مدوناتغير مصنف

ماذا بقي من حزب نداء تونس؟

تحليلات

 

عندما ظهر حزب نداء تونس على الساحة السياسية التونسية في أواخر سنة 2012 كان يقدم نفسه باعتباره البديل الوحيد الممكن لإطاحة حكم الترويكا بتحالفها الثلاثي بين النهضة وحزب المؤتمر بزعامة المرزوقي وحزب التكتل بزعامة مصطفي بن جعفر.

 

وبالفعل استطاع الخطاب التعبوي للحزب الجديد أن يضم شخصيات من مشارب شتى (من النظام القديم ومن اليسار والنقابات وشخصيات نسوية و ليبرالية) وبدت حينها هذه التركيبة الهجينة الوصفة الأمثل لهزيمة القوى الثورية مستفيدة في ذلك من أحداث العنف التي شهدتها البلاد بالإضافة إلى وضعية التوتر الاجتماعي التي كان يحركها الاتحاد العام التونسي للشغل.

لم يكن الحزب الجديد قائما على تصور إيديولوجي معين أو حتى اتجاه سياسي محدّد حيث تتباعد المسافة بين من يعتقد أن المعركة الأساسية هي القضاء على الإسلاميين ربما بما يتجاوز هزيمتهم انتخابيا، متطلعا لنموذج السيسي في مصر وبين من كانت حساباته سياسية صرفة تتغير بحسب الظرف ولا تخضع لمنطق العداوات الدائمة.

وبالفعل فما أن حقق الحزب فوزه الواضح في انتخابات 2014 ليهيمن على المناصب الكبرى الثلاث (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس نواب الشعب) حتى بدأت الخلافات تشقه، وهو ما بدا حينها أمرا غريبا للمراقبين، حيث أنه من المعتاد أن القوى المنتصرة انتخابيا تزداد وحدة وتماسكا ولا تسير نحو التحلل والاضمحلال.

غير أن المشهد كان مغايرا في حزب نداء تونس بداية من انشقاق جزء من النواب الذين صعدوا على قوائمه مشكلين كتلة جديدة تابعة لكيان حزبي مستحدث يتزعمه قيادي من الصف الثاني هو محسن مرزوق.

 

أزمة نداء تونس لا يمكن حلها من خلال افتعال الخصومات السياسية أو اجتذاب وجوه حزبية مستهلكة فاقدة للمصداقية

 

وتصاعدت أزمة حزب النداء بعد تراجعه الانتخابي اللافت في الانتخابات البلدية الأخيرة، التي كشفت عن حالة من  التراجع في الحضور الشعبي، قبل أن تتفجر الأزمة السياسية بين شقي الحزب، اعني بين جناح حافظ السبسي وجناح رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي اختار الحسم العلني في هذا الصراع من خلال خطاب تلفزيوني حمّل فيه الشق الآخر مسؤولية الهزيمة الانتخابية.

واتجه بعدها الى تشكيل قوة سياسية وازنة محورها نواب نداء تونس ذاته الذين انتقلوا الى الكتلة البرلمانية الجديدة تحت اسم “الائتلاف الوطني”، ومن الوارد أن تتحول الى كيان سياسي يخوض من خلاله رئيس الحكومة الحالي الانتخابات المقبلة.

وأمام تراجع الحضور البرلماني لحزب نداء تونس من 69 نائب سنة 2014 الى 38 نائب حاليا، وجد الحزب نفسه أمام أزمة حقيقية نتيجة خياراته المضطربة، في ظل غياب عقل سياسي يدير حركة الحزب.

ولم يكن القرار الأخير بإدماج حزب “الاتحاد الوطني الحر” ضمن هياكل النداء ومنح رئيسه السابق سليم الرياحي موقع الأمانة العامة للحزب سوى محاولة للحفاظ على حضور سياسي هو بصدد التلاشي.

ومما يدل على انعدام الخيارات أمام الشق المتبقي لنداء تونس ميله نحو سياسة الهروب الى الأمام، سواء من خلال إعلان إنهاء الشراكة السياسية مع حزب النهضة وانتهاء بالبيان الصادر في 28 أكتوبر الجاري الذي دعا فيه الى تحوير وزاري يستهدف إقالة رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد وإبعاد حركة النهضة من أي تشكيل حكومي مقبل، متجاهلا التغير الذي حصل في موازين القوى داخل مجلس النواب التونسي حيث لا يمكن تمرير أي تحوير دون التصويت عليه من النواب.

و تكشف الخارطة البرلمانية الجديدة عن تصدر حركة النهضة لعدد النواب في المجلس بوجود 68 نائب في كتلتها، تليها كتلة الائتلاف الوطني الموالي لرئيس الحكومة يوسف الشاهد التي تضم 41 نائبا، وهو ما يعني وبمنطق حسابي صرف استحالة تمرير أي تحوير وزاري دون موافقة هاتين الكتلتين.

إن التحولات الحاصلة في بنية المشهد السياسي الحالي تكشف عن تغيرات جذرية تميل لمصلحة رئيس الحكومة يوسف الشاهد على حساب خصمه حافظ السبسي،  مما يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد بالفعل مزيد الانكماش السياسي لحزب النداء.

والاخير في سبيله نحو التلاشي سياسيا وشعبيا، مثلما حصل لأحزاب تونسية كثيرة كانت حاضرة بقوة من قبل، على النحو الذي كان عليه الحزب الجمهوري أو التكتل الديمقراطي للعمل والحريات والعريضة الشعبية.

وفي أفق الانتخابات القادمة لسنة 2019 تظل حالة التشظي السياسي التي تعانيها الأحزاب التونسية (ربما باستثناء حزب النهضة) مشكلا جوهريا يؤثر على بنية الحكومات المتعاقبة ولا يسمح بتشكل قوى فعلية قادرة على تقديم برامج سياسية مؤثرة، بعيدا عن الشخصنة والزعاماتية المفرطة.

وإن أزمة نداء تونس لا يمكن حلها من خلال افتعال الخصومات السياسية أو اجتذاب وجوه حزبية مستهلكة فاقدة للمصداقية، بقدر ما تقتضي المزيد من العمل نحو بناء مؤسسات سياسية حزبية ذات برامج واضحة وتوجهات ثابتة كافية لإقناع المواطن بالتصويت لها في قادم المحطات الانتخابية.

وهو ما يبدو أمرا صعب المنال في الفترة المقبلة وإن كان يشكل حاجة ضرورية وملحة لا تستقيم أي ديمقراطية فعلية من دونها.

 

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد