دين وحياة

مؤرخ جزائري: الفتوى أثناء الثورة التحريرية كانت سلاحا فتاكا لمحاربة المستعمر الفرنسي

 

 

لعبت الفتوى الدينية خلال ثورة التحرير الجزائرية التي اندلعت في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 1954م، دورا كبيرا في دحر الاستعمار الفرنسي للبلاد، من خلال دعوة الشعب الجزائري، إلى الإلتفاف حول الثورة واعتبار أن كل من يتعامل مع الاستعمار بأي شكل من الأشكال يعتبر مسيئا الى الثورة و الى الشعب الجزائري و كذا الى دينه.

 

 

وفي حديث للإذاعة الجزائرية، أكد الدكتور في التاريخ الأستاذ يوسف مناصرية، عضو مجلس الوطني للبحث في التاريخ العسكري بوزارة الدفاع الوطني، أن الفتوى أثناء الثورة التحريرية كانت سلاحا يستعمل لتحقيق مكاسب لصالح من يصدر الفتوى، حيث كانت تقوم بدعوة كل الجزائريين الى الالتفاف حول الثورة نظرا لأن المجتمع الجزائري مرتبط بقيمه الدينية.

 

و قال يوسف مناصرية إن  الفتوى كان لها بعدا استراتيجيا و فّعّالا بجمع الجزائريين حول هدف معين تصدر عن علماء معروفين و لهم شهرة واسعة و لهم مصداقية داخل المجتمع، مبرزا أن الفتوى تمركزت حول شرح للشعب الجزائري بكل وضوح و مصداقية أن هذه الثورة هي ثورة ذات هدف حضاري ديني انساني لتحرير الشعب الجزائري لذلك ركزوا على قضية أن كل من يتعامل مع الاستعمار بأي شكل من الأشكال يعتبر مسيئا الى الثورة و الى الشعب الجزائري و كذا الى دينه.

 

و لفت الباحث في التاريخ إلى أن المجاهدين ركزوا عند طلبهم الفتوى لانقاذ الثورة تدعو الشعب الجزائري الى الالتفاف حول الثورة و الابتعاد عن كل المخططات الاستعمارية و دعم الثورة بالرجال و السلاح و المؤن، في حين حاولت فرنسا استغلال الفتوى لصالحها و أصدرت فتوى  أن وجودها في الأراضي الجزائرية قضاء و قدر و صودق عليها في المراسلات و كتب فيه النصف الأول من الآية 128 من سورة الأعراف “… ان الأرض لله يورثها من يشاء..”

 

وأشار مناصرية أنه خلال السنة الأولى من الثورة كان الكثير من الشعب الجزائري يشتغلون في المصانع الفرنسية ويتعاملون معهم ، مؤكدا أنه وبعدما  أصدر علماء الجزائر أمثال الشيخ العربي التبسي و خير الدين ،فتوى أن كل جزائري يفيد الاستعمار أو يتعامل معهم فهو آثم.

 

 

الشيخان خير الدين والتبسي ودعم الثورة 

لم يتوانى شيوخ جمعية العلماء المسلمين وعلمائها على دعم ثورة التحرير، فمنذ اندلاعها، وقف الشيخ محمد خير الدين البسكري، أمام تلاميذ معهد ابن باديس وأساتذته، وأخذ يشحذ هممهم للدخول في خضم الكفاح العسكري والسياسي. ووفق ماتشير المراجع، فقد كان الشيخ البسكري، يعمل في ميادين جبهة التحرير الوطني مع قادتها إلى أن كلف بمهمة و مسؤولية في المغرب الأقصى فالتحق بها و ظل مكافحا إلى الإستقلال.

 

 

 الشيخ  العربي التبسي، كان أيضا أحد العلماء الذين عملوا على دعم ثورة التحرير الجزائرية، من خلال بث التربية والتعليم والتوعية الثقافية والدينية، و إعداد الشعب نفسنيا وفكريا وروحيا للمشاركة في الكفاح المسلح و الثورة المسلّحة، علاوة على أنه أفتى بتحريم الإمتناع عن الجهاد،  قائلا إنه “لا يجوز لأيّ مسلم بدون عذر أن يتخلف عن الجهاد”.

 

ومما نقله المؤرخون، فقد كان الشيخ التبسي، خادم  ثورة التحرير من البداية، مما جعله مستهدفا من أعين المستعمر الأجنبي، التي أرادت به سوءا، فكان أن نصحه المقربون من أصدقائه  ومن قيادة الثورة بمغادرة البلاد، فأبى ذلك، قائلا  “إن خروجي اليوم والوطن في حرب، يعد فرارا من الزحف الذي هو أكبر الكبائر، أنا لو كنت خارج الوطن ووقع هذا فيه، لدخلت فورا.”

 

وأضاف الشيخ “وإذا خرجت أنا وأمثالي في هذه الظروف، فمن يشجع الأمّة ويحثّها على مساندة الثورة؟ إنّ الحالة خطيرة حقا، وإنّ الأعداء ليهدّدوننا في حياتنا في كلّ لحظة،  فماذا نصنع؟ أنترك الميدان لهم؟ كلاّ وألف كلاّ! سأمكث هنا في الجزائر، وليكن ما يكون! “، وكان يردد المثل الشعبي “هنا يموت قاسي“.

ومما دونته كتب التاريخ الجزائري، أيضا أن السلطات الاستعمارية، لما لاحظت مدى النفوذ المعنوي الذي يتمتع به الشّيخ التبسي في أوساط الشّعب، حاولت التأثير عليه بطرق شتى لعزله عن حركة الثورة، فأرسلت إليه مندوبين عنها محاولين دفعه إلى التفاوض وإنهاء الحرب.

لكن الشيخ رد بحزم وثقة رجل وطني أن ” فرنسا  إذا أرادت إيقاف الحرب فلتفاوض جبهة التّحرير، أما العربي التبسي وغيره، فليس لهم أن يتكلّموا باسم الشّعب وثورته، ولا يستطيعون إيقاف ثورة الأمّة كلّها “.

ومنذ ذلك الحين لجأت سلطات الاحتلال إلى خطف الشيخ التبسي، من داره ببلكور، و قامت باغتياله، وإخفاء جثّته، التي لم يعرف لها مكانا إلى يومنا هذا.

 

 

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد