اختيار المحررينثقافةغير مصنف

 “حليب أسود” لإليف شفق: الأم الكاتبة وثنائية الحبر والأمومة

خديجة بن صالح- مجلة ميم

 

 

أي تقاطع بين الأمومة والكتابة ؟ وهل ثمة ما يجمع بين الحبر وحليب الثدي ؟؟ وكيف يصبح الإنجاب محفزا للإبداع الروائي؟وما الفرق بين أن تكون الأنثى مسؤولية عن كائن صغير من لحم ودم يحتاج إلى حليبها ليحيا وبين مسؤوليتها عن كائنات ” حبرية ” تخلقها من محض خيالها وترسم لها مصائر كما يحلو لها ؟؟؟

 

تلتهب هذه الأسئلة في الذهن وتتوقد كشرارة ونحن نطالع النص السردي  ” حليب أسود ” للكاتبة التركية الشهيرة إليف شفق التي باتت كاتبة عالمية بكل المقاييس فأعمالها تصدر بالتركية والإنجليزية والفرنسية والألمانية وبعضها يترجم أيضا إلى العربية ولغات أخرى.

ونحن نتصفح هذا النص الروائي الذي يصنف ضمن كتابة الترجمة الذاتية التي تتقاطع مع الإبداع الروائي نتوقف بدء عند المفارقة التي يقوم عليها فالحليب الذي دأبنا على إرتباطه بالبياض الناصع يصبح لدى صاحبة قواعد العشق متشحا بالسواد. وهذا قطعا ما يحرض فضول القارىء للإلتهام هذا النص .

 

الأمومة تحتاج إلى التوحد ، تحتاج إلى الثبات والكمال ، بينما كنت منقسمة داخليا إلى عدة أصوات ولذا تصدعت تحت ذلك الضغط النفسي ووقعت فريسة الإكتئاب “

 

من هذه الكلمات التي خطتها إليف شفق ندخل هذا النص ومن تصدعها الداخلي نحاول فهمه فهي التي واجهت إكتئاب ما بعد الولادة الذي تتعرض له عديد النساء ولكن من تمزقها بين الأم  وبين الكاتبة ولد هذا ” الحليب الأسود “.

فقد عاشت الكاتبة تجربة قاسية بعد إنجابها لإبنتها عام 2006 فعانت من الإكتئاب وأرادت أن تصوغ كل ذلك في نص روائي وترجمة ذاتية في الآن ذاته.

” لقد عنونت هذا الكتاب حليب أسود لسببين : الأول :  حليب الأم ليس دائما بالبياض الناصع و”الطهرية” التي يؤمن بها المجتمع  والثاني : من الإكتئاب ولد الإلهام ومن هذا الحليب الأسود إستخرجت شكلا من أشكال الحبر”.

وينفتح النص الذي يراوح بين الترجمة الذاتية والخيال على حالة الإكتئاب والإنهيار التي تعيشها الكاتبة في مرحلة ما بعد إنجابها لإبنتها لتجد نفسها منصهرة في عوالم فرجينيا وولف وسيمون دي بوفوار ثم سيلفيا باث.

 

 

 

وهي في كل ذلك تنشد حالة من السلام الداخلي وإمكانية التوحد بين بعدي الأم والكاتبة في شخصيتها.

وفي الكتاب تقر شفق بأنها لم تكن تعتبر نفسها منذورة للأمومة وكان الكتابة لعبتها المفضلة التي تجيد التحكم في كل خيوطها.

ولكن عندما أنجبت إبنتها إكتشفت أن الأمومة لا تعني إنجاب الأطفال بل هي تعلم وتدريب وهي تحتاج إلى إمرأة موحدة الأبعاد وهو ما كان أمرا شاقا وبالغ التعقيد على نفس الكاتبة الشهيرة التي كان في أعماقها ” جوقة من النساء”.

ويمكن القول إن هذا الكتاب الذي ينشد التوحد والسلام الروحي هو رحلة كل باحث عن مصالحة مع الذات وليس المرأة الكاتبة فقط.

 

 

كما يعري هذا النص وضعية المرأة الكاتبة والمأزق النفسي الذي تتردى فيها من خلال تمزقها بين الكائنات الحبرية التي تخلقها وبين تعاطيها مع كائن حملته في أحشائها. وهو ما يجعل الكتابة في بعد ما فعلا شاقا على المرأة وتحديدا الأم وهي قطعا أيسر بكثير بالنسبة للرجل حتى وإن كان أبا.

حليب أسود هو أيضا نص يحيل على أهمية  فعل الكتابة وهو كتاب واقعي جدا لا تفر صاحبته من السياق الذي تعيش فيه ونعني العصر والثقافة . وهو يجعلنا نطالعه بعيون مفتوحة جدا وأرجل ثابتة في الأرض .

هو مقاربة لعالم الكتابة في عالمنا المعاصر والذي فيه تكون المرأة أنثى أولا ثم كاتبة في المقام الثاني .

وهذا ما يقودنا إلى صراع الأدوار الذي تعيشه المرأة في مجتمع اليوم وهي التي تعددت المهام الموكولة إليها ومع ذلك مازال ينظر إليها كأنثى منذورة للزواج والأمومة بدرجة أولى فحسب. ولذلك غالبا ما يسلط عليها المجتمع مجهره ليلتقط أي مظهر من مظاهر تقصيرها في الدور الأساسي الموكول إليها.

 

 

وفي هذا النص الجميل الذي صاغته إليف شفق بمنتهى العذوبة نتابع ذاك الصراع الذي عاشته وليست وحدها في هذا المجال بين مجموعة من النساء اللواتي يستوطن أعماقها وهن بشكل من الأشكال مجموعة من الأبعاد لشخصيتها التي كانت تبحث عن التوحد والتماهي للتجاوز وجع هذا التمزق .

ولعل أهمية كتاب حليب أسود تكمن في كونه يمكن أن يحلل من زاوية أدبية نقدية وفنية عن نص يجمع بين المتخيل والواقعي وعن قضية الكتابة  كفعل يؤصل كيان الفرد.

ومن زاوية نظر العلوم الإجتماعية يمكن ان نصنفه بمثابة طرح جريء لمسألة الأمومة في مجتمعاتنا المعاصرة والإهتمام بالأطفال في سياقات لازالت الغالبية العظمى تراها مهمة نسائية في حين يرى البعض ضرورة التعاطي بمنتهى الإنصاف فيها من خلال تقاسم الأدوار بين الأب والأم.

ولعله من المهم الإشارة إلى أن الكاتبة التركية إليف شفق من أهم الأقلام النسائية في العالم اليوم قرئت في حوالي ثلاثين لغة  وتنوعت مضامين رواياتها المتعددة .

ومن أهم أعمالها نذكر : لقيطة إسطنبول وقواعد العشق الأربعون وبنات حواء الثلاث ثم شرف  والفتى المتيّم والمعلم.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد