اختيار المحررينثقافةغير مصنف

الروائي الجزائري سعيد خطيبي: الجزائر تحت رحمة تاريخ مُنحاز ومبتور

الجزائر/ حوار: حسام الدين ربيع/ مجلة ميم

 

 

ولد في الـ29 ديسمبر/كانون الأول 1984، ببوسعادة ولاية المسيلة بالجزائر، أكمل دراسته العليا في السوسيولوجيا في جامعة السوربون عام 2011، يقيم في سلوفينيا، وقبلها، عاش في قطر أين كان يشرف على إدارة تحرير مجلة “الدوحة” الثقافية، له عديد المؤلفات منها “كتاب الخطايا” (رواية)، “أربعون عاما في انتظار إيزابيل” (رواية)، “بعيداً عن نجمة” (ترجمات شعرية لكاتب ياسين)، 2009، “مدار الغياب” ترجمة لقصص جزائرية باللغة الفرنسية، “عبرت المساء حافيا” مؤلف حاور فيه أكبر الروائيين، إضافة إلى كتاب في أدب الرحلة تحت عنوان “جنائن الشرق الملتهبة”.

كما نال جوائز مهمة منها جائزة الصحافة العربية عام 2012 وجائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة عام 2015، وجائزة كتارا للرواية العربية لعام 2017 عن رواية “أربعون عاماً في انتظار إيزابيل”..إنّه الكاتب والمترجم والإعلامي الجزائري سعيد خطيبي متحدثا في حوار مع “ميم” عن أخر أعماله الأدبية “حطب سراييفو” وقضايا أخرى مهمة.

 

 

  • تقدّم في معرض الجزائر الدّولي للكتاب، الذي ينطلق نهاية الشّهر الجاري ويستمر إلى غاية الـ10 نوفمبر/تشرين الثاني الداخل، رواية جديدة بعنوان”حطب سراييفو”، كيف جاءتك فكرة الكتابة عن سراييفو؟

شرعت في كتابة هذه الرّواية، عام 2013، بعد زيارتي إلى سراييفو، للمرّة الأولى، حيث أقمت هناك بضعة أشهر. ونقطة البداية كانت مصادفة، حيث عثرت، في متحف مُستقلّ، بوسط المدينة، على قصاصات جرائد، تؤرّخ لكرونولوجيا الضّحايا، كلّ اليوم، وردت من بينهم أسماء جزائريين. ثم تركت المخطوط جانباً، ولم أعد إليه سوى قبل نحو عامين.

عدت إلى سراييفو، مرّة أخرى، في إقامة أطول، تنقلت بين مدن وقرى، وأيضاً في دول الجوار (صربيا وكرواتيا والجبل الأسود)، بحثاً عن خيط يقودني إلى أولئك الجزائريين، الذين شاركوا في تلك الحرب، ثمّ شيئاً فشيئاً، شرعت في تلمّس أشياء أخرى، في فهم ما غاب عنّي، في الإحاطة بأوجه الشّبه بين الجزائر والبوسنة والهرسك، وفي تدوين الحكايات، وتوسيع رقعة الكتابة، فرغم أن الجزائر والبوسنة عرفتا حربين مختلفتين، في التسعينيات من القرن، فقد كانت الأسباب ذاتها ومتشابهة.

تعلّمت اللغة الصّربو– كرواتية، كي أتحاور مع النّاس، بشكل مُباشر، وكي أقترب من التّفصيلات. “حطب سراييفو” ليست رواية عن الحرب، بل عن النّاجين من الحرب، عن “ما قبل وما بعد”، تتبع مسارات وحيوات شخصيات.

خرجت، بأقلّ الأضرار، من الحرب، قبل أن تصطدم بحرب أخرى، لا تقل شناعة، وهي حرب البحث عن الهوية، واكتشاف أنها كانت تعيش في خدعة، فبطلا الرّواية: إيفانا وسليم، سيجدان أنهما كبرا في هوية غير هويتهما الأصلية، وأن الحرب كانت سبباً في أن يُعيدا النّظر في تاريخهما في أصولهما. تتولى الأحداث والحكايات، في الرّواية، إلى أن يفهما كيف آلت حياتهما إلى ما يعيشانه.

 

 

 

  • العمل فيه شيء من تاريخ صادم لجزائريين شاركوا في حرب البلقان، وربما أنت أوّل جزائري يكتب عن هذه القضيّة. كيف قدّمت هؤلاء الجزائريين؟ وما علاقة “حطب سراييفو” بالعشرية السّوداء؟

في الحقيقة، لم أعتمد على نموذج واحد ولا على شخص واحد ولا على قصّة واحدة، بل هو مزيج من نماذج كثيرة، من جزائريين شاركوا في حرب البلقان، كي أصوغ شخصيات الرّواية، وأسرد القصص، التي تتداخل فيما بينها. اهتممت بالبحث في التّفصيلات الصّغيرة، في هشاشة الإنسان، في الإمساك بالجزئيّات، في الخوض في الزّوايا المُعتمة، في التّنقيب عن الهوامش المنسيّة، وفي سرد حكايات..

