مدوناتغير مصنف

كفرناحوم لنادين لبكي: وجه من وجوه البؤس العربي

بقلم: حسام علي العشي

 

بعد الإعلان عن فوز فيلم”كفرناحوم” للمخرجة اللبنانية نادين لبكي بجائزة التحكيم الخاصة في الدورة الحادية والسبعين لمهرجان كان السينمائي بدأت جولة الفيلم في قاعات العرض في لبنان والعالم العربي. وهاهو اليوم الموافق ل26أكتوبر يعرض في قاعة الكوليزي بتونس العاصمة.

 

حسام علي العشي

فيلم تحت خانة دراما الواقعية التي تحاكي مشاكل اللجوء والهجرة وأطفال الشوارع وزواج القاصرات، إنه وجه آخر للبنان، عمل يشبه هذا الواقع البائس في أرض العرب.

كفرناحوم عنوان غريب ومبهم المعنى عند المشاهد العربي، وإن بحثنا قليلا، نجد تفسيرا لاتينيا، كفرناحوم هي الفوضى والاضطراب، وهكذا هي لبنان والدول العربية.

فيلم يتناول قصة زين اللاجئ السوري الصغير 12 سنة من درعا يعيش ظروفا صعبة مع عائلته في لبنان مثله مثل أغلب اللاجئين السوريين، الفاقد إلى أدنى الحياة البشرية. لا مدرسة ولاتعليم.بل غارق في المشاكل والعذاب والعمل المرهق الذي لا يناسب  سنه الصغير.

كل هذا وهو يحاول من دون جدوى منع زواج شقيقته الصغرى 11سنة والتي ماتت بعد الزواج إثر نزيف حاد أمام المستشفى الذي منع دخولها. فيقرر زين مقاضاة والديه بسبب الظروف الصعبة. شكوى غريبة. لماذا أنجبتمونا إلى هذه الحياة وأنتم لا تقدرون على تربيتنا؟ سؤال يختصر المعاناة ؟لقد أصبح عدم الوجود أفضل اليوم.

شكوى زين تذكرنا بمقال “حنا أرندت ” تصف فيه حال اللجوء بقولها

 

اعتاد اللاجئون على تمني الموت إلى أصدقائهم أو إلى أقاربهم فإذا ما مات أحد، تخيلنا بابتهاج كل العناء الذي استطاع أن يوفره على نفسه. وفي آخر الامر، انتهى كثير منا إلى تمني أن نكون نحن أيضا استطعنا توفر بعض العناء على أنفسنا وأن نفعل وفقا لذلك

حنا أرندت

 

تذهب الحبكة إلى لقاء زين بأشخاص يتشارك معهم البؤس نفسه في بيروت لتجتمع تلك المآسي في صور عديدة من العاملة الإثيوبية “راحيل” التي صرفت من عملها بسبب حملها، إلى طفلها الرضيع “يوناس” غير الشرعي والذي لا يملك أوراق ثبوت نسب، وصولا إلى ما يتعرض له زين نفسه من أذى جسدي ونفسي في العائلة وهروبه من البيت في عشوائيات بيروت.

يعيش زين مع راحيل وابنها الرضيع يوناس، تنمو بينهم علاقة حب وحنان. تغيب راحيل عن البيت لمدة طويلة بسبب الاعتقال من السلطة اللبنانية. زين يتكفل بيوناس في ظل بحثه عن أم الطفل …تدور الأحداث ومغامرة الطفلين من أجل البقاء في زمن البرابرة، مما يعطي الفيلم طابعا إنسانيا عميقا، وصولا إلى المحكمة بعد تخلي زين عن يوناس والعودة إلى البيت والانتقام من زوج أخته الصغرى كعودة إلى البداية، وسؤال القاضي لزين “ليش بدك تشتكي على أهلك؟ يقول زين: لأنهم خلفوني”.

كفرناحوم عنوان يختصر الفيلم ويعبر على الحالة التي وصل إليها اللاجئون السوريون والعاملات الإفريقيات والآسيويات في بلد يعاني العنصرية المفرطة ضد الغرباء، لقد أصبحت لبنان غيتو يضيق ب”الغرباء”. يذكرنا هذا بالفلسطينيين في اغلب الأقطار العربية، والله أعلم على من سيكون الدور في السنوات القادمة.

 

 

مخرجة الفيلم نادين لبكي كانت جريئة في طرحها لهذا الموضوع في بلد تحكمه عصابات الطائفية ومجرمو حرب أهلية دمرت لبنان لمدة خمس عشر سنة، وهم يحكمون اليوم ويهددون بالعودة للإقتتال.

الجرأة لم تكن في الموضوع فقط بل في طرحها الفني واللغة السينمائية المعتمدة القريبة للتوثيق لإعطاء صبغة واقعية للعمل.

شخصية الطفل السوري زين، بطل الفيلم، آسرة ومحببة فهو لم يكن ممثل محترف على غرار كل ممثلي الفيلم وهذا الخيار يعطي قوة وثائقية للفيلم مظهرا هوامش المجتمع اللبناني.

 

 

فقر،  جهل،  عنصرية، جواز القصر،  غياب للقانون، تجارة بالبشر،  ابتزاز جنسي،  احتقان شعبي، عشوائيات، زبالة أطفال،  شوارع بلا هوية ولا وثائق رسمية لسبب أنهم لاجئون. كل هذا في لبنان جميع هذه الألفاظ تختصر في كفرناحوم.

قوة هذا الفيلم انه يشبهنا يشبه عارنا نحن. زين ليس في لبنان فقط هو في تونس والمغرب ومصر و في كل العالم العربي الذي يحكمه البرابرة الذين جعلونا نسخة من زين أو لنقل مشروع زين الذي دفعت به المأساة لرفع دعوة على والديه لانهما أنجباه إلى هذه الحياة القذرة.

 

 

لبكي جعلت الفقراء مسؤولين عن فقرهم وكأن المجتمع ليس له دور. أليس النظام السوري المتوحش، والأنظمة التي سعت لتأجيج نار الحرب الأهلية بين السوريين وإدامتها، السبب الرئيسي في تشرد زين مع أهله؟ ألم تكن للحكومة اللبنانية المشكّلة من باروات الحرب الأهلية يد في هذا البؤس؟ أين المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية من كل المآسي التي يعيشها الشرق؟ من سيكون زين في السنوات القادمة بعد زين السوري وزين العراقي وزين اليمني… وقبلهم زين الفلسطيني؟

لقد أصبح زين استعارة لكل طفل عربي.

وأهم سؤال نطرحه على أنفسنا: ماذا فعلنا نحن كعرب لكل هؤلاء الأطفال المشردين في لبنان والأردن ومصر وسوريا وتونس.

نخرج من قاعة السينما ونحن نحمل بقايا دموع على زين ويوناس، ولكننا نشعر أننا متورطون في هذا العار وأن لنا نوعا من المسؤولية تجاه الفقراء واللاجئين. ويبقى السؤال مطروحا لماذا تزداد مآسينا يوما بعد يوم؟ ألم يحن الوقت كي نرفع نحن في هذا الجيل دعاوى على آبائنا لأنهم أنجبونا وسط كل هذا البؤس وهذه الرداءة؟

 

حسام علي العشي

مدون من تونس

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “كفرناحوم لنادين لبكي: وجه من وجوه البؤس العربي”

اترك رد