مجتمعسياسةغير مصنف

ذاكرة ممزّقة.. إعادة كتابة التاريخ بإنصاف “معطّلة في تونس”

t

التاريخ سلاح وساحة معركة، هكذا يمكن إختزال “صراع” العدالة الإنتقاليّة في تونس من أجل تصحيح التاريخ بإضافة رواية وزاوية نظر الضحايا، فالتاريخ يكتبه المنتصر أو القويّ غالبا. وفي الحالة التونسيّة، كما في حالات الأنظمة المستبدّة والفاشيّة، هو تاريخ النظام و”الزعيم” الذي يغيّب وجود الضحايا أصلا وحتى في رحيله أو سقوطه يبقى “أعوانه” الكثر حرّاسا للرواية ولسرديّة لا تروم ترميم ثقوب الذاكرة الممزّقة.

 

صفحات التاريخ المنسيّة والنصف “المهشّم” من الكأس في هذه الحالة هي في النهاية ما وراء الكاميرا وما سقط من الكتب والسرديات المتلاطمة، فالمثل الإفريقي الشهير يقول “ستبقى الأسود بلا مؤرّخين مادام تاريخ الصيد يكتبه الصيّادون”.

 

ليست الصورة مختلفة كثيرا عما يحدث في تونس في السنوات الأخيرة، ففي الظاهر جدل يتّجه نحو هيئة الحقيقة والكرامة ورئيستها سهام بنسدرين، وفي الباطن صراع من أجل الحفاظ على سرديّة تاريخ مزوّرة ويدرك من يدافعون عنها أكثر من غيرهم أنّها كذلك، ولكنّهم يصرّون على الحفاظ على الذاكرة مثقوبة لأسباب كثيرة.

ذلك بالضبط ما عاد إلى السطح في الأيام الأخيرة بسبب “دموع” آخر وزير داخليّة عيّنه المخلوع زين العابدين بن علي.

 

رفض رواية الضحايا

في وقت سابق شهدت تونس سابقة من نوعها عندما ظهر على إحدى الشاشات التلفزيّة أحد الجلاّدين من القيادات الأمنية التي أشرفت على عمليات تعذيب بشعة ضدّ معارضي النظام الدكتاتوري، خرج ليتباهى بـ”نضاله” لأجل النظام حينها، مرتديا جلباب الضحيّة، ورافضا في نفس الوقت الإعتراف بحقّ الضحيّة في الإنصاف وحقّ الشعب التونسي برمّته في معرفة الحقيقة.

 

لا يختلف ما قام به الأمني المذكور عما قام به أحمد فريعة آخر وزير داخلية في عهد زين العابدين بن علي الذي خيّر ذرف الدموع من تلفزة إلى أخرى ومن إذاعة إلى أخرى في محاولة بائسة للظهور بثوب الضحيّة محاولا إتهام هيئة الحقيقة والكرامة كذبا، فمنع السفر الصادر ضدّه هو إجراء قضائي ودعوته للدوائر القضائية المختصّة كذلك ولا دخل للهيئة في ذلك باعتباره مسارا قضائيا.

 

وزارة الداخليّة نفسها ترفض ملفّات التحكيم والمصالحة منذ بدأ أشغال هيئة الحقيقة والكرامة، وقد أعلن عن ذلك رسميا رئيس لجنة التحكيم والمصالحة وعضو الهيئة خالد الكريشي في إشارة واضحة إلى رفض قطعي من الأذرع التنفيذية للنظام الإعتراف برواية الضحايا.

 

بعيدا عن المسؤولين الأمنيين والإداريين، يعارض مسار العدالة الإنتقالية طيف من السياسيين الرافضون لرواية الضحايا بحجّة أنها “طمس للتاريخ” أي أنّهم يرفضون طمس التاريخ ويبيحونه لأنفسهم فتغييب رواية الضحايا هي ضرب من ضروب ذلك بل ويعتبرون أنها “عدالة إنتقائيّة”، حتى أن أمينة عامة مساعدة لدى حزب التجمع المنحلّ قد أعلنت بوضوح رفضها لعرض جلسات علنية لشهادات الضحايا وإتجهت إلى القضاء لإيقاف بثها لكنها فشلت في ذلك.

 

لأسباب سياسيّة وأخرى إيديولوجيّة وحتى لأسباب حزبيّة وذاتيّة يقف كثيرون ضدّ ترميم ذاكرة جريحة ويمنعون مداواة الجراح المفتوحة داخل سرديّة للتاريخ تحمل في طياتها الأدلّة الكافية لإثبات إنحيازها وعدم موضوعيتها.

 

 

كسل المؤرّخين وإقطاعيّة التأريخ

العقليّة القطاعيّة في تونس باتت واحدة من أبرز الأمراض والعلل في عدّة وظائف وحتى في مجالات أكاديميّة كثيرة وعلى رأسها التأريخ.

ففي ظلّ كسل المؤرّخين والباحثين في التفاعل مع حدث الثورة ومع رواية الضحايا أثارت دعوة سهام بن سدرين رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة التونسية الى إعادة كتابة التاريخ الوطني التونسي سخط مؤرخين، قالوا ان الهيئة حادت عن أهدافها في الاشراف على مسار العدالة الانتقالية ورد الاعتبار لضحايا الانتهاكات في العقود الماضية.

 

وكان 60 مؤرخا قد وصفوا، في بيان مشترك مطلع سنة 2018 ردّا على شهادات الضحايا في جلسات علنية متلفزة، دعوات بن سدرين لإعادة كتابة تاريخ تونس بـ”الاستفزازات المتكررة”، مشددين على أن رئيسة الهيئة ما انفكت تنشر وثائق “مشككة” وأنها “لم تفتح أبوابا كانت مغلقة في مجال المصادر، ولا هي ارتادت آفاقا جديدة في مجال الشهادات الشفوية، والحال أنه كان من الضروري الاطلاع عليها قبل نشرها”.

 

بيان عدد من المؤرّخين التونسيين إرتكز بالأساس على أن إعادة كتابة التاريخ “إختصاص” يقف حكرا على المؤرّخين أي هم أنفسهم دون غيرهم في نفس الوقت الذي لم يبادروا فيه ولم يتفاعلوا بشكل عملي مع شهادات الضحايا التي وفّرت أرضية خصبة ومؤيّدات ومستندات قويّة لإعادة فتح السرديّة لترميم الثقوب الحاصلة فيها.

 

المصالحة مع الذاكرة

تهدف العدالة الإنتقاليّة من حيث المبدأ إلى المكاشفة والمصالحة وردّ الإعتبار للضحايا أي أنها تنتهي وجوبا عند ترميم رواية الذاكرة الوطنيّة بعيدا عن الإنحياز لهذا الطرف أو ذاك على حساب غيره، وهذا بالضبط ما يبدو أن شقّا من الأكاديميا ترفضه وشقا من السياسيين ومن الجهاز الإيديولوجي وحتى الإداري والتنفيذي للنظام السابق يرفضه لأسباب سياسيّة في ظاهرها، ولكنّها أبعد من ذلك في باطنها.

 

أعادت الثورة للتونسيّة الشعور بالإنتماء للوطن ولرايته وهذا مكسب لا يمكن أن يتم الحفاظ عنه دون مصالحة مع ذاكرة جريحة تمرّ عبر المكاشفة والمصالحة وردّ الإعتبار ومن هناك الإنطلاق في إعادة كتابة التاريخ الجماعي المنصف للجميع بدون إستثناء بعيدا عن الإستقواء والإقصاء.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.