 

 

الرّاي ليس ملك الجزائر وحدها والجدل حول أصوله مُفتعل

 

 

كلّ حكاية تُكمل ما جاء قبلها، بشكل حلزوني، إلى أن نعود، في النّهاية، إلى نقطة البداية. بالنّسبة للعلاقة مع العشرية السّوداء، الرّواية تسرد عاماً واحداً، من عشرية التسعينيات، عام تكثّفت فيه الأحداث، في مكانين مختلفين: سراييفو، التي خرجت لتوّها من حصار وحرب، والجزائر العاصمة التي كانت تعيش حرباً أهلية.

قبل أن يتقاطع المكانان وشخصياتهما. يتناوب البطلان في سرد قصصهما، وحياتهما، في الاستماع إلى بعضهما بعضاً وفي التقاط ما يدور حولهما، تتشابك سيرتهما، في ديكور من الفظاعة، ومن موت كان يحوم في سمائنا، كلّ يوم.

 

  • “أربعون عاماً في انتظار ايزابيل”… روايتك السّابقة تتحدّث عن الكاتبة والرّحالة إيزابيل إيبرهارت(1877-1904)، وتسرد وقائع تاريخية، كما في “حطب سراييفو”… هل يشكّل التّاريخ جزءا مهما من كتاباتك؟ وهل هو خيار أو طريقك في النصّ الروائي؟

التّاريخ يقرفص في صلب العملية الرّوائية. الرّواية ليست وظيفتها كتابة التّاريخ، بل كتابة ما يُمكن أن نُطلق عليه “تاريخاً مضاداً”. هناك – دائماً – تاريخ رسمي، تكتبه السّلطة، لكن ليس هو التّاريخ الحقيقي. في الجزائر، نعيش تحت رحمة تاريخ مزيّف ومُنحاز، ومبتور، كتب التّاريخ لا تقول شيئاً عن لحظات حرجة مرّت في تاريخنا المُعاصر، لهذه تأتي الرّواية لتسدّ الفراغات، لتقترح نوافذ جديدة نطلّ منها عما حصل، لتقول ما يعجز عليه الآخرون.

 

 

فشلنا في الترويج للأدب الجزائري في الخارج

 

 

ما قمت به في “حطب سراييفو”، وقبلها في “أربعون عاماً في انتظار إيزابيل” هو طرح كلّ الفرضيات المُمكنة، تجميع المادة والأرشيف، وصياغتها روائياً، بعيداً عن المحاكمات أو توزيع أوسمة الإشادة أو الإدانة، ففي النّهاية الحكم بيد القارئ، ولا ينوب عليه أحد آخر.  والرّوائي وظيفته الحكي والإمتاع.

في هذه الرّواية، اعتمدت على أرشيف واسع، استنزف مني أشهراً من البحث، قبل الشّروع في الكتابة، والرّواية تعود، في جزء منها، إلى الحرب العالمية الثّانية، في التّفتيش عن أصول الأحداث والوقائع، وما ربط بينها، كي نفهم سبب ما وصلنا إليه اليوم، ونفهم أسباب ما تعيشه شخصيات الرّواية، وتأثير بعض الأحداث التّاريخية المهمّة، على حيواتهم الشّخصية.

 

 

 

 

  • بما أنّك ترجمت نصوصا أدبية، تبدو الأعمال الجزائرية قليلة الحضور في المكتبات الغربية وحتى في معارض الكتاب، ما السّبب برأيك؟ وهل للترجمة دور في هذا الغياب؟

إذا تحدّثنا بموضوعية، فالأدب الجزائري يُترجم، بشكل جيّد. وهنا أقصد الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية. يُحظى باهتمام في لغات أخرى. فيما يخصّ الأدب المكتوب بالعربية، هنا القضية شائكة، نحن نعلم أن صلتنا الأقرب بالغرب، تبدأ من فرنسا، نظراً لظروف تاريخية، بالمقابل يبدو القارئ الفرنسي غير مهتم بما يُكتب عندنا بالعربية، لأنه مكتف بما يتوافر له من نصوص لجزائريين، كُتبت مباشرة بالفرنسية.

 

 

“حطب سراييفو” تتبع مسارات أشخاص في حرب البلقان منهم جزائريين

 

 

يشعر أن أولئك الكتّاب الذين اختاروا الفرنسية لغة لهم، يقدّمون له ما يودّ الاطلاع عليه، ولا يحتاج إلى ترجمات. من جهة أخرى، قبل أن نُعاتب الآخر على عدم التّرجمة، نقرّ أننا فشلنا في التّرويج للأدب الجزائري المكتوب بالعربية، والأسباب السّياسية لها دور، لا يخفى على أحد صعوبة تصدير الكتاب إلى الخارج، بحكم القوانين المتصلّبة، بالتّالي فقد بقي الكتاب الجزائري، بالعربية، طويلاً، محتجزاً في الدّاخل، ولا يعلم القارئ الأجنبي ماذا يُكتب أو ماذا يحصل بين حدود بلدنا.

التّرويج للكتاب يبدأ من إعادة النّظر في القوانين التي تضيّق عليه التّحرّك وتقلّل من حريّته.

 

 

 

  • هل حياة المهجر تعد دافعا يجعلك تحبّ الكتابة عن بلدك وتستذكر أمكنتها بتوليفة تاريخية دائما؟

أنا أتردّد، باستمرار، على الجزائر، وأقضي فيها أوقاتا طويلة من العام. لكن، من جهة أخرى، الابتعاد يوفّر لنا سبباً للنظّر إلى الأشياء، على مسافة، والإحاطة بها، بموضوعية.

وأكثر شيء امتلكته، في هذه الحركة بين الدّاخل والخارج، هو “الحقّ في الحريّة”. ولا أقصد هنا حرية الكلام أو الرّأي، فهذا اختصار يُميع مفهوم الكلمة، أقصد منها حرية التّفكير، حريّة الاختيار، وكذا حرية الوصول إلى الأرشيف، وهو أمر آخر مهمّ، بحكم أن أرشيف بلدنا، يوجد جزء كبير ومهمّ منه في الخارج، وليس في الدّاخل.

لم أشعر يوماً باغتراب لأنني أعيش، بتوقيت الجزائر، واتّخاذ مسافة من المكان والأحداث جعلني أنظر إلى الأشياء بتمعّن، خالٍ من الانفعالات ومن الذّاتية.

 

 

 

 

كتبت عن فن الراي (أعراس النّار..قصّة الرّاي) ولاقى كتابك صدى واسعا، اليوم هناك جدل بشأن أصل هذا اللون الفنّي وهذه الموسيقى الجميلة بين المغرب والجزائر، لماذا برأيك؟

هو جدل مختلق، ويثيره أشخاص متعصّبون لهويتهم ومنغلقون في أنانيتهم. برأيي الرّاي ليست فقط موسيقى جزائرية، بل هي موسيقى مغاربية، أو أكثر، هي موسيقى الجاليات المغتربة، هي موسيقى أحياء الصّفيح، في كلّ الأمكنة، هي موسيقى ضدّ الرّأي الواحد، هي ملك شعوب ومجتمعات وليست ملك أفراد أو مؤسسات، ومحاولة حصرها في إطار جغرافي ضيّق يتناقض مع ماهية الرّاي، باعتباره فناً يخرج عن التّصنيفات الضّيقة، ولا يقرّ بالتّخندق.

الرّاي جزائري ومغربي وتونسي، إلخ. وأرى أنه من المفيد النّظر إلى هذه الموسيقى كموروث مشترك، وأن لا نحتجزها في زجاجة، نفتح لها فضاءات أوسع، خلف الحدود، كي لا تفقد شعورها بالحريّة.

 

 

تعلّمت اللغة الصّربو– كرواتية، كي أتحاور مع النّاس، وأكتب عنهم

 

 

  • أنت من مواليد الثمانينيات، لمن كنت تستمع من مغنيّ الرّاي؟ وهل تحضّر لكتاب تخصّ به أحد نجوم الراي كالمرحوم حسني أو خالد أو مامي؟

يصعب أن أفرّق بين مغنيّ الرّاي، ولا سيما منهم جيلي السّبعينيات والثّمانينيات، كنت أستمع لكلّ ما هو راي، أكاد أعرف كلّ المغنين والملحنين والمنتجين، ثم في مرحلة لاحقة، سمحت لي ظروف بأن التقيت عدداً منهم، وصرنا أصدقاء. أصدرت، قبل أربع سنوات، كتاب سيرة عن الشّاب حسني، وشرعت، بعد ذلك، في تدوين مقالات مطوّلة، ليس عن مغنين، بل عن جلسات الرّاي النّسوي، عن طقوسها، عن الشّيخات، وعن السّهرات العفوية التي يشرفن عليها، وهي مجموعة مقالات، ما تزال على اللابتوب، أحاول أن أتصيّد الوقت بغرض إتمامها، مع إضافات وتعديلات أخرى، كي تصير جاهزة.

 

 

  • ظهرت عشرات الأصوات الجديدة والشّابة (هناك من عمره 17 سنة) في عالم الكتابة الرّوائية بالجزائر، بماذا تنصحها؟

أهمّ نصيحة يمكن أن تقدّم لكاتب شاب هي أن لا يسمع أي نصيحة. الكتابة مغامرة، تجريب، صدمة، يخوضها بنفسه، بأخطائه، التي سيتعلّم منها، ويصوّبها، أن يقفز في الماء، ولا ينتظر يد تمتدّ إليه، أن يكتب بطيشه ووقاحته وجنونه وحبّه، وأن يعيشها عارياً، دون تزييف.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد