مدوناتالرئيسيغير مصنف

وهبت عمري للأمل

 

من منكم لم يحس يوما بأنّ العتمة ابتلعته، من منكم لم يفتش عن نقطة ضوء تنير ولو قليلا العتمة من حوله، العتمة غول لا يمكن مواجهته إلا بالضوء، واليأس سرطان قاتل لا يمكن مقاتلته إلا بالأمل، إذن العتمة هي اليأس القاتل والأمل هي نقطة الضوء الحيّة.

 

نعيش دهرا من الزمن، بين دمعة ابتسامة، نبحث في رحلتنا عن السعادة، السعادة بمعناها المطلق وبمعناها النسبي أيضا، لكلّ منا له سعادته الخاصة لا سعادة تشبه أخرى نحن مختلفون جدّا حتى وإن تشابهنا في أشياء كثيرة.

نحن ننتظر نقطة الضوء حتى وإن غمرتنا العتمة إنّها سلاحنا الخفيّ بل إيماننا الخفي بقوّة خارقة قوة الله الرحيم التي سترحم عجزنا وقلة حيلتنا وستفتح سبيلا للخروج من هزائمنا وخيباتنا، الأمل هو إيماننا البعيد أو القريب، أنّ هناك شيء ما سيحدث وسيغيّر شيئا ما من حولنا، لولا الأمل لمتنا منذ زمن بعيد.

ربّما فقدنا البوصلة في رحلة الحياة الحديثة التي فتحت أبوابها على أمراض العصر الأكثر انتشارا الاكتئاب والضغط النفسي ليصل البعض إلى الإقدام على الانتحار، لماذا ينتحر الفرد، سأحاول الإجابة بشكل موضوعي، ينتحر البعض عندما لا يملك شيئا يخسره إلا حياته التي صارت أرخص من نعل حذاء، حياته التي تصبح رهن مقامرة خاسرة ورخيصة.

 

 

ينتحر البعض عندما يتخلى عن الأمل إنّه ثروة الإنسان الهائلة والتي لا يمكن تقديرها إلا بانعدامها

 

 

ينتحر البعض عندما يتخلى عن الأمل إنّه ثروة الإنسان الهائلة والتي لا يمكن تقديرها إلا بانعدامها. وانعدامه عند يصل الفرد إلى قرار الموت بسهولة، الأمل هو الثروة التي يمكن أن يتجاوز بها الإنسان كلّ هزائمه وشدائد الحياة، والأمل دون سعي كنهر دون ماء، إنّ الأمل الذي نتحدث عنه ليس ذلك الأمل المزيف الذي يجلس مالكه عاجزا دون أن يتحرك قيد أنملة من أجل الخروج من أزمته، بل هو  الدافع الأكثر إقناعا من أجل التجاوز ومحاربة الصعوبات والانتصار عليها.

 

“إن مع العسر يسرا “، هكذا حدث الله عباده المتقين والصابرين الموعودين بالفرج بعد عسرهم، ستفتح الأبواب المقفلة وستنفرج الأسارير، وستضحك الشفاه  لأنّ القلوب تعلقت بأمل الفرج، لا يمكن أن نتجاوز كلّ هذه الخيبات القاتلة إلا بقوّة الأمل إنّه النافذة التي ينبعث منها شعاع ضوء ليطل بنا على الحياة الممكنة، الحياة التي يمكن أن تتسع لنا ولو بعد حين.

 

 

لوحة أمل-1886- للرسام الإنجليزي جورج واتس

 

 

تجاوز الأسلاف مصاعب الحياة بالقناعة والأمل، صحيح أننا لم نتعلم من حكمة الأجداد شيئا ولكن مع مصاعب الحياة الحديثة وبؤس الأوضاع  نحاول العودة إلى الماضي، لأنّ الإنسان بكلّ بساطة سليل الأسطورة، فنستحضر تجارب أجدادنا وكيف واجهوا الحياة وذهبوا إلى الموت بثقة المنتصر، المنتصر على اليأس والمؤمن برحمة الربّ العادل.

 

“القليل يعيش هاني “، مثل جزائري أستحضره كلما مررت بأزمة خانقة، والحال أنّ جميعنا فقراء مهما امتلكنا من أشياء، إننا لم نتدرب بعد كيف نحيا، إننا نحيا من أجل امتلاك الأشياء السهلة، المال والسيارة والبيت، هي أشياء سهلة لمن عمل واجتهد من أجل تحصيلها ولكن إن نقصت أشياء أخرى مثل القناعة والوعي الحقيقي بقيمة الحياة ستظل الأشياء السهلة دون قيمة، والحياة في نظري كيف نتدرب لنصبح إنسانيين لا بشريين، الإنسانية بمعناها العميق، الشاملة للقيم والأخلاق السامية التي نسمو من خلالها عن طباع الحيوان.

 

 

لا شيء يظل على حاله إلا مع العاجز المتهاون

 

 

لا شيء يظل على حاله إلا مع العاجز المتهاون أما الإنسان الذي امتلك الوعي الكافي لقيمة الحياة سيتجاوز وضعه الراهن بالعمل والأمل، فالأمل هو من يحفزنا على العمل، على الحفر عميقا في قيمة الحياة، كيف نحفر الحياة بقيمة العمل .. سؤال وجيه يطرحه البعض، إننا نحفر الحياة لنصل إلى عمقها عندما نعمل بجدّ دون تهاون، نعمل ونأكل من كدّ أيدينا ومن عرق الجباه المتعرقة، من عمل سيعلم أنّ هذه الحياة هي الحركة ضدّ الجمود وانّ التخاذل والتواكل هو الوجه الخفيّ للموت بل الوجه الأكثر بشاعة لأنّ من يراه سوى الغرباء ، وكثير من الأحياء هم في حقيقة الأمر ليسوا إلا أموات.

 

من يعمل بجدّ سيظل متعلقا بالأمل، سيتخلص من العزلة وسيتفاعل مع كل ما يحيط به بإيجابية وسيسعى إلى التطوير والنجاح سيضع أهدافا قابلة للتحقيق وسيجاهد من أجلها، فكلّ متوقع آت،  أما العاطل والمتواكل سيظل محبوسا في شرنقة الموت حتى وإن خيّل له أنّها الحياة تلك الشرنقة الضيّقة التي تكتم على أنفاسه وتعيق حركته لتهبه سهلا رخيصا إلى الموت.

 

هب عمرك للأمل ستسعد وستعمل لتحقق أهدافك وإن لم يحدث أن تحققت يكفي أنّك حاولت وجاهدت من أجلها، سيتقوس يوما ما ظهرك وستدرك في أوجاع الظهر كم عملت وكم تعرق جبينك من أجل أن تحيا بكرامة، ستحصد احترام المحيطين من حولك حتى وإن بلغت من الكبر عتيّا ويوم موتك سيقال : لقد عاش كريما ومات كريما وسيحمل نعشك وقد تركت رسالتك في الحياة التي ستصل إلى غيرك لتكون درسا له يوما آخر.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد