اختيار المحررينسياسة

المد اليميني يتواصل ..الانتخابات البرازيلية تحسم لصالح اليمين المتطرف

انضمت البرازيل إلى مجموعة الدول حول العالم التي شهدت صعودا صاروخيا للحركات اليمينية المتطرفة  في السنوات الأخيرة وتولت السلطة، عبر الصندوق الانتخابي، بعد ان استطاع المرشح اليميني المتطرف جايير بولسونارو من الفوز بـ46 % من أصوات الناخبين في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية، متقدما على أقرب منافسيه بـ18 %، إذ لم يحصل المرشح العمالي فرناندو حداد سوى على 28 %من الأصوات.

من اليسار إلى أقصى اليمين

عاشت البرازيل في العقود الأخيرة تقلبات سياسية عنيفة انعكست على اقتصادها الذي بلغ أدنى مستوياته في فترة حكم الرئيس السابق فيرناندو أنريك كاردوسو الذي وصلت قيمة الديون الخارجية في عهده إلى 900% ودخلت البرازيل في حقبة من الجوع والبطالة والانهيار لم تشهدها حتى خلال الحكم العسكري الذي لت تتقلب بين قيادييه لعقود طويلة.

أدت سياسة التداين الخارجي إلى انعدام حتى الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والتعليم والصحة، حتى تم الإعلان عن ميلاد حزب جديد يقوده مجموعة من المثقفين اليساريين على ٍرأسهم لولا دا سيلفا، الذي سيصبح فيما بعد اول رئيس من الطبقة العمالية الكادحة يصل إلى السلطة ويتسلم قيادة البلاد سنة 2002، بعد انتخابات اكتسح فيها كارادوسو، وليبدأ رحلة إصلاح ستقفز بالبرازيل في ظرف سنوات قلائل، من دولة على شفير الإفلاس إلى نهضة اقتصادية وزراعية واجتماعية، وتوسعت مواردها لتشمل الزراعة واستخراج المعادن وأصبحت دولة مصدرة للعديد من المنتوجات وارتفع معدل التعليم والتنمية فيها إلى مستويات قياسية وأصبحت البرازيل من اكثر دول أمريكا الجنوبية نفوذا، بل وتفوقت على بريطانيا في مرحلة ما.

خلفته الرئيسة السابقة ديلما روسي دا سيلفا، ووعدت بالسير على نفس نهجه، لكن مجلس الشيوخ البرازيلي عزل روسي بتهمة الفساد وتولى نائبها ميشال تامر منصب الرئاسة منهيا بذلك فترة حكم اليسار دامت 13 عاما في البرازيل.

لم يحض ميشال تامر بتأييد شعبي، ونظرا لكونه يقود حركة سياسية وسطية، بدأت مساعيه لتقديم مشاريع لخوصصة القطاع العام واكتسبت عداء الطبقات العمالية والفقيرة في وقت قياسي، باختصار جنح مركب البرازيل في عهد ميشال تامر نحو ضفة اليمين وبدأ الغرق.

اليسار يسقط..

دا سيلفا الذي لم ينج من تهم الفساد، حاول من سجنه إعادة التوازن للمشهد وأعلن عن ترشحه للانتخابات الرئاسية سنة 2018، وبدأ الحشد وفعلا حقق نسبة رضا عالية لدى الناخبين وشت بفوز محتمل، لكن قضت المحكمة ان يقع تمديد فترة سجنه من 9 أعوام إلى 12 سنة، في محاولة وصفها حزب العمال بالمعرقلة لترشح دا سيلفا.

ولم يستطع مرشح الحزب ، فرناندو حداد أن ينافس أمام الغضب المتصاعد من الطبقات الشعبية، بعد ان لمست كل الأطراف بداية تهاوي الوعود التي قدمها اليسار بعد دا سيلفا، وخفتت الشعلة التي كان قد اشعلها في عجلة الاقتصاد والتنمية، وجاءت تهم الفساد الموجهة له و لخليفته روسي من تأجيج الغضب، في ظل ارتفاع معدل الجريمة والبطالة في السنوات الأخيرة. حاول الناس البحث عن بديل أكثر امانا، فكانت الوعود الاقتصادية المقدمة من اليمين تعد بالاستقرار والتقدم البطيء لكن المضمون، مقابل مخاطرة اقتصادية يمثلها حزب العمال، وأسفرت المنافسة عن تغلب اليمين، الذي ركز كذلك على عودة الامن وتقوية جهاز الشرطة لتامين المواطنين.

 اليمين المتطرف يكتسح دول العالم

راقب العالم بقلق صعود بولسونارو إلى منصب رئيس البرازيل، فهذا الرجل، الذي وصف بأنه أخطر من ترامب، له مواقف          وتصريحات اقل ما يقال انها متطرفة، وتهدد الديمقراطية العريقة التي تحظى بها البرازيل.

فقد عرف بولسونارو بتصريحاته العنصرية ضد الملونين والمثليين وضد النساء بصفة عامة، ويميل إلى الاحتفاء بالجيش وتكريس دوره في الحكم السياسي ما اثار مخاوف بشأن عودة الحكم العسكري إلى البرازيل.

في خطابه بعد الفوز، قال الرئيس البرازيلي المنتخب في أول خطاب له بعد الإعلان عن فوزه: “لا يمكننا الاستمرار في مغازلة الاشتراكية والشيوعية والشعبوية وتطرف اليسار”، متعهدا في الوقت ذاته بأن يحكم البلاد “متبعا الكتاب المقدس والدستور”، في تهديد واضح وصريح بإقصاء اليسار من المشهد السياسي مستقبلا.

في السنوات الأخيرة انتعشت الحركات السياسية اليمينية المتطرفة، في عدد من الدول الأوروبية مطيحة بالخطاب المعتدل والانفتاح الذي صبغ لسنوات العلاقات بين أوروبا وامريكا وبقية دول العالم.

فبعد صعود دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة، بدا ان ذلك قوّى الأحزاب اليمينية لتبدأ سلسلة من النجاحات السياسية في دول كألمانيا والسويد وإيطاليا والنمسا والفلبين ويتطور دور اليمين الفرنسي ممثلا في ماري لوبان، لكن لاتزال أمامها تحديات كبيرة في تثبيت أقدامها في مشهد متغير على الدوام.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.