اختيار المحررينثقافةغير مصنف

اضطراب القلق.. كابوس الليل ومحفز الابداع

This post has already been read 20 times!

 

الخوف تجربة انسانية طبيعية واستجابة نفسية مفيدة في العديد من الحالات، فهو يمدنا بالدافع لانجاز بعض المهام ويساعدنا على البقاء سالمين حينما يتحول إلى طاقة محفزة على القتال أو الهرب (fight or flight response). إلا أن الخوف المرضي الذي يقع في مصطلح علم النفس تحت مسمى اضطراب القلق (Anxiety disoroder) يحمل قصة مختلفة ومؤلمة لمن عاشوه.

 

إن اضطراب القلق من أكثر الأمراض العقلية انتشارا، إلا أنه لا يزال من المواضيع المسكوت عنها وهو ما يعبر عنه  الباحث “ديريك بريز” DEREK BERES  بقوله “القلق هو الاضطراب رقم واحد على هذا الكوكب، وعلى الرغم من ذلك لا نتحدث عنه كثيرا”.

فكثيرون لا يعلمون أنهم يحملون هذا المرض أو حتى لا يعرفون تسمية له رغم أنهم يعيشون أعراضه  ويتحلمون آثاره لذلك سنحاول في هذا المقال عرض أبرز أعراضه وأنواعه وطرق علاجه.

 

اضطرابات  القلق

يمكن أن يشمل القلق عدة اضطرابات مختلفة كــ “اضطراب الهلع –Panic Disorder”، ويتمثل في نوبات من الذعر المتكررة في أوقات غير متوقعة، تجعل المصاب بها مترهبا على الدوام من حصول نوبة هلع ثانية، ويمكن أن تتكرر هذه النوبات عدة مرات خلال الاسبوع.

إلا أن هذه الحلقات الحادة من الهلع لا ينبغي الخلط بينها وبين  “اضطراب القلق العام”   “Generelized anxiety  ” الذي يتسم بالقلق المفرط بشأن أشياء يومية لا تشكل عادة مصدرًا للرهبة المستمرة لمعظم الأشخاص الآخرين كإنجاز امتحان أو اجراء مقابلة عمل.

 

أما “الرهاب” فهو شكل آخر من اضطراب القلق يتجلى في الخوف المفرط من كائن أو موقف أو نشاط معين، وهو ما يعرف  بـ”اضطراب القلق الاجتماعي “Phobies” أي الخوف الشديد من أحكام الآخرين، لا سيما في المناسبات الاجتماعية، مما يجعل المريض غير قادر على مغادرة المنزل، خشية من أن يحكم عليه الآخرون.

 

 

أما “اضطراب الوسواس القهري Obsessive Compulsive Disorder OCD” فهو مجموعة من الأفكار المتكررة  والغير عقلانية تقود المصاب بها إلى أداء مجموعة من السلوكيات المحددة والمتكررة،فيعتقد المريض أنه من خلال القيام بها ستمنع عنه شيئًا سيئًا من الحدوث كتفقد إغلاق أبواب المنزل كامل الليل خوفا من السرقة ،أو التثبت من عدم تسرب الغاز بطريقة متكررة.

 

كذلك نجد في اضطرابات القلق اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD): و هو القلق و الخوف الشديد الذي يصيب الشخص بعد حدث صادم كالتعرض للاغتصاب أو العنف أو موت أحد الأقارب…

 

 

 أعراض نوبات القلق

القلق الإضطرابي هو الشعور بالخوف والقلق والضيق في آن واحد، وتتفاقم نوبة القلق أو الهلع تدريجيا مع اقتراب الأحداث المجهدة فتختلف أعراضها وحدتها من شخص إلى آخر ويتراوح تتراوح أعراضه عادة بين الشعور بشئ من الخوف إلى الهلع الشديد الذي يجعل صاحبه غير قادر على  السيطرة على نفسه فيشعر بانفصال تام بين عقله وجسمه مما يجعله يعتقد أنه سيجّن ويفقد عقله.

وغالبا ماترافق كل هذه المشاعر أفكار سوداية من قبيل اقتراب الموت وحلول النهاية، فأصحاب هذا المرض يعانون من الكوابيس والأفكار المؤلمة والذكريات السيئة التي لا يمكن أن يتحكموا بها أو أن يتغاضوا عنها لتبسيط ما يشعرون به من سوء ،فيسبب كل هذا زيادة في معدل ضربات القلب وضيق في التنفس كما يعانون من الأرق وصعوبة في التركيز ويصاحب نوبة الهلع شعور بالإغماء والدوار وجفاف في الفم إضافة إلى التعرق والقشعريرة والخدر أو الوخز في الأطراف.

 

أشعر بأني في في سجن 

لفهم الأمر أكثر قمنا بالإصغاء إلى هاجر وهي طالبة جامعية تعاني من هذا الاضطراب، وقد وقع تشخيص حالتها من قبل طبيبها نفسي منذحوالي سنتين فتقول  “يراودني شعور بأنني في سجن، هذا ما أشعر به تماما عند حدوث الأمر، أحاول وصفه للمحيطين بي ولكنني لا أستطيع، وكيف لي أن أتمكن من ذلك فأنا أتحدث عن شيء بالكاد أفهمه؟ إن الأمر يحدث لي لكنني لست متأكدة من ماهيته أو من سبب وقوعه، إنه مثل فقدان الإحساس بالزمان والمكان، مؤلم ومخيف بطريقة لا أستطيع وصفها”.

 

القلق مصدر للإبداع

في الوقت الذي كان فيه الكاتب “تولستوي” يخوض معركته ضد الاكتئاب ويعاني من أزمته الروحية والوجودية،كان أيضا على الجانب الآخر من أوروبا الرسام النرويجي “ادفارد مونش” يحارب الظلام الذي يجتاح نفسه يوما بعد يوم، وقد تجلت صراعاته النفسية هذه في أعماله الفنية التي اعتبرها محللو علم النفس هامة جدا لفهم مرضى القلق الاضطرابي.

نعم كان ادفارد مونش مصابا بهذا المرض وتأثر كثيرا بأعمال الرسام الشهير فان جوخ، وعلى الرغم من أنه لم يجتمع معه على أرض الواقع إلا أنه يمكن العثور على أوجه تشابه عديدة في حياتهما وأعمالها الفنية.

فالإثنان كانا يرسمان لوحات لا تزال إلى اليوم الأكثر شهرة وتأثيراً على مر العصور رغم معاناتهما من اضطراب القلق الحاد والكآبة، والإثنان ظلا يؤمنان أن الإبداع والقلق ملازمان لبعضهما البعض، فالرسام ادفارد مونش كان يعتقد أن ابداعه ومرضه وجهان لعملة واحدة و أنه لولا الخوف والقلق الذي كان يشعر بهما ما كان لينجز جل ما انجزه ،إذ يقول “خوفي من الحياة ضروري بالنسبة لي،كما هو مرضي لا يمكن تفريقه عني ،وتدميره سيدمر فني.”

 

 

ومن أشهر اللوحات التي تترجم ماعاناه ادفارد مونش من هذا المرض وقد رسمهما متأثرا بأعمال فان جوخ هما لوحتا “الصرخة” و “القلق” وتعبر لوحة الصرخة عن الرعب الذي يختبره الإنسان عند العزلة التامة فتجسد تجربة شخص وحيد ينتبه فجأة إلى رهبة الوجود ووحشته فيرتجف هلعا وهو يطلق صرخة تتردد في محيطه وعقله.

أما لوحة القلق فتعبر عن يأس جماعي وحالة قصوى من قلق المجتمع  فاللوحة عبارة عن عدوى قلق تسربت للجميع ترتسم على وجوه شاحبة ومذعورة قد تشبه الوجوه التي رآها ادفارد مونش أثناء الحرب العالمية الثانية.

نوبات القلق وعلاقتها بظلام الليل ظلام الليل

عندما يشعر المريض بالتوتر، تعاني ذاكرته من أسوأ الأفكار، ويتشوش نظامه المناعي،فيصبح نومه هشا ومضطربا،مما يخلق فوضى عارمة في جسده، كما تزيد المهام و المسؤليات الملقاة على عاتقه خلال النهار من ارتفاع مستويات الكورتيزول والأدرينالين، فيخلق كل هذا ضبابًا و تشوشا عقليًا يصعب التخلص منه، ومع نهاية النهار وغروب الشمس يؤثر كل ما حدث خلال اليوم في عقل المريض.

وبما أن الشعور بالوحدة هو أكثر ما يغذي هذا النوبات، فإن الصمود أمام التوتر يكون أكثر صعوبة أثناء الليل عند خلود الجميع إلى أسرّتهم وبقاء الشخص المريض وحيدا ومختليا إلى نفسه، فالليل كابوس المصابين باضطراب القلق لأنه يزيد من احتمال التعرض لهذه النوبات…

 كما القلق والنوم لديهما علاقة ثنائية الاتجاه،لأن القلق يسبب اضطراب النوم والاضطرابات في النوم تؤدي الى زيادة القلق فهي حلقة مفرغة لا يمكن الفصل بين بدايتها ونهايتها، وهو ما يجعل المصاب بالقلق يزداد خوفا من الليل فيصبح مصدر تهديد بالنسبة إليه، كما أن الاشخاص الذين يصابون بنوبات الهلع ليلا يعانون من هاجس عدم الاستيقاظ صباحا وتسيطر عليهم فكرة الموت أثناء النوم.

 

هل من الحل ؟

يشرح ديريك بريز مؤلف كتاب “الحركة الكاملة” لم من المهم التحدث عن هذا الاضطراب ومحاولة علاجه،فاضطراب القلق يمكن أن يتفاقم عند المربض فيخلق اضطرابات عقلية وجسدية أخرى مثل: الاكتئاب (الذي يتزامن عادة مع اضطراب القلق)  كما يمكن أن يؤدي بصاحبه إلى استعمال المواد المخدرة لمعالجة اضطرابات النوم والأرق،إضافة إلى ظهور مشاكل في الجهاز الهضمي والصداع والعزلة اجتماعية وقد يصل الأمر أحيانا إلى الانتحار.

 

لذلك من المهم جدا إذا ما شعر الشخص بالأعراض السابقة الذكر أن يسارع إلى الأخصائي النفسي لاكتشاف خيارات علاج عديدة.. فبالنسبة لبعض المصابين بالقلق الاضطرابي،لا يعد العلاج الطبي ضروريًا فقد تكون بعض التغييرات في نمط الحياة كفيلة للتعامل مع هذه الأعراض،لكن في الحالات الشديدة، يمكن أن يساعد العلاج الطبي على التغلب على هذه الأعراض وعيش حياة عادية يمكن التحكم فيها بشكل أفضل.

ويقع علاج القلق بطريقتين: العلاج النفسي والعلاج بالأدوية، فالعلاج النفسي يقع تحت اشراف الاخصائي النفسي فيقدم المريض طرق وتقنيات للتعامل مع القلق عند حدوث النوبات أما العلاج بالأدوية فيجب العودة فيه إلى الطبيب النفسي ويتمثل في مضادات للإكتئاب ومهدئات تعمل على موازنة كيمياء الدماغ لمنع نوبات القلق.

 

في النهاية يمكن القول أن القلق أو التوتر طريقة يعتمدها جسمنا لإخبارنا أن شيئا ما ليس على مايرام وأننا نحتاج إلى ايجاد حل. إنه لأمر رائع أن يكون لدينا جهاز تحذير تلقائي ينبهنا من الأخطار، لكن حينما يتعطل هذا الجهاز يتوقع حدوث مشكل أو خطر بشكل مبالغ فيه، ونفقد  قدرتنا على تغيير الوضع وهو ما يوترنا نفسيا وجسديا ويشغل نظام”محاربة العدو” في أدمغتنا، في حين أن العدو الحقيقي خلال نوبة القلق هو “نحن” .

 

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.