مجتمعالرئيسيغير مصنف

عندما يدمّر المصنع الحياة الجنسية للمرأة العاملة

 

لأننا نساء ولأن أكثر مايميّز ذواتنا هي عاطفتنا الجياشة، فإننا نحتاج في عصر السرعة والعمل بلا هوادة إلى بعض اللحظات المشرقة من الحب والحميمية التي نعيشها مع شركائنا، فنسترقها من هذا العالم البارد للهروب من روتين واقعنا وصرامة عمل يستلب شخصياتنا يوما بعد يوم…   

 

وعند الحديث عن تأثير العمل الصارم في الحياة الجنسية والحميمية للنساء فإننا طبعا سنتطرق إلى النموذج الذي يتجلى فيه هذا الأثر بطريقة واضحة وهو نموذج النساء العاملات في المصانع الكبرى،اللاتي ينكببن على الاشتغال منذ شروق الشمس إلى غروبها مقابل أجر زهيد واغتراب روحي وجسدي.

 

 

فكيف لهؤلاء النساء بعد روتين أسبوع كامل من العمل أن يفتككن رخصة التصرف على طبيعتهن مع أزواجهن في العلاقة الحميمية؟ ليس الأمر بالسهولة التي نتوقعها فالالتحام مع آلة يحوّل المرء نفسه إلى آلة حتى في حياته الخاصة، والتصرف بعفوية في عالم الحب يمنعه الفكر المهموم بالتخطيط لإتمام مهام أسبوع كامل من العمل المضني في المصنع والمنزل…

 

ولنفهم الأمر بطريقة أعمق قمنا بمحاورة بعض النساء العاملات في مصنع للخياطة من معتمدية منزل بورقيبة وحاولنا التطرق  إلى تفاصيل حياتهن الخاصة لنفهم أن كنّ يواجهْن صعوبات في إيجاد الوقت المناسب لسرقة بعض لحظات الحب مع شركائه، في عالم لا يولي اهتماما إلا للإنتاج بكثرة على حساب سعادة الأفراد وصحتهم النفسية…

في ضرورة الحب و الجنسانية

تقول الكاتبة و الناشطة النسوية “سيلفيا فيريريتشي” الجنسانية هي ما مُنحناه من تنفيس مقابل انضباط سيرورة العمل. إنها المكمّل الضروري لروتين أسبوع العمل ونظاميّته، إنها رخصتنا للتصرف على طبيعتنا وإفلات الزمام حتى نعود منتعشات إلى أعمالنا بعد يوم الأحد.

 

وتضيف “إنها فورة العفوية واللاعقلانية في عقلانية الضبط الرأسمالي لحياتنا والمكافأة المفترضة لقاء عملنا،التي تُقدَم لنا مساحةَ الحرية التي يمكننا فيها أن نكون أنفسنا الحقيقية، وهي فرصة الاتصال الحميم الصادق في عالم من العلاقات الاجتماعية يضطرنا باستمرار لكبت رغباتنا وإرضاخها وتأجيلها وإخفائها حتى أمام أنفسنا…”

 

 

هذا ما يجب أن يكون عليه الجنس وفقا لسيلفيا بالنسبة للنساء العاملات… لكن على أرض الواقع يختلف الأمر ولا يكون بالهالة الوردية التي تتخيلها الكثيرات، فعندما سألنا العاملة “سامية” أنّى لها بعد عملها المجهد والاهتمام بأبنائها وشؤون المنزل أن يكون ذهنها ونفسيتها صافيين لإلقاء نفسها في عالم الحب والحميمية،أخبرتنا أنها تتعامل مع الأمر بطريقة غير عفوية بل من منطلق الواجب.

 

 

وتضيف أنها كانت تتوقع قبل الزواج أن ممارسة الحب مع زوجها ستغير قليلا من قتامة عالمها، وأنها كانت تفكر دائما في اليوم الذي سيجمعها مع شريكها تحت سقف واحد حتى يهربا من واقعهما القاسي لأنه عامل مثلها في نفس المصنع. لكن ما نالته في الحقيقة بعيد عن توقعاتها وتفسر لنا أن النساء لا يستطعن العودة إلى طبيعتهن بمجرد خلع ملابسهن بعد أسبوع من التعب والمعاملة المجحفة من رؤساء العمل والانهماك في العمل على آلة لمدة يوم كامل…

 

تقول سامية “نحن تعملّنا أن نكون آلات رفقة آلاتنا في العمل ولذا لا يمكننا أن نصبح أنفسنا لمجرد أن وقت الحب قد حان.. لا مجال لكثير من الرومانسية لأن ظروفنا والطاقة لدينا أشياء خارج إرادتنا، فأجسادنا منهكة وأحاسيسنا متصلبة ونفسيتنا متكدرة، ولذلك أحاول ضغط الزر على جسدي وتشغليه مثل الآلة حتى لا أتعرض للخيانة من قبل زوجي… ففي الآخر هذا حقه الزوجي”،

 

خوفا من الخيانة ومراعاة للحق الزوجي تمارس سامية العلاقة الجنسية مع زوجها، فيتحول الجنس بينهما إلى علاقة انتاج للطاقة الجنسية واستهلاك لها من قبل الزوج قصد الشعور باللذة أو بغية الإنجاب، فكأنها عاملة بثلاثة وظائف: في المصنع في المنزل وفي الفراش الزوجي.

وعندما سألناها عن سبب عدم تعبيرها لما تشعر به لزوجها علّه يتفهمها أو يساعدها قليلا على الشؤون المنزلية،فسّرت لنا أنه من المحال أن يساعدها وأنه لن يتفهم أمر مشاعرها في فراش الزوجية رغم حبه لها “لأن الرجال ليسوا مثل النساء …نحن النساء حسّاسات جدا وهذا هو عيبنا”.

 

صعوبة فصل الروحي عن الجسدي لدى المرأة

عند اكمال الحوار مع سامية انتقلنا للحديث من صديقتها العاملة بنفس المصنع، فأخبرتنا أنها لا تأبه للّذة التي ستتحصل عليها في العلاقة الجنسية،كما أنها تضطر كثيرا للتظاهر بأنها مستمتعة وتجاري زوجها كي لا يشعر ببرودها، وهي تشعر بالإنهاك وتفكر في الأعباء التي تنتظرها.

وتقول  “المرأة تحتاج الكثير من الوقت والتحضيرات النفسية والجسدية حتى تتهيأ للحب على عكس الرجل الذي لا يأبه لمثل هذه الأمور وينتهي من هذه العملية بسرعة.. وبما أن الوقت والفراغ الذهني غير متاحين للمرأة العاملة فعليها أن تغض الطرف على الاستمتاع الحقيقي وأن تقدم لزوجها مايريد، فقط”.

هؤلاء النساء مدركات لزيف ما يعشنه من مشاعر ولمسات وقبلات، مهما ابتسمن وتأوّهن وهيأن أنفسهن في السرير، فهن يدركن كما لو أنهن يمثّلن بعض المقاطع المسرحية. فعند تفكيرهن بكل مايحيط بهن من صعوبات حياتية وأعمال موكلة لهم خارج المنزل وداخله، في مقابل اضطلاع الرجل بمهمة واحدة تزداد صعوبة التصرف بطريقة طبيعية وعفوية في فراش الزوجية وينسين كل شيء.

 

 

ينتح عن هذا العديد من المشاكل الجنسية كالبرود الجنسي ونقص الرغبة والتشنجات المهبلية، وهو ماعانت منه العاملة “آمال ” التي أخبرتنا أنها كانت تتألم جدا أثناء ممارسة الجنس مع زوجها وأنها أصبحت منذ فترة لا ترغب في هذه العملية.

وعند زيارتها للمختص الجنسي أخبرها أن للأمر علاقة بما تعانيه من ضغط اليومي وأنها مشكلة نفسية وجنسية فكلما حضر العقل والتحكم في أجسادنا كلما غابت الرغبة، لذا يجب إفلات زمام الأمور والابتعاد عن أرض الواقع والاسترخاء لتعيش حياتها الجنسية بكل طبيعية.

 

لكن آمال تتساءل بحزن “كيف لي أن أفعل هذا وأن أعود لطبيعتي في ظل هذا العمل المجهد وتراكم الفواتير غير المسددة وتفاقم صعوبات الحياة؟ يجب أن أساعد زوجي على مصاريف بيتنا فهو لن يتحمل ابتعادي عن العمل، فأن أترك المصنع هذا ليس بخيار متاح بالنسبة لوضيعتنا الاجتماعية، وعدم الاهتمام بأبنائي أيضا أمر لا يناقش… أحاول أن أكون مثله في الفراش أقطع بين عالمي الخارجي وحياتي الحميمية، وأنسى كل شي في فراش الزوجية ثم أعود إلى حياتي العادية، لكنني لا أستطيع …”

 

 

 

وفي هذا السياق تقول سيلفيا فيريريتشي

 

إن النساء أشد معاناة من فصام العلاقات الجنسية، ليس فقط لأننا نصل لنهاية اليوم بمهام وهموم أكثر، بل كذلك لأن مسؤولية جعل العملية الجنسية ممتعة للرجال ملقاة على عاتقنا..

 

وتضيف “لهذا السبب،عادة ما تكون النساء أقل تجاوبًا جنسيًا من الرجال، فبالنسبة لنا الجنس شُغل، إنه واجب، واجب الإمتاع محفور بعمق في جنسانيتنا لدرجة أننا تعلمنا أن نستمتع بالإمتاع، بإثارة الرجل وتحميسه بدل أن نتمتع بدورنا بالجنس في حد ذاته”.

 

لكن لو فكرنا قليلا يبدو من البديهي أنه عندما يضطلع شخص بأكثر من مهمة متعبة في حياته أن يؤثر هذا على مردوده الجنسي ففكرة صعوبة انتقال المرأة من وضع إلى وضع قد تكون صائبة إلى حد ما،لكن لا ننسى أيضا أن انخراط المرأة العربية في العمل في المصانع لم يصاحبه تغيير على المستوى الاجتماعي وتقسيم للمهام المنزلية بين الزوجين.

 

 

فإلى حد الآن لا يزال عبءالمهام المنزلية يقع على كاهل المرأة لوحدها، ويعد هذا أمرا مسلّما به في البلدان العربية وغير قابل للنقاش، لا سيما وسط الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها العاملات في المصانع.

ورغم أن الزوج يعتمد كثيرا على مدخولها الشهري لتسديد مصاريفهم فإنه يوكل لها جميع المسؤوليات المنزلية دون مساعدة، لذا تعيش المرأة وضعا تراجيديا وتستنزف نفسها في ما ينبغي عليها أن تقدمه للجميع، متغاضية عما يجب أن تقدمه لنفسها.

 

تظل النساء العاملات مشغولات بالانتاج لصاحب رأسمال وبالإمتاع للزوج، خائفات من الخيانة والاتهام بالبرود الجنسي وباقتطاع الأجر لو تأخرن ساعة واحدة، يمضين حياتهن في العمل و الطبخ والإنتقال للسرير كآلات.. تعلمن أن يتأوهن ويلهثن بمجرد أن تأدية الواجب الجنسي قد حان، لكن عقولهن تستمر في التفكير في الأعباء الملقاة على كاهلها، وتسعى في الان ذاته أن ترضي زوجها، حتى لو نامت في ساعة متأخرة وهي تعلم أنها يجب تنهض قبله لتعد الفطور والأبناء قبل أن تهرول للمعمل..

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “عندما يدمّر المصنع الحياة الجنسية للمرأة العاملة”

  1. جمالية الطرح وواقعية الموضوع . وقوة الشخصية في إختيار الموضوع . وطرحه في مجتمع يهتم بالعيب أكثر من الحرام العرف اكثر من الدين . كلها ادوات ضد الإنسانية ووسائل للإستعباد وإبادة كل ماهوا جميل .يبقى الإختيار الأساسي في الزواج قدرة تحمل المسؤولية لأن الواقع يحتم المادة والمادة تصنع حتى السعادة في ظل مجتمع فاشل

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.