اختيار المحررينثقافةغير مصنف

عائلة عمروش الجزائريّة: مسيرة كفاح وإبداع

 

        

تُعتَبر عائلة عمروش من العلامات المضيئة في تاريخ الجزائر المعاصر على مستوى الإنتاج الأدبي والفنّي، بأضلاعها الثلاثة: الشاعرة الأمّ مارغريت (فاطمة) آيت منصور عمروش وابنتها المغنّية والروائيّة طاوس مارغريت عمروش وابنها الصحفي والشاعر والروائي جان موهوب عمروش.

 

عاشت هذه العائلة رحلة حياة صعبة، قاومت فيها الرفض والنكران ووحشة المنفى بالكتابة والفنّ، لترسم ملامح تغريبة إنسانيّة خالدة، أنتجت تجارب فنّية فريدة لفّها النسيان والجحود.

 

 

وُلدت الأمّ مارغريت آيت منصور عمروش، في عام 1882، (وكان اسمها “فاطمة” عند الولادة) بقرية تيزي هيبل (بلدة آيت محمود حاليًّا) بمنطقة القبائل الجزائريّة؛ وهي القرية نفسها الّتي نشأ فيها الروائي الجزائري “مولود فرعون” والمغنّية “مليكة دومران”.

 

منذ ولادتها، بدأت رحلة المنفى، فهي ثمرة علاقة خارج إطار الزواج. فأمّها عينة آيت العربي، تمّ تزويجها في سنّ مبكّرة من رجل يكبرها بعشرات السنوات، وأنجبت منه طفليْن قبل أن يتوفّى بعد سنوات قليلة. فقرّرت أن تكون مسؤولة عن نفسها وطفليها، رافضة دعوة أخيها للعيش في منزل العائلة الموسّعة. ونتيجة لهذا القرار، تمّ نبذها من قِبل أفراد عشيرتها، لأنّ المرأة الأرملة أو المطلّقة كانت تعاني من نظرة دونيّة، وعودتها إلى منزل الأهل بعد وفاة زوجها أو طلاقها منه، كان السبيل الوحيد للتخفيف من حدّة هذه النظرة.

 

في ظلّ صعوبة حياتها، ومسؤوليّة رعاية طفليها ورفض المجتمع لها، ظهر الرجل الّذي أحبّته وأوهمها بأنّه المنقذ، وعدها بالزواج وعاشت معه قصّة حبّ مدوّية، لكنّه سرعان ما انسحب عندما علم بأنّها تحمل جنينا منه. وتركها لتواجه نبذ أهالي قريتها وتهديدات أفراد عائلتها. فهربت عينة من “تواريت موسى” (تيزي وزّو حاليّا) إلى قرية تيزي هيبل، أين وضعت ابنتها فاطمة آية منصور، الّتي جاءت إلى الحياة حاملة عارًا لم تقترفه، ذنبها الوحيد أنّها وُلِدت ابنة غير شرعيّة لامرأة أرملة في مجتمع يعاني في تلك الفترة، من الجهل والتشدّد.

 

 

فاطمة آيت منصور عمروش

 

 

في طفولتها، تعرّضت فاطمة للعنف اللفظي والمعنوي كثيرًا، وهو ما دفع أمّها عينة إلى أن تضعها في مدرسة كاثوليكيّة بقرية “واضية”، حيث تكفّلت الراهبات برعايتها وتعليمها. وبعد زواج أمّها، فاطمة للقرية كي تعيش معها، وفي هذه الفترة تعرّفت فاطمة على التقاليد والأعراف “القبايليّة” من حكايات والدتها، وحفظت الأغاني والأشعار والروايات الشعبيّة.

 

 

 

 

لكنّ عينة غادرت الحياة سريعًا، فتركت فاطمة قرية “تيزي هيبل” نهائيّا ودون رجعة، وعادت لتعمل بمستشفى مسيحي في بلدة أخرى من منطقة القبائل. وقد كان للراهبات المسيحيّات تأثير كبير على شخصيّة فاطمة منذ أن تعهّدوها بالرعاية في طفولتها، فاعتنقت المسيحيّة، ليصبح اسمها “مارغريت”.

 

في سنّ السادسة عشر، تزوّجت مارغريت من رجل جزائريّ عاش حياة شبيهة بحياتها، وتنصّر ليصبح اسمه أنطوان عمروش (اسمه عند الولادة بلقاسم) وقد كان هذا الرجل زوجًا مكافحًا وسندًا قويًّا لها. سافرت معه إلى تونس الّتي عاشت فيها 40 عامًا تقريبًا. لكنّ مارغريت حملت معها موطنها “القبايل” في ذاكرتها وفي قلبها وفي كتاباتها، وقد كتبت في مذكّراتها: “أنا لم أغادر القبايل، لقد تركت روحي هناك، رغم الأربعة عقود الّتي قضّيتها في تونس، ورغم أنّ تعليمي هو فرنسيٌّ بالأساس”.

 

ورغم أنّها كانت منفيّة في المكان وفي اللغة، ظلّ الوطن يسكن في داخلها بكلّ مشاهده وتفاصيله وتراثه وحكاياته وأغانيه وذكرياته الأليمة، فقامت في عام 1930، بترجمة عديد من الأغاني البربريّة من التراث الشفوي القبايلي، إلى اللغة الفرنسيّة. وكتبت قصائد كثيرة أهدتها إلى أطفالها الّذين وافتهم المنيّة باكرًا، ليضاعفوا حجم غربتها وألمها، أبناؤها بول مهنّد سعيد ولويس مهنّد صغير ونوال سعدي، وكان شعرها مفعمًا بالألم والأمل، عبقًا برائحة الجزائر وحافلًا ببطولات فرسانها ومقاوميها ورموزها النضاليّة خلال حرب التحرير الجزائريّة.

 

 

 

 

كما أنّ صوتها كان يصل إلى الجزائر من خلال أغانيها الّتي حفظها ذلك الجيل عن ظهر قلب، وردّدها كشكل من المقاومة الهوويّة للمستعمر. وقد أعادت ابنتها طاوس مارغريت عمروش أداء كثير منها بطريقة أوبراليّة رائعة.

 

 

طاوس عمروش

 

 

وطاوس عمروش هي أوّل امرأة جزائريّة كتبت رواية، في عام 1947، بعنوان “الياقوتة السوداء”. وتتالت أعمالها القصصيّة والروائيّة، الّتي كتبتها باللغة الفرنسيّة، وأبرزها رواية “البذرة السحريّة” في 1967، لتكمل بذلك مشروع أمّها مارغريت فاطمة آيت منصور، في حفظ التراث الأمازيغي من الزوال، فضمّنت أعمالها الحكايات الشفهية والأساطير والأمثال والحكم الشعبيّة الأمازيغيّة.

 

 

طاوس عمروش باللباس التقليدي القبايلي، الّذي كانت حريصة على ارتدائه دائمًا

 

 

صفحة من كتاب الأغاني الأمازيغيّة لطاوس عمروش

 

 

هذا بالإضافة إلى تمحور أعمالها حول تيمات أساسيّة هي: الوطن والمنفى، الحنين والغربة، المقاومة والاستعمار، وأشكال اضطهاد المرأة في المجتمع الجزائري في عهد الاستعمار الفرنسي، فمعاناة كلّ من أمّها وجدّتها، بقيت محفورة في وجدانها دائمًا، وهو ما يظهر جليًّا في أنّها قُرنت اسمها “طاوس” باسم أمّها على أغلفة الأعمال الّتي كتبتها، فكانت توقّع باسم “مرغريت طاوس”.

 

 

 

لقد كانت عائلة “عمروش” الجزائريّة، إحدى العائلات الفنّية المكافحة في القرن العشرين، بدأت رحلتها بكفاح الجدّة “عينة” مرورًا بالأمّ مارغريت فاطمة، وصولًا إلى الحفيدة طاوس عمروش، كافحن ضدّ التشويه الّذي طالهنّ بسبب اعتناقهنّ المسيحيّة، كافحن من أجل التعليم والثقافة، كافحن ضدّ سطوة المستعمر، وكنّ على علاقة وطيدة برموز النضال الجزائري في الخمسينيّات والثلاثينيّات، وكافحن من أجل حفظ التراث القبايلي الأمازيغي.

 

رواية البذرة السحريّة لطاوس عمروش

 

 

جان موهوب عمروش

 

 

الديوان الشعري (الأغاني الأمازيغيّة) لجان عمروش

 

 

وهذا ما جعل مارغريت فاطمة آيت نصر وابنتها طاوس مارغريت عمروش، محلّ ترحاب وتقدير كبيريْن في الأوساط الفكريّة في شمال إفريقيا وأوروبّا. وقد كان الابن جان موهوب عمروش خير سند لهاتيْن المرأتيْن العظيمتين، حيث كان شاعرًا وصحفيًّا لامعًا ساعدهما كثيرًا في كفاحهما الطويل، وشاركهما في الكتابة والترجمة والنضال المستميت من أجل الحفاظ على الموروث الثقافي الأمازيغي، والدعوة إلى وطن يسع الجميع، مختلف ومتعدّد وموحّد في جبهة واحدة ضدّ الاستعمار الفرنسي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد