ثقافة

باب سيدي قاسم الجليزي الفاسي الأصل..الذي بجّله الحفصيون

 

باب سيدي قاسم هو أحد أبواب مدينة تونس العتيقة التي اندثرت، وظل محفوظا في كتب الباحثين والمؤرخين، وقد سمي هذا الباب نسبة إلى الولي الصالح أبو القاسم الجليزي، الفاسي الأصلي.

 

لم يحدد المؤرخون تاريخ بناء باب سيدي قاسم، وقد أشار بعضهم إلى أنه قد شيد في عهد الدولة العثمانية، في الأسوار الغربية للمدينة العتيقة، دون ذكر تفاصيل عن ذلك.

في حين ذكر المؤرخ  ابن أبي دينار القيرواني، في كتابه “المؤنس في أخبار إفريقية وتونس”، أن الباب بني في العهد الحفصي، وكان يسمى بباب خالد، نسبة إلى السلطان الحفصي أبو البقاء خالد بن أبي زكرياء.

وقال ابن أبي دينار في ذلك : ” إنّ اسمه كان باب خالد، قلت: لعلّ خالدا هذا هو السّلطان أبو البقاء خالد بن أبي زكرياء الذي تولّى الملك في سنة 709هـ1308م، وهذا الظّنّ راجع إلى كون زاوية سيدي قاسم المجاورة لهذا الباب بها مقابر للحفصيين، وما هو إلاّ مجرّد احتمال لا نجزم بصحّته”.

 

 

وقد عرف المؤرخون أبو البقاء خالد الناصر بن أبي زكرياء، بأنه أحد السلاطين الحفصيين، كان أميرا على بجاية وقسنطينة في الجزائر قبل أن يتولى الحكم في تونس سنة 1308م، ولقب بـالناصر لدين الله ولم يستمر في الحكم إلا عامين إذ أجبر على خلع نفسه سنة 1310 م، وذلك بعد أن عكف على لهوه ولذاته وترك الجنود وسياسة الملك، ما أدى إلى اضطراب الأحوال بإفريقية. وقد اختلفت المصادر حول تاريخ وفاة السلطان المخلوع  ابي البقاء حيث يؤكد بعض المؤرخين أنه لم يقتل في 1311م بل توفي سنة 1313م.

 

سيدي قاسم الفاسي

كما لم يذكر المؤرخون هل أن باب سيدي قاسم بني في عهد السلطان الحفصي المذكور أم أنه بني في عهد الدولة العثمانية والبايات الحسينيين، لكن عند محاولة التدقيق في المصادر والمراجع المتوفرة، يمكن التخلص إلى أن الباب قد بني في عهد الحفصيين، باعتبار أن سيدي قاسم الجليزي، قد عاش في فترة حكم الحفصيين الذين استمر حكمهم أكثر من 3 قرون من سنة 1229 ميلاديًا إلى سنة 1574م.

ويعرف أبو قاسم الجليزي الذي يسمى أيضا بأبي الفضل قاسم أحمد الصدفي الفاسي، بأنه  كان شيخًا ورعا من الصالحين، تعود أصوله إلى مدينة فاس المغربية، وقد قدم إلى تونس، في بداية النصف الثاني من القرن الخامس عشر، أين اشتهر بصناعة الجليز المطلي الذي يستعمل بكثرة في البيوت التونسية لتزيين حيطانها، وقيل أنه كان أول من صنعها بمدينة تونس، وذاع صيته بأبي القاسم الجليزي.

 

 

حذقه لصناعة الجليز، جعل بعض المؤرخين يرجعون أصول سيدي قاسم إلى بلاد الأندلس التي كانت تشتهر بفن الجليز آنذاك.

 

 

وقد اختار سيدي قاسم الجليزي مستقرا فوق ربوة  في أعلى منطقة من الحي الحفصي من مدينة تونس آنذاك، في الجهة الغربية من المدينة بين رحبة الغنم من جهة والأسوار الخارجية التي اندثرت بالكامل تقريبا منذ سنة 1957 من جهة أخرى، حيث تطل على الجهة الغربية لسبخة السيجومي والقصبة من جهة الشمال، وبني فيه زاويته التي صنع لها بنفسه مربعات الجليز التي ما تزال تزين الجدران الداخلية والخارجية للزاوية، والتي أصبحت مسكنا له.

 

 

 ومما ذكر أيضا أن السلاطين الحفصيين قد اختاروا منذ القرن 13 هذا المكان أيضا لبناء جامع الهواء والمدرسة التي تحمل نفس الاسم، وفي حين اختفى المعلمين الحفصيين، ماتزال زاوية سيدي قاسم الجليزي قائمة إلى يومنا هذا، وهي تحتوي ضريح الشيخ أبي القاسم الجليزي، الذي توفي سنة 1496م، وأصبحت الزاوية ملجأ عابري السبيل، من تجار ومسافرين وحتى الموريسكيين الذين فروا من الأندلس بعد سقوط غرناطة في يد الإسبان.

وقد ذكر “المؤرخ ابن أبي دينار أنه بعد أن سقطت غرناطة عام 1492 ، أقام العديد من الأندلسيين القادمين حديثا إلى تونس في هذه الزاوية مؤقتا كما سيكون الحال للموريسكيين الذين قدموا إلى تونس في القرن السابع عشر.”

 

 

ولعل مكانة سيدي قاسم الجليزي لدى السلاطين الحفصيين، هي التي دفعتهم لتغيير باب خالد إلى باب سيدي قاسم الجليزي.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.