مدوناتغير مصنف

دماء خاشقجي زيتُ سراج

 

إننا حين ندعو الله تعالى أن يُنجينا من المهالك وأن ينصرنا على الظالمين وأن يغنينا من عنده فإننا لا نقترح عليه طرائق الإستجابة ولا أبواب الفرج وهو الذي يعلم الخير كله ويصرف الأمور بمقادير.

هناك من دعا الله أن يحمي السعودية من أن ترتد عليها الصحراء بسبب فساد حكامها وهناك من دعا الله أن يحفظ دماء الأمة في سوريا واليمن والعراق وهو يرى أن للسعودية دورا في الفتنة وفي خراب الأمة وهناك من دعا الله نصرا لإخوتنا الفلسطينيين وحماية للقدس من أن يفرط فيها آل سعود في صفقة قرن مع الصهاينة والأمريكان …هناك أكثر من دعوة وأكثر من داعٍ وبأكثر من أسلوب والمدعوُّ واحد.

إن الله الذي دعاه كثيرون هو أعلم بكيفيات الاستجابة ومواقيتها ومقاديرها فلا يجوز أن نقبل منه أمرا أو نرفض أمرا.
قد لا نكون معنيين بتقييم شخصية جمال خاشقجي ونحن نعلم أنه لم يكن ضمن مدار معارض لحكام المملكة إنما كان ضمن دائرة الحكم ولم يكن الاختلاف معهم اختلافا جوهريا إلا ما تكلم به في قضية القدس حين اعتبر أن التفريط في القدس لا يختلف عن التفريط في الكعبة وهو موقف ليس هينا في ظل صفقة القرن وانخراط محمد بن سلمان في ما يُعتبرُ مؤامرة على الأمة كلها بإعلانه التحالف مع الكيان الصهيوني وضغطه على الفلسطينيين لقبول التسويات المائلة.

ما يعنيني كمهتم بشان الأمة وكواحد من الذين دعوا الله أن يرفع عن الأمة مؤامرة آل سلمان هو ما أجده من نتائج ايجابية لمقتل الكاتب جمال الخاشقجي حيث ارتخت قبضة بن سلمان ولي العهد وأصبح في متناول كل أحرار العالم بسبب بشاعة الجريمة …جريمة لم يجد حتى الجلف ترامب جرأة على تبريرها أمام ضغط دول اوروبية والكونغرس والراي العام الدولي.

لا يمكن لعاقل أن يهدر هذه الهبة الإلهية المتأتية من جريمة قتل خاشقجي ليشغل نفسه بالبحث في هوية القتيل السياسية والايديولوجية إن كان وهابيا أو إخوانيا أو داعشيا.

ما يعنيني أن دماء جمال خاشقجي تحولت إلى زيتٍ لسراج الحقيقة والحرية حيث انقشعت طبقات من الغيوم وأعمدة من دخان وانكشفت للمترددين والمشككين حقيقة من يحكم المملكة وبشاعة جرائمه وفساد حكمه وحجم خياناته للأمة في ثرواتها ومقدساتها وكرامتها.

لو خيضت حرب مباشرة ضد حكام المملكة فمات فيها عشرات الآلاف من المقاتلين والمدنيين ولو كتب كتاب وشعراء وساسة عشرات الكتب ما كان ليتحقق كل هذا الذي تحقق بفضل دماء الكاتب جمال خاشقجي.

سيكون من العبث ومن عدم الحكمة الانشغال عن بركات دم الخاشقحي بتقليب هويات الرجل السياسية والفكرية والمذهبية فتضيع نقاط الضوء فيه ومواقفه الايجابية التي يلتقي فيها معه طلاب الحرية ودعاة الإصلاح وناصرو القدس وفلسطين.

إن الأزمات تبدأ دائما غامضة ومعقدة ثم كلما احتدت اتخذت لنفسها مسارب واضحة وفجرت مخارج تتنفس منها وتتجه نحو ولادة واقع جديد يتشكل