مدوناتغير مصنف

لا تحرقوا الحجاب في تونس

بقلم: ظافر عطي

 

 

تعتبر تونس منذ القدم مركزا فكريا وثقافيا هاما في العالم الإسلامي وقد حافظت على تلك المكانة منذ بداية تأسيس المراكز الفكرية والدينية في كل من مدينتي القيروان وتونس.

تتحدث المصادر العربية عن الحركة الفكرية والتربوية الكبيرة التي نشأت في إفريقية وهو الإسم القديم للبلاد التونسية، الذي أصبح لاحقا يطلق على كامل القارة الإفريقية.

 

تواصلت هذه الريادة الفكرية حتى العصر الوسيط رغم الضعف السياسي والتقهقر الحضاري الذي شهدته، ليس تونس فقط، بل كامل بلاد المغرب والعالم الإسلامي بصفة عامة.

أثناء الكفاح الوطني لتحرير تونس من براثن الاستعمار، ظهرت بوضوح الخصوصيات المميزة للمدرسة الفكرية والدينية في تونس التي وجدت نفسها في مواجهة قوة مسلحة، ليس فقط بأعتى الأسلحة المدمرة، بما في ذلك الأسلحة الكيميائية التي إستخدمها الجيش الفرنسي بكثافة أثناء معاركه في الجنوب التونسي ضد المقاومين التونسيين.

 

بل إن السلطة الاستعمارية استخدمت سلاحا غير مألوف يتمثل في الدعاية السياسية التي تبثها عبر وسائل الإعلام والمناهج التربوية والموجهة للتخريب النفسي وتقسيم التونسيين، عبر تكوين تيارات سياسية ينشط بها عدد من المواطنين تونسيي المولد لكنهم فرنسيو الهوى لا يواجهون مباشرة التطلعات الوطنية المشروعة للشعب التونسي وحركته التحريرية في الحرية والانعتاق وتحقيق الاستقلال التام والكرامة لكل التونسيين.

 

قامت هذه النخبة بدس مجموعة أفكار ومفاهيم سفسطائية مخالفة للواقع قصد إيجاد أزمة هوية لدى الشعب وإغراق التونسيين في تساؤلات وجودية تأخذ طابع الجدل العقيم الذي يلهيهم عن قضاياهم الأساسية.

 

بعيدا عن الكتابات الإنشائية والجنوح إلى العاطفة والتخوين والإتهامات المتبادلة نحن في حاجة إلى تحليل أكثر عمقا للتجاذبات العميقة التي تعصف بمجتمعنا، خصوصا في مرحلة ما بعد سقوط نظام بن علي.

 

تتمثل الخطوة الأولى للقيام بذلك في إعادة اكتشاف المدرية الفكرية التي نشأت في بلادنا أثناء فترة النهوض والازدهار الحضاري.

 

هذا الاكتشاف يجب ان يقطع تماما مع الخطابات الحماسية والسرديات التي تتحدث عن الماضي التليد ومشاعر الفخر والاعتزاز، بتجاوز كل تلك الأنشطة العقيمة واستخدام الفكر الحديث وأساليب التحليل والنقد المتقدمة.

 

نحن في حاجة لتكوين صورة واقعية عن موروثنا الحضاري في بعده الثقافي والاجتماعي والإنساني، بعيدا عن الهرطقات الفكرية التي جنحت إلى التطرف وأنتجت منظومة استقطاب ثنائي بين مجموعة من المغالين في الدين يعادون المدرسة الفقهية المحلية من جهة اخرى منبتة فكريا و اجتماعيا حولت الفكر العلمي إلى نهج مخالف للطبيعة والواقع و جعلت المنهج العلماني دينا بديلا تتمسك بنشره رغم تأكيدها على عدم نبذ التفكير الديني.

 

ولم يكن الزاد المعرفي للمدرسة الاستعمارية الفرنسية التي أوجدت هذه الفتنة منحصرا في تونس فقط بل في كامل منطقة المغرب العربي،  وهو في حالة جمود فكري وحضاري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وقد توقف تماما بعد حرب الجزائر.

 

كل ما نشاهده اليوم هو عبارة عن اجترار للنشاطات التي قام بها المكتب الخامس التابع لرئاسة أركان الجيش الفرنسي في الجزائر و خصوصا العمليات التي تمت تحت إشراف الجنرال ماسو قائد العمليات الخاصة وقوات المضليين الفرنسيين الذي كان قد وصل لتوه آنذاك من فيتنام بعد الانسحاب الفرنسي المهين من ذلك البلد إثر هزيمة ديان بيان فو.

 

اعتقد القادة العسكريون الفرنسيون أنهم توصلوا إلى حل عملي وحقيقي لمواجهة حروب الأنصار أو حرب العصابات التي أصبحت تعرّفها المصادر المعاصرة بالحرب اللاتناظرية، حيث يقوم الطرف الأضعف عسكريا بإنتهاج أساليب غير مباشرة تتضمن إلى جانب العمل العسكري مجهودا كبيرا في الدعاية السياسية ذات البعد الإجتماعي والثقافي.  وهذا بالضبط ما قامت به القوات الفرنسية في المغرب العربي.

 

لايزال عديد التونسيين والعرب عموما يجهلون حقيقة الكثير من الأحداث التي جدت أثناء معركة التحرير الوطني، بل إن تلك الفترة لا تزال غامضة خصوصا بالنسبة للأجيال الشابة نظرا لانهيار مستوى منظومة التعليم وغياب أي مضمون وطني في ما تنشره وسائل الإعلام.

 

حتى إذا ما حاول جيل الشباب البحث عن الحقيقة التي تقف خلف تلك الأحداث اصطدم بكم هائل من المناشير الدعائية الجوفاء تمجد الحاكم الرئيس القائد أو المجاهد الأكبر و لا تذكر إلا النزر اليسير من المعلومات المفيدة.

 

الملاذ الأخير الذي بقي لنا هو روايات جيل المناضلين أو من تبقى منهم على قيد الحياة. لكن الاستنتاج اللافت الذي نخرج به بعد الحوار معهم هو حقيقة كون الهجوم الدعائي المستمر ضد الهوية الثقافية والاجتماعية والدينية لتونس (الذي تبثه يوميا وسائل إعلام محلية وتنشره مجلات وصحف بقلم كتاب ذوي خلفية أكاديمية وجمعياتية لإضفاء صبغة علمية وادعاء الحياد) هو استمرار للمجهود الدعائي الحربي الذي بدأت بشنه سلطات الاستعمار الفرنسي منذ فترة احتلالها لبلدان المغرب العربي.

 

بدأ كل شيء في سنة 1933 عندما فشل المؤتمر الأفخارستي الذي نظمته السلطات الاستعمارية الفرنسية بتونس قصد إعلان تغيير الديانة الرسمية للبلاد من الاسلام الى المسيحية.

 

لم تكن الكنيسة الكاثوليكية متحمسة للإغراءات التي عرضتها عليها فرنسا للمشاركة في تنظيم ذلك المؤتمر  نظرا للصراع المحتدم بين فرنسا و إيطاليا للسيطرة على بلدان جنوب البحر المتوسط، خصوصا أن فرنسا نفسها حاربت الكنيسة الكاثوليكية وحجزت ممتلكاتها طبقا لقانون فرض فصل الدين عن الدولة التي تم إعتماده سنة 1904.

 

فوجئ المستعمر الفرنسي برد الفعل الشعبي الكبير ضد ذلك المؤتمر وفشله التام في إيجاد موطئ قدم حضاري في تونس يتمثل في أشخاص محليين لكنهم يتحدثون الفرنسية كلغة معاملات و يعتمدون المبادئ الثقافية المنتشرة في فرنسا وبين المستعمرين الأوروبيين في تونس.

 

أطلقت الجماهير التونسية على هذه الفئة القليلة العدد كلمة “مطورن” وهي تعريب للكلمة الفرنسية Tourner ويقصد بذلك الشخص الذي أدار وجهه عن أصوله وأصبح يدين بالولاء لفرنسا، وهذه الأخيرة كانت تظهر نوعا من السخاء معهم قصد تشجيع غيرهم على القيام بذلك، بل وصل الأمر إلى حد منحهم الجنسية الفرنسية.

 

 

الهجوم الدعائي المستمر ضد الهوية الثقافية والاجتماعية والدينية لتونس (الذي تبثه يوميا وسائل إعلام محلية وتنشره مجلات وصحف بقلم كتاب ذوي خلفية أكاديمية وجمعياتية لإضفاء صبغة علمية وادعاء الحياد) هو استمرار للمجهود الدعائي الحربي الذي بدأت بشنه سلطات الاستعمار الفرنسي منذ فترة احتلالها لبلدان المغرب العربي

 

 

برزت إلى العلن قضية التونسيين الحاصلين على الجنسية الفرنسية عندما رفض المواطنون التونسيون دفن المتوفين من المتجنسين في مقابر المسلمين.

 

كان رد فعل السلط الاستعمارية كالعادة مزيجا من العنف والغطرسة والغرور،  وحاولت فرض ذلك بالقوة مما أدى إلى اندلاع انتفاضة شعبية تميزت بإجماع و طني واسع النطاق، لا فقط في صفوف الجماهير الغاضبة بل بين قيادات الحركة الوطنية مثل الزعيم الحبيب بورقيبة الذي حارب التجنيس بقوة عبر سلسلة مقالات تحليلية وحماسية حرضت الشعب، خصوصا الجيل الشاب وأقنعت المترددين بالانضمام إلى الحركة الوطنية.

 

بعد ذلك الفشل الذريع بدأت السلطات الفرنسية باستخدام الخداع والحيلة قصد ضرب الإجماع الوطني لدى التونسيين، وكان جزءا من حركة مقاومة إقليمية ترفض الاحتلال الفرنسي في كامل المغرب العربي.

 

تمثلت  أولى أساليب الخداع في التلاعب بالخطاب الديني لبعض المشائخ المغمورين قصد تدمير الهوية الدينية التي تعتبر حجر الزاوية في البنية الاجتماعية والنفسية للسكان المحليين.

 

والهدف الاول لذلك كان بث الخرافة والجهل عبر من يعرفون بالدراويش الذين تم تشجيعهم على النشاط بقوة خصوصا في المناطق الريفية التي لم تكن توجد بها مساجد كثيرة وتضم أكبر عدد من السكان.

 

وبالتالي فقد عوض هؤلاء المتحيلون أئمة الممسلمين الذين كانوا يتلقون علمهم ومعرفتهم الدينية على يد علماء معروفين، في جامع الزيتونة أو في مختلف المدارس المنتشرة في المدن والمناطق الحضرية في تونس.

 

مع تصاعد وتيرة العمل الوطني شرعت السلطات الاستعمارية بالزج بهؤلاء الدراويش أو رجال الدين المزيفين في الصراع ضد الحركة الوطنية.

هاجم هؤلاء زعماء الحزب الدستوري ومشائخ الزيتونة وبرعوا في إطلاق الشعارات الدعائية المضادة للتونسيين مثل ما كان الحال في بداية القرن عندما أطلقت مجموعة مماثلة من الشيوخ الذين تم التلاعب بهم شعار “الخل دونية” على الجمعية الخلدونية التي أسسها علماء من جامع الزيتونة، من بينهم العلامة محمد الطاهر بن عاشور ونجحت آنذاك في ترجمة وتدريس كافة العلوم الحديثة من الرياضيات والفيزياء والكيمياء بالعربية وفي مستوى جامعي.

 

إنّ الصفة المميزة لخطاب رجال الدين المزيفين أو الدراويش هي الانغلاق عن العالم الخارجي والتقوقع في المحيط القريب في ما يشبه التصوف لكن مع انعدام أي هدف روحي أو فكري،  والتركيز خصوصا على مبدأ الخضوع للحاكم.

 

 

هل يستطيع التونسيون وأهل المغرب العربي الخروج من هذا الموروث الثقيل الذي استعملته قوى الاستعمار لتخريب مجتمعاتنا وإلهائها عن قضاياها الحقيقية وحقها في بناء دولة حرة مستقلة تحافظ على ثرواتها وتوفر لمواطنيها العيش الكريم؟

 

 

مثل  هذا الخطاب الغريب عن المجتمع والمخالف لعمل ورغبة علماء الزيتونة الذين أسسوا الجمعية الخلدونية دعوة للجمود  والخمول الفكري و الحضاري وكان في تضارب تام مع مقاصد الشريعة كما بينها العلامة بن عاشور، مخالفا للعقيدة الإسلامية ومعاديا لحركة الوطنية.

 

أما الحيلة الثانية التي اتبعتها السلطات الفرنسية فكانت تكملة للمنهج الأول بالترويج لعدد من الكتاب المغمورين وغير المعروفين وتقديمهم على أساس انهم فرسان الحداثة في تونس وشمال افريقيا، وهو التوصيف التي تعتمده المصادر الفرنسية للمغرب العربي إلى حد الآن.

 

كان هؤلاء يركبون على الأحداث سعيا للشهرة ومحاولة تحقيق قبول لدى الجماهير ويتخذون مواقف متطرفة معادية للموروث الحضاري للتونسيين ولا يتورعون عن إظهار الاحتقار للتعاليم الدينية وازدراء العادات الاجتماعية واللغة العربية.

وبذلك تم الإطباق على الشعب التونسي الذي أصبح بين فكي كماشة كيانين غريبين عنه صنعتهما السلطات الاستعمارية الفرنسية، يدعي اتباع كل منهما انه يمثل حصريا الشعب التونسي.

 

تمّ نقل هذه السياسة إلى الجزائر أثناء حرب التحرير عندما نظم المكتب الخامس للجيش الفرنسي هناك عمليات الحرق الجماعي للحجاب وذلك بجمع الفتيات المسلمات وإجبارهن على خلع الحجاب.

 

ما تزال هذه الحادثة محفورة في ذاكرة جيل التحرير في كامل المغرب العربي، تقيم ترابطا وثيقا بين مظاهر الحداثة و العداء للقيم الاجتماعية والدينية.

فهل يستطيع التونسيون وأهل المغرب العربي الخروج من هذا الموروث الثقيل الذي استعملته قوى الاستعمار لتخريب مجتمعاتنا وإلهائها عن قضاياها الحقيقية وحقها في بناء دولة حرة مستقلة تحافظ على ثرواتها وتوفر لمواطنيها العيش الكريم؟

 

ظافر عطي

صحفي وسينمائي تونسي

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد