد التلفاز وتستمع إلى الموسيقى وتغرس بعض النباتات المنزليّة، رغم أنّها طاعنة في السنّ وأقرب إلى الموت منها للحياة، في حين يمضي الشابّان الجهاديّان وقتهما في الاستغفار وتلاوة القرآن والنوم وقراءة الأدعية دون بذل أيّ جهد ماديّ في الحياة، وهذا ما حرّمه الدين، الّذي شجّع على العمل والسعي في الأرض.

فرغم أنّ وظيفة الشباب الرئيسيّة هي بناء الحضارة وأخذ المشعل عن الأجيال الّتي سبقتها من أجل استمراريّة الحياة، إلّا أنّ بطليْ الفيلم منشغلان بالموت أكثر، وإن كان الموت الّذي يسعى خلفه أمين موتا مجازيًّا وهو التفرّغ للعبادة الصرفة، فإنّ نور كانت تبحث عن “الانتحار”، عن موت حقيقي هو غايتها الرئيسة، هروبًا من شيء مّا لم يذكره الفيلم، ولكن على ما يبدو هو هروب من الماضي، من واقعة أثّرت في مسار حياتها، وتظهر من خلال الكوابيس الّتي تحاصرها أثناء نومها. لكن في النهاية، تصطدم رغبتها في الموت برغبة أمين في الحياة وتراجعه تدريجيًّا عن فكرة العمليّة الانتحاريّة بعد أن وقع في حبّ هذه الجهاديّة العنيدة وقاسية القلب.

 

لكنّ أمام كلّ هذه الأفكار الّتي حاول الفيلم تمريرها، كان التنفيذ سيّئًا. ورغم أنّ هناك توفيقا واضحا من الناحية التقنيّة، خصوصًا على مستوى التقطيع الفيلمي، والكادرات المعبّرة في أحيان كثيرة، والتوفيق في بعض المشاهد الّتي كان الصمت لغتها الأساسيّة، إلّا أنّ هناك بعض الهنات في الفيلم، مثّلت نقاط ضعف قاتلة.

 

الجمود والتفكّك أصاب البنية السرديّة للفيلم، فالخطّ الزمني يسير في اتّجاه واحد، دون ارتداد إلى الماضي أو المستقبل، وهو ما كان سيساعد على كسر جمود الشخصيّات الّتي لم تبح بالكثير ولم تكن حمّالة معاني

 

فقد كان اختيار الأبيض والأسود كشكل من أشكال تحييد المشاهد وجعله يركّز أساسًا على العوالم النفسيّة للشخصيّات، إضافة إلى أنّ هذا الاختيار اللوني كان محاولة لصبغ عوالم الفيلم بسوداويّة قاتمة، بتشاؤم مرير يوحي بالجمود وانسداد الآفاق، ولكن كان بإمكان المخرج أن يصبغ بعض المشاهد بالألوان الطبيعيّة لخلق حركيّة في الخطّ الدرامي للفيلم وإكسابه أبعادًا جماليّة ورمزيّة أكبر، كالمشهد الّتي كانت نور ترقص فيه، أو في مشهد النهاية على سبيل المثال، إلخ…

كما أنّ الجمود والتفكّك أصاب البنية السرديّة للفيلم، فالخطّ الزمني يسير في اتّجاه واحد، دون ارتداد إلى الماضي أو المستقبل، وهو ما كان سيساعد على كسر جمود الشخصيّات الّتي لم تبح بالكثير ولم تكن حمّالة معاني، فكانت ردود أفعالها هي نفسها في كلّ المواقف والوضعيّات الدراميّة، رغم أنّ الممثّلة مسعودة بوخيرة مثّلت علامة مضيئة في تقمّص دور “الحاجّة”، وكُتِبت شخصيّتها بطريقة متقنة، وبنسبة أقلّ كان محمّد أوغليس ناجحًا في تقمّص دوره لولا خيانة النصّ السينمائي الّذي لم يتح له أن يحفر في شخصيّة أمين أكثر.

لكنّ نقطة الضعف كانت جليّة في شخصيّة نور الّتي جسّدتها الممثّلة سارّة ليساك، حيث حافظت على الحركات والإيماءات والوجه نفسه طيلة الفيلم في وضعيّات متباينة، وهو ما ساهم في إضعاف القدرة الإيحائيّة للفيلم عمومًا. وقد لا يكون لسارة ليساك، الممثّلة الّتي تميّزت في أدوارها السابقة، ذنب في ذلك، لأنّ سيناريو الفيلم كان فقيرًا ومفكّكًا نسبيًّا، مليء بالكليشيهات عن صورة الإرهابي والجماعات الجهاديّة ساهمت في تسطيح الحوار وجعله مباشراتيًّا جدًّا في بعض الأحيان. ورغم محاولة البحث عن جوانب أخرى في شخصيّة الإرهابي، من خلال قصّة حبّ أمين لنور، إلّا أنّها لم تخلق منعطفًا هامًّا في الفيلم جماليًّا أو دلاليًّا.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد