الرئيسيثقافةغير مصنف

الشخصيات النسائية في روايات نجيب محفوظ

كيف مثـّلت إحسان ونفيسة و أمينة وسوسن ونور وزُهرة المرأة في المجتمع المصري على مدار نصف قرن؟

 

 

اهتم الكثير من النقاد والباحثين بموضوع المرأة في أدب نجيب محفوظ وبتحليل الشخصيات النسائية العديدة التي حفل بها أدبه الغزير، من بينهم د. فوزية العشماوي صاحبة كتاب”المرأة في أدب نجيب محفوظ: مظاهر تطور المرأة والمجتمع في مصر المعاصرة من خلال روايات نجيب محفوظ (1945-1967م)” الذي نتناوله بالعرض في هذا المقال.

 

والكتاب في الأصل هو الجزء الأول من الرسالة  التي حصلت د. فوزية بموجبها على درجة الدكتوراه في الآداب من جامعة جنيف عام 1983، أما الجزء الثاني من رسالتها فتمثل في ترجمتها لرواية نجيب محفوظ “ميرامار” إلى الفرنسية. وقد ترجمت المؤلفة كتابها ترجمة مختصرة إلى اللغة العربية صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام 2002م.

 

 

محفوظ والمرأة

وقبل أن نبدأ في عرض عدد من الشخصيات النسائية التي أوردها نجيب محفوظ في رواياته كما رصدتها الباحثة في دراستها، نتطرق إلى موقف نجيب محفوظ من المرأة ، إذ تشير د. فوزية إلى  أن محفوظ كتب مقالة في مجلة السياسة الأسبوعية عام 1930 وهو لا يزال في التاسعة عشر من عمره، بعنوان “المرأة والعمل في الوظائف الحكومية” طالب فيها بتعليم الفتاة المصرية ولكنه انتقد بشدة عملها في الوظائف الحكومية لأنه يتسبب من وجهة نظره في زيادة البطالة بين الشبان كما يؤدي إلى انحلال الأخلاق في الدواوين الحكومية وإلى تفكك الأسرة. وتؤكد المؤلفة أن محفوظ احتفظ بهذه الآراء الشبابية التي يمكن اعتبارها متزمتة ومعادية للمرأة بعد أن أصبح روائيا مشهورا!

والآن إلى المرأة المصرية كما يقدّمها عالم نجيب محفوظ

 

إحسان في “القاهرة الجديدة” (1945)

في هذه الرواية يعرض نجيب محفوظ واقع المجتمع المصري في حقبة الثلاثينيات وما يموج به من فقر وظلم وفساد، وذلك من خلال شخصية “إحسان شحاتة” الفتاة الجميلة التي مثلت دورها الفنانة سعاد حسني في فيلم القاهرة 30 المأخوذ عن الرواية. تعيش إحسان صراعا رهيبا بين طموحاتها وتطلعاتها الطبقية وبين وضعها الأسري والاجتماعي.

فهي تنتمي لأسرة معدمة كثيرة العدد، أمها كانت في ماضيها تعمل عاهرة وأبوها كان قوادا سابقا، لا يتوانى عن دفع ابنته الشابة الجميلة إلى “إيجاد حل سهل وسريع” لإخراجهم من الفقر والعوز، ومن ثم فهي تتمزق بين حبها لعلي طه الشاب الجامعي الاشتراكي، وبين طريق الانحراف الذي تُدفع إليه دفعا تحت وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيش أسرتها في ظلّها.

 

 

 

وكانت ترى خطيبها مثاليا أكثر من اللازم، فهو ينادي بالمبادئ الاشتراكية لكنه لا يشعر بما تواجهه من مشاكل واقعية، ولا يجد لها حلا. فتضطر في النهاية إلى أن تبتعد عن الشاب المثالي الذي تراه يعيش في الخيال لا في الواقع وتنزلق في الطريق الآخر فتصبح عشيقة قاسم بك وكيل الوزارة رمز الطبقة الفاسدة التي تحكم البلد.

 

 

 

 

وعندما تحمل منه سفاحا يزوجها من محجوب عبد الدايم، الشاب الريفي الذي أتى للقاهرة فواجه الفقر والجوع والبطالة، فاضطر لقبول عرض قاسم بك بأن يعينه سكرتيرا خاصا في مكتبه مقابل أن يتزوج من عشيقته ليسترها من الفضيحة، بل عليه أيضا أن يقبل استمرار علاقة البك بها من خلال زيارتها في منزلهما كلما أراد! وهكذا يوضح محفوظ كيف أن الفقر والظلم الاجتماعي يمكن أن يضطرا أمثال إحسان ومحجوب لقبول أوضاع مهينة.

وتذهب الباحثة إلى أن إحسان ترمز أيضا لمصر الممزقة بين جمالها وفقرها، وبين شبابها المثالي ومستعمريها المستغلين.

 

نفيسة في بداية ونهاية (1949)

فتاة عشرينية على قدر محدود من الجمال، تعيش مع أسرتها التي تنتمي للطبقة الوسطى والمكونة من أب يعمل موظفا حكوميا بسيطا في وزارة المعارف وأمّ ربة منزل و3 إخوة ذكور.

وقد أدت دورها الفنانة سناء جميل في الفيلم الذي حمل الاسم نفسه. التحقت نفيسة بالمدرسة الابتدائية ودرست بها حتى سن البلوغ، مثلها مثل معظم البنات من طبقتها في الثلاثينيات، فقد جعلها والدها تمكث في البيت مع أمها لمساعدتها في شئون المنزل ولتتعلم فن الطهو انتظارا للعريس.

كانت نفيسة تعيش حياة هانئة ولكن وفاة أبيها المفاجئة مثـّل الحدث الذي قلب حياتها رأسا على عقب وفرض عليها أن تسلك مسارا مختلفا تماما عما كانت تحلم به وتأمله. فقد أدى موت الأب إلى تردي الوضع الاقتصادي للأسرة، فالمعاش الذي كانت تعطيه الحكومة أقل من ثلث الراتب الأصلي الذي هو بدوره ضئيل.

 

 

 

بل إن صرف هذا المعاش سيتأخر عدة أشهر بسبب الإجراءات الروتينية الحكومية وهو ما يعني أن الأسرة وجدت نفسها فجأة بلا أي مورد رزق وبلا مدخرات تركها عائل الأسرة الوحيد.

تتخذ الأم التي وجدت نفسها فجأة وحيدة ومسئولة عن أربعة أبناء أكبرهم شاب فاسد بلا مؤهل ولا عمل وأصغرهم ما يزال في مراحل التعليم عدة قرارات لمواجهة الوضع الجديد، فتننتقل الأسرة إلى شقة أصغر وتستغني عن الخادمة الصغيرة كما ألغت الأم أيضا وجبة العشاء وأخذت تبيع من أثاث البيت.

كل هذا لم يحل الأزمة، فلم يكن بد من أن تتحمل “نفيسة” الابنة الوحيدة المشاركة في تحمل المسئولية بأن تعمل خياطة، وهي مهنة كان المجتمع ينظر إلى من يمارسنها آنذاك باحتقار، فالفتاة التي تخرج من بيت لتدخل بيتا آخر وتعامل الرجال محل شك في أخلاقها، فالمحترمات يمكثن في منازل آبائهن حتى ينتقلن إلى منازل أزواجهن.

 

 

 

 

قبلت نفيسة مضطرة هذا الوضع الجديد والمهنة التي ستفقدها فرصة الفوز بعريس محترم كانت تنظره كابنة موظف محترم، أما الآن فقد صارت مجرد “خياطة” تعيش في وضع اقتصادي واجتماعي يعافه الخطاب.

“لا جمال ولا مال ولا أب، كان يوجد قلبان يساورهما القلق على مستقبلي، مات أحدهما، وشغلت الهموم الآخر، وحيدة، وحيدة، وحيدة في يأسي وألمي، ثلاثة وعشرون عاما! ما أبشع هذا، لم يأت الزوج بالأمس والدنيا دنيا فكيف يأتي اليوم أو غدا؟! وهبه جاء راضيا بالزواج من خياطة فمن عسى أن يقوم بنفقات الزواج؟ لماذا أفكر في هذا؟ لا فائدة، لا فائدة. سوف أظل هكذا ما حييت

الأزمة النفسية التي صارت نفيسة تعيشها تحت وطأة الحرمان العاطفي والجسدي وتلاشي الأمل في أن تحيا الحياة التي تتمناها كل مثيلاتها مع زوج وأبناء، وقد بلغت الثالثة والعشرين في وقت كانت الفتيات فيه يتزوجن في الرابعة عشر،  جعلها تتعلق بسلمان ابن البقال، فرغم الفوراق الاجتماعية وأنه لم يكن من مستواها الاجتماعي، رأته حلا وحيدا لوضعها الذي صارت عليه.

 

ولكنه لم يكن جادا، أغواها فاستلمت في لحظة ضعف ويأس واحتياج، على أمل أن يتشجع ويطلبها للزواج، لكنه يتخلى عنها، خاصة أن أباه كان يريد تزويجه من ابنة صديقه، وهكذا تفقد نفسية في لحظة كل شيء، والأمل الضئيل الذي كانت تصبر نفسها به يتلاشى تماما، فتنجرف في تيار الانحراف وتمارس البغاء مع كل من ييدي لها الرغبة في ذلك.

وينتهي بها المطاف إلى الانتحار بإلقاء نفسها في النيل بعد أن ألقي القبض عليها في بيت دعارة وتم استدعاء شقيقها الضابط حسنين ليتسلمها من قسم الشرطة.

تقول المؤلفة إن محفوظ جسّد من خلال شخصية نفيسة المأساة التي كانت الطبقة المتوسطة في مصر تعيشها خلال الفترة ما بين الحربين العالميتين.

 

المرأة في الثلاثية: من أمينة إلى سوسن (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية 1956- 1957

تعتبر الثلاثية أبرز أعمال نجيب محفوظ، وقد تتبع فيها تطور الحياة في المجتمع المصري خلال الفترة من 1917 حتى 1944م من خلال حياة 3 أجيال لأسرة من الطبقة المتوسطة تعيش في القاهرة القديمة هي أسرة “السيد أحمد عبد الجواد” المكونة من زوجته أمينة وأبنائهما الخمسة: ثلاثة أولاد وبنتان.

تحفل الرواية بعدد كبير من الشخصيات النسائية، سواء تلك التي تنتمي إلى الطبقة الارستقراطية أو المتوسطة أو الشعبية، ومن خلال هذه الشخصيات يعرض محفوظ لتطور المرأة المصرية وعلاقتها بالرجل عبر الزمن. فأمينة هي الزوجة التقليدية الخاضعة التي تطيع زوجها طاعة عمياء، وهو الرجل المستبد الآمر الناهي الذي لا يقبل من زوجته إلا أن تلتزم بنظام الحياة الصارم الذي وضعه لها منذ بداية حياتهما معا، بينما يقضي هو لياليه في أحضان العاهرات من العوالم.

 

 

 

 

وعلى ذلك فإن أمينة سعيدة بحياتها معه وهي تعيش حبيسة البيت لا ترى العالم الخارجي إلا من خلال مشربيتها ولا تنادي زوجها إلا بـ “سيدي”، تأكل ما تبقى من طعامه وتجلس تحت قدميه وتساعده على خلع ملابسه وحذائه، وحتى عندما يتعدى هو على حقوقها وتحدث مشكلة بينهما (كالذي حدث عندما خرجت بدون استئذانه لزيارة سيدنا الحسين على بعد خطوات من منزلها) تحمل نفسها الذنب كله.

ولكنها، في الجانب المقابل كأم، تحظى بمكانة كبيرة في قلوب أبنائها وباحترامهم وكانت لها كلمة مسموعة وسلطة عليهم ذكورا وإناثا.

 

 

 

هذا النموذج الخاضع من الزوجات أعقبه في الجيل الثاني نموذج آخر يتمثل في المرأة نصف المتعلمة ونصف الخاضعة للزوج، فهي في منتصف المسافة بين القيم التقليدية وتيار المدنية الحديثة الذي بدأ  يزحف على المجتمع المصري، وتجسد هذا النموذج ابنتا أمينة: خديجة وعائشة. لم يكن لأي منهما رأي في اختيار الزوج، بل رضختا لقرار الأب الذي وافق على العريسين لأنهما نجلا أحد أصدقائه القدامى، وكان الزوجان الشابان أقل سيطرة وتعنتا من “سي السيد”.

 

 

 

كانت عائشة جميلة مرحة متفتحة للحياة ورغم أنها تزوجت زواجا تقليديا فإنها أحبت زوجها الطيب متفتح الذهن، حيث كان يسمح لها بارتداء الأثواب القصيرة تبعا لموضة ذلك الوقت وأن تضع المساحيق على وجهها وأن تقص شعرها على الطريقة الأوروبية، بل سمح لها بتدخين السجائر وشرب الخمور.

 

بينما كانت خديجة أكثر تزمتا، وحفاظا على العرف والتقاليد، وكانت أكثر اهتماما بشئون البيت والمطبخ، وقد ورثت عن أبيها النزعة الاستبدادية، إذ كانت تتبع في تربية أبنائها الشدة والحزم مثلما كان أبوها يفعل. وكانت لها آراء محافظة تجاه تعليم المرأة وعملها وتحررها.

أما نساء الجيل الثالث فقد كن أكثر تطورا ، ويبرز هنا نموذج “سوسن حماد” التي أحبها أحمد شوكت الابن الثاني لخديجة، وأصر على الزواج منها رغم اعتراض والدته الشديد.

 

 

وهي صحفية شديدة الثقة بنفسها وبمبادئها وفلسفتها في الحياة، وكانت تعتنق المبادئ الاشتراكية الثورية، ابنة عامل المطبعة التي أصرت على مواصلة تعليمها ودخول الجامعة والعمل مع أبيها الذي كانت دائما فخورة به وبكفاحه، لذا أعجب بها أحمد الذي كان ميالا للأفكار الاشتراكية أيضا وعندما طلب منها الزواج تلقت طلبه بهدوء وبدأت تناقشه بنوع من العقلانية جعلته يشك في حبها وعواطفها وأنوثتها.

 

-دعيني أصارحك بأنني كنت آمل أن أحظى بفتاة عاطفية لا بفكر محاسب مدقق!

فتساءلت وعيناها تتابعان البط السابح:

-لتقول لك أحبك وأوافق على الزواج منك؟!

-نعم!

ضاحكة:

-وهل تراني كنت أدخل في التفاصيل ما لم أكن موافقة على المبدا؟!

 

فالعلاقة بين الرجل والمرأة لم تعد علاقة “سي السيد” و”أمينة” بل علاقة ندية تقوم على التحاور والنقاش بين عقلين يفكران معا ويخططان معا بالمنطق ووسائل الإقناع العقلانية في الحوار.

 

نور في اللص والكلاب (1961).. المرأة البغي، ملوثة الجسد طاهرة النفس

تقول الباحثة إن المرأة من الطبقة الشعبية لا تشغل نفس المكانة الهامة التي تشغلها المرأة من الطبقة المتوسطة في روايات نجيب محفوظ، وهي محصورة في 3 نماذج: خادمة، عالمة، مومس.

والمرأة المومس في روايات نجيب محفوظ تظهر في كثير من الأحيان بمظهر الضحية المغلوبة على أمرها التي اضطرت إلى المتاجرة بجسدها كي لا تموت جوعا هي وأسرتها. وفي الوقت ذاته يحرص محفوظ على التأكيد أن كثيرا من المومسات المنحرفات يكنّ ذوات نفوس طاهرة وقلوب عامرة بالخير والعواطف النبيلة، حيث تكون موافقهن من بطل الرواية متسمة بالسمو والنبل والإيثار.

 

Related image

 

وفي بعض الأحيان يستخدم محفوظ المرأة المومس كأداة لكشف خبابا نفس البطل أو لكشف الرياء والغش والكذب، أي فساد نفوس الشخصيات “الفاضلة” من الرجال “المحترمين” الذين يحيطون بالمومس، وكأنه يريد أن يعقد مقارنة بين من يبدون محترمين لكنهم ينافقون المجتمع، ومن يحتقرهم المجتمع ولكنه فاضلون في أعماقهم.

ومن بين المومسات في روايات مجيب محفوظ شخصية “نور” في رواية “اللص والكلاب” التي تمثل شخصية المرأة البغي في قاهرة الخمسينيات. وقد أدت دورها الفنانة “شادية” في فيلم حمل الاسم نفسه. اسمها الحقيقي “شلبية”، ابنة خادم بسيط كان يعمل عند العمدة في قرية “البلينا” حيث “المياه الراكدة” رمز الفقر واليأس من التغيير والتطور.

هربت من قريتها دون سبب معروف ونزحت إلى العاصمة، ولكن المدينة الصاخبة القاسية ابتلعتها كما تبتلع يوميا آلاف الفتيات الريفيات الساذجات اللائي سرعان ما يقعن فريسة سهلة للبغاء وتجار الدعارة.

لا تظهر نور في الرواية إلا في فصلها الخامس، وفي الفصول السابقة كان البطل “سعيد مهران” قد عرض جزءا كبيرا من حياته ومأساته، فقد كان يعيش أزمة نفسية حادة جراء ما شعر به من ألم الخيانة، خيانة زوجته التي أحبها (نبوية) التي خانته مع صديقه وصبيّه ووشيا به ليخلو لهما الجو ويستوليا على كل شيء: البيت، وابنته، والأموال التي سرقها من الأغنياء.

وخيانة أستاذه ومعلمه الأول الصحفي الكبير رءوف علوان الذي كان طالبا ثائرا على المجتمع وسوء توزيع الثروات فيه، وينادي بتطبيق الاشتراكية ويشجع سعيد مهران على سرقة الأغنياء لأنهم لصوص أيضا سرقوا ثروات الشعب الفقير المطحون، وها هو يعيش في قصر فخم ويشنّ حملة صحفية شعواء عليه.

 

 

 

 

تلتقي نور بسعيد مهران صدفة، وكانت تجمعهما معرفة سابقة، كانت تحبه لكنه لم يبادلها نفس المشاعر، وتجددت مشاعرها نحوه عند لقائهما الثاني، ولكنه ظل على موقفه الجامد منها.

سابقا كان مخلصا لزوجته، وفيما بعد كانت تسيطر عليه الرغبة الشديدة في الانتقام ممن خانوه.

يتخذ من بيتها الذي تعيش فيه بمفردها مكانا آمنا للاختباء من الشرطة إلى أن ينفذ خططه الانتقامية، وقد باتت كل النساء في نظره رمز الخيانة والخبث. وكانت نور تدرك أنه يستغلها لأنه لا يجد مأوى آخر غير بيتها، ولكنها كانت تحبه بصدق حبا منزها من كل غاية، وتتعلق بالأمل الواهي في أن يبادلها يوما حبا بحب ويعيش معها ويترك خططه للانتقام. وتحيطه بعطفها ورعايتها وتلبي مطالبه.

 

 

 

 

يعرض علينا محفوظ جانبا من حياة تلك المرأة، فأقصى أمانيها الأمان والنومة المطمئنة والصحوة الهنية والجلسة الوديعة، وهي في الواقع تعاني من متاعب مهنة لا ترحم، لس فقط المعاناة النفسية لأنها تبيع جسدها لم يدفع، ولكن المعاناة الجسدية حيث يرفض بعض الزبائن (من الطلبة) دفع الأجر المتفق عليه وبدلا من ذلك يشبعونها ضربا وركلا. وإلى جانب هذا الواقع المؤلم، ثمة مستقبل مظلم بانتظارها.

تفشل نور في إقناع سعيد مهران بالعدول عما يخطط له حفاظا على حياته ومستقبله، فقد رفض أن يعيش في الحاضر وفضل الاستمرار في العيش في الماضي الذي صار بالنسبة له حاضرا ومستقبلا. وتختفي في نهاية الرواية فيشعر لأول مرة بمدى حبه واحتياجه لها، وأحس بدونها بالضياع والوحدة.

ومن ثم فنور قد فشلت في إبعاد البطل عن مصيره المحتوم وفي الفوز بالحياة الشريفة النظيفة التي كانت ترجوها، لكنها نجحت في النهاية في الفوز بحبه وزرعت في قلبه مشاعر جديدة من الحب والامتنان والرحمة، بل أيضا أيقظت فيه مشاعر الأبوة تجاه ابنته “سناء” التي كانت قد أعرضت عنه عندما ذهب للقائها ولم تتعرف عليه، وانتابه القلق على مستقبلها ومصيرها مخافة أن يصيبها ما أصاب نور.

وقد اختار لها المؤلف كما تشير الباحثة اسم “نور” لأنه أراد لها أن تكون نورا يضيء ظلمات اليأس التي يعيش فيها بطل الرواية.

 

زهرة في ميرمار (1967)

تجسد زُهرة الفلاحة المصرية التي تنزح من القرية إلى المدينة (وهي هنا الإسكندرية في بداية الستينيات) بعد رفضها الزواج من رجل مسن ثري أراد أهلها أن يزوجوها له.

وفي الإسكندرية تلجأ إلى صديقة قديمة لوالدها وهي سيدة يونانية تدير بنسيون ميرامار، وهناك تعمل كخادمة رغبة في مورد للدخل الشريف، وترفض بصرامة الانجرار لرغبة العجوز اليونانية ونزلاء آخرين في دفعها إلى ممارسة البغاء تحت ستار الخدمة.

 

 

 

 

وهي فتاة متطلعة، صار لها أهداف جديدة في المدينة حيث “الحب والتعليم والنظافة والأمل”، وتعمل على تطوير نفسها فتقرر أن تتعلم القراءة والكتابة على يد معلمة شابة تقطن في المبنى نفسه، كي تخرج من عالمها المغلق إلى العالم الواسع خاصة بعد أن رأت بنات المدينة المتعلمات يملأن الشوارع، كما أنها ذات فكر إذ ترفض الزواج من بائع الجرائد، ليس فقط لأن حياتها معه لن تختلف عن معيشتها السابقة في القرية، بل أيضا لأنه يتبنى نظرة تزدري المرأة حيث يشبهها بالحيوان ويرى أن الوسيلة المثلى للتعامل معها هي الحذاء!

وتعتبر زهرة –وفقا للمؤلفة- أول فلاحة في الإنتاج الأدبي لمحفوظ تحتل دور البطولة حيث ركز محفوظ على طبقة “الأفندية” من الطبقة المتوسطة القاهرية أكثر من طبقة العمال والفلاحين.

 

 

 

 

وقد أدت دورها الفنانة شادية في فيلم حمل الاسم نفسه.

ويمثل نزلاء البنسيون أجيالا وتوجهات شتى، كل منهم كانت له علاقة مختلفة بزهرة محور الرواية، فمن الجيل القديم طلبة مرزوق الذي يرمز إلى طبقة الإقطاعيين من ملاك الأراضي الذين نهبوا الفلاحين وأذلوهم قبل ثورة 52.

وعامر وجدي، صحفي وفدي قديم يعيش على ذكريات الماضي ومواقفه الثورية القديمة ضد الظلم والفساد في العهد الملكي في شبابه البعيد.

أما صاحبة البنسيون فتمثل فئة الأوروبيين الذين كانوا يعيشون في مصر منذ الحرب العالمية الأولى، وهي وإن كانت تحب مصر وتعتبر الإسكندرية وطنها فإنها ظلت تحتفظ بالنزعة الأوربية المتعالية.

أما جيل الشباب بعد ثورة 52 فيتمثلون في 3 شباب: حسني علام، الأرستقراطي المستهتر العابث الذي لا عمل له ولا وظيفة ولا هدف في الحياة سوى الانغماس في الشهوات، وقد كان يريد أن يغوي زهرة أيضا كواحدة من نساء عديدات يدخل معهن في علاقات غير شرعية ولكنها تقف له بالمرصاد، وقد كان يحتقرها احتقاره للفلاحين بوجه عام.

 

 

 

 

ومنصور باهي ممثل التيار الشيوعي الذي يعيش صراعا نفسيا لأسباب سياسية وعاطفية، وسرحان البحيري ممثل التيار الاشتراكي الذي أحبته زهرة لكن اتضح أنه شاب انتهازي وصولي بل موظف فاسد أيضا.

وقد فضل الارتباط بفتاة من الطبقة المتوسطة طمعا في ما يمكن أن يحصله من امتيازات مادية من وراء هذا الزواج، وهي المعلّمة التي تتولى تعليم زهرة.

 

 

 

 

وينتهي المسار الروائي لزهرة –كما تتبعه الباحثة- بالفشل في الحب والزواج ممن تحب ولكنها لا تنهار أو تيأس أو تتراجع عن قرارها بتعلم القراءة والكتابة كقرار ثوري خطوة أولى نحو حياة ومستقبل أفضل، فهي ترفض العودة للوراء، إلى القرية، وتغادر البنسيون لتبدأ حياة جديدة.

وتقول الباحثة إن زهرة رمز الفلاحة الأصيلة الشجاعة المعتزة بنفسها التي لا تنهزم أمام المحن وتخرج منها مرفوعة الرأس إنما ترمز إلى مصر التي ترفع الرأس عاليا أمام المحن عبر القرون والأجيال.

 

وتذكر الباحثة أنها التقت نجيب محفوظ أثناء إعدادها لرسالة الدكتوراه وسألته: هل هناك شخصية نسائية في إنتاجك الأدبي تصور المرأة كما ترونها؟ فكانت إجابته: نعم، شخصية زهرة بطلة رواية ميرامار.

وتعلق د. فوزية بأن زهرة بالفعل هي أفضل رمز للمرأة المصرية بعد ثورة 52، المرأة التي اعتمدت على نفسها وتسلحت بالعلم والثقة بالنفس والتحلي بالأخلاق والشجاعة والمثابرة والصلابة وقوة الشخصية لتسلك طريقها في المجتمع، ومن ثم فهي خير مثال للمرأة المصرية الجديدة.

منى علام

باحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية مهتمة بالدراسات النسوية

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق