غير مصنف

ليونورا كارينغتون: الفنّانة المقيمة في السفر‎

This post has already been read 28 times!

 

ليونورا كارينغتون (Leonora Carrington) هي قصّاصة وإحدى أهمّ الفنّانات التشكيليّات في القرن العشرين، كانت رمزا من رموز الحركة السرياليّة في الفنّ خلال فترة ما بين الحربين.

وُلدت في إنقلترا، من أصل إيرلندي، وعاشت في فرنسا وإسبانيا والمكسيك، هكذا كانت حياتها سفرًا مستمرًّا، حياة مليئة بالصعوبات والنكسات العاطفيّة والوجوديّة والأعمال الفنّية الكبرى.

ليونورا الشاهدة على الحروب الكبرى وعلى الزخم الثقافي الّذي شهدته أوروبا في فترة العشرينيّات والثلاثينيّات، وعلى حقبة الثورة الفنّية في المكسيك في منتصف القرن العشرين.

 

وُلِدت ليونورا في 6 أفريل 1917، لعائلة ثريّة اختصّت في صناعة النسيج، في كلايتون غرين (Clayton Green) في مقاطعة لانكاشير (Lancashire) بإنقلترا. كانت طفلة متمرّدة وثائرة، حيث تمّ طردها من عدّة مدارس دينيّة إنقليزيّة، ولذلك رسّمها أبوها عند بلوغها الثانية عشر من عمرها، بمعهد خاصّ في باريس. وظلّت فيه لخمس سنوات. وفي هذه الفترة، شاءت الصدفة، أن تزور ليونورا مدينة فلورنسا الإيطاليّة، واكتشف لأوّل مرّة الآثار الفنّية الخالدة لعصر النهضة الإيطاليّة، وقد بقيت تلك المشاهد راسخة في ذهنها الطفولي، وأجّجت رغبتها في أن تهب حياتها للرسم.

 

 

 

بدأت في سنّ مبكّرة، برسم الحيوانات (الخيول على وجه الخصوص) والشخصيّات الأسطوريّة من قصص التراث الإيرلندي، الّتي كانت ترويها لها جدّتها، إضافة إلى افتتانها برسم شخصيّات قصص لويس كارول (صاحب القصّة الشهيرة “أليس في بلاد العجائب”).

 

في الثامنة عشر من عمرها، تمرّدت على رغبة أبيها، واتّجهت لإكمال دراستها في معهد فنّي في لندن، ومن ثمّ دخلت أكاديميّة أزانفان للفنون “Académie Amédie Ozenfant” (وهي أكاديميّة تحمل اسم الفنّان التشكيلي أميديه أُزافان الّذي أسّسها في لندن عام 1936).

 

لينورا كارينغتون صحبة ماكس إرنست وأندريه بروتون ومارسال ديشون

 

أثناء زيارتها لمعرض فنّي في لندن عام 1937، قابلت الرسّام والنحّات الألماني السريالي الشهير ماكس إرنست، [وكانت قد شاهدت له نسخة عن لوحته “Deux enfants menacés par un rossignol” (1924)، وأُعجِبت بها أيّما إعجاب]. ومنذ لقائهما الأوّل، انجذبا إلى بعضهما بعضًا، وتطورّت علاقتهما بسرعة كبيرة إلى حبّ عظيم وصداقة عظيميْن. وقد كان ذلك اللقاء، انعطافة كبرى في حياة ليونورا، ونقطة انطلاق لرحلة طويلة من الإنتاج الفنّي والسفر في الذات والعالم.

 

ليونورا كارينغتون صحبة ماكس

 

سافرت معه إلى باريس، وهناك قدّمها ماكس إلى حلقة الفنّانين السرياليّين الّذين أُعجِب كثير منهم بكتاباتها ورسوماتها، وكان الشاعر الفرنسي السريالي أندريه بروتون من أشدّ المعجبين بطريقتها في الكتابة، حيث أنّه أدرج قصّتها “المبتدئة” (Débutante) في أنطولوجيا السخرية السوداء (Anthologie de l’humour noir) الّتي جمّعها بنفسه ونُشِر أوّل جزء منها في عام 1940.

 

لينورا كارينغتون صحبة ريميديوس فارو وعدد من الفنّانين المكسيكيّين

 

وفي صيف 1938، انتقلت ليونورا وماكس للعيش في منزل هادئ في جنوب شرق فرنسا، قريبًا من جبال الالب الفرنسيّة. وسرعان ما أصبح منزلهما أشبه بمتحف فنّي، حيث امتلأ بلوحاتهما ومنحوتات ماكس، وأصبح مزارًا للعديد من الفنّانين السرياليّين المؤثّرين، على رأسهم الشاعران أندريه بروتون وبول إيلوار والروائي أندريه بيار دو مونديارق (André Pieyre de Mandiargues) والرسّامة ليونور فيني (Leonor Fini) والرسّام رولاند بونروز (Roland Penrose) والمصوّرة الفوتوغرافيّة “لي ميلر” (Lee Miller)، إلخ..

 

لوحة the burning of giordano bruno (1964)

 

وقد ساهمت هذه اللقاءات الدوريّة في نضج الوعي الفنّي لليونورا كارينغتون مبكّرًا، واكتشفت من خلالها تجارب فنّية هامّة لفنّانين مؤثّرين في الحركة السرياليّة، ألهمتها كي تجد أسلوبها الخاصّ، وتتموقع داخل هذه الحركة.

 

وما ساعد ليونورا في تشكيل عالمها الفنّي الفريد، هو اكتسابها القدرة على التعبير بالكلمات إضافة إلى قدرتها على التعبير بالألوان. فهي قصّاصة مميّزة وقارئة نهمة للأدب، كتبت بثلاث لغات (الانجليزيّة والفرنسيّة والإسبانيّة) قصصها السرياليّة الحافة بالغرائبي والعجيب والسخريّة السوداء.

 

منحوتة لليونورا كارينغتون

 

ولم يشغل هذا الإنتاج الأدبي ليونورا عن الرسم خلال فترتها “الفرنسيّة”، حيث رسمت لوحات كثيرة توّجتها بالمشاركة في معرض ضخم للفنّ السريالي نظّمه مارسال دوشان (Marcel Duchamp) وأندريه بروتون فب عام 1938.

 

وفي هذا المعرض، تعرّفت على فنّانات تشكيليّات فاعلات في المشهد الثقافي العالمي آنذاك، مثل ميري أوبنهايم (Meret Oppenheim) وريميديوس فارو الّتي ستصبح رفيقة دربها في فترة لاحقة.

ولكن بعد عام من مشاركتها في هذا المعرض، عاشت ليونورا أصعب فترات حياتها. ففي عام 1939، احتلّت القوّات الألمانيّة فرنسا، وتمّ اعتقال العديد من المثقّفين بتهمة معارضة النظام النازي، وكان من ضمنهم ماكس إرنست، لتجد ليونورا نفسها وحيدة تواجه فقدان حبيبها وصديقها وعرّابها.

 

لوحة “حول وال ستريت”

 

وأمام حملة الملاحقة لرموز الفنّ والفكر فب فرنسا، اضطرّ كثير منهم للهروب إلى إسبانيا والبرتغال في مرحلة أولى، وأصرّ بعضهم على أن ترافقهم ليونورا. فهربت إلى إسبانيا تاركة وراءها أغلب لوحاتها وأعمال ماكس الفنّية في منزلهما الريفي البعيد. في إسبانيا، عاشت ليونورا فترة عصيبة، انهارت فيها نفسيّا وأصبحت على حافّة الجنون، ليستقرّ بها الأمر في مستشفى الأمراض النفسيّة بسنتاندار (Santander) في صيف 1940.

لكنّ ليونورا نجحت بعد أشهر من إقامتها هناك، في الهروب، وتوجّهت إلى العاصمة البرتغاليّة لشبونة. وهناك وجدت الديبلوماسي المكسيكي، ريناتو ليدوك (Renato Leduc) الّذي كان صديقا لها ولماكس خلال فترة إقامتها في باريس. فعرض عليها الزواج والهروب من أوروبّا الواقعة تحت نفوذ الألمان، إلى الولايات المتّحدة البعيدة عن ساحة المعركة. وهو ما حصل فعلا، وبقيا لعامين في مدينة نيويورك، قبل أن يلتحقا بمجموعة الفنّانين الفرنسيّين اللاجئين إلى المكسيك، مثل أندريه بروتون وبيار ماتيس (Pierre Matisse) ومارسال دوشان وأندريه ماصون (André Masson).

 

لوحة 1971 Cocks of Chen

 

في المكسيك، وجدت ليونورا السلام والمناخ الملائم للإنتاج الفنّي، فاستقرّت بها حتّى مماتها، تحديدًا في عاصمتها مكسيكو. وهناك، ربطت صداقات وطيدة مع بنجامين بيري ولويس بونوال وغيرهم… لكنّ الفنّانة ريميديوس فارو كانت أقربهم إليها، وعوّضتها عن ذلك الفراغ الّذي تركه غياب ماكس إرنست. فمع ريميديوس فارو، وجدت ليونورا التقاء مبهرًا في رؤيتهما للفنّ وعوالمهما المتخيَّلة وهواجسهما، وهو ما تجسّد في غزارة إنتاجهما خلال تلك الفترة وتقارب مواضيع لوحاتهما وبروز أسلوبهما الفريد داخل الحراك الفنّي السريالي.

 

فلوحات ليونورا وريميديوس تجسّد صورة المرأة في هيأة مخصوصة، بنصف حيواني/نصف إنساني، مع إدخال عناصر أسطوريّة من ثقافات متعدّدة، ودينيّة متباينة مستقاة من المسيحيّة ومعتقدات السكّان الأصليّين للمكسيك. إنّه عالم ليونورا الساحر، الغرائبي، المُلغِز والغامض، وهو عالم يتطابق مع عالم ريميديوس، رغم التباين الطفيف في الأسلوب. فكأنّهما كانا يرسمان بيديْن مختلفتيْن، لكن بروح واحدة.

 

لوحة the conjurer (1960)

 

وإلى جانب الرسم، واصلت ليونورا إنتاجها الأدبي، فأصدرت روايتيْن مهمّتين هما: “Le Cornet acoustique”، “”La Porte de pierre. وهو ما مكّنها من جلب انتباه أدباء المكسيك البارزين، ونشأت صداقة وطيدة بينها وبين الشاعر العبقري أوكتافيو باث والروائي اللامع كارلوس فوينتس، وشاركتهما في إنشاء فرقة مسرحيّة طلائعيّة، تحمل اسم “Poesia en voz alta”، وكتبت لها بعض النصوص المسرحيّة وتكفّلت بتصميم الديكور والأزياء لأغلب أعمالها المسرحيّة.

 

وقد قام المخرج القدير أليخاندرو خودوروفسكي، بإخراج مسرحيّتها “Pénélope” في عام 1957.

ومنذ فترة الستّينيّات، امتدّت شهرة ليونورا في المكسيك وبقيّة أرجاء العالم، وتهاطلت عليها الدعوات لحضور أهمّ المعارض في أمريكا وأوروبّا.

 

ليونورا في 2008

 

هذه هي ليونورا كارينغتون،  جمعت بين فنون عديدة، فارتحلت من القصّة إلى الرواية إلى الرسم إلى النحت إلى المسرح إلى السينوغرافيا، وسافرت بين بلدان وثقافات عديدة، فحملت هويّة جدّتها الإيرلنديّة وبلد منشئها إنجلترا، وثقافة فرنسا العظيمة والسحر اللاتيني للمكسيك الّتي أصبحت وجهها البارز وعلامتها الثقافيّة حتّى مماتها في عام 2011.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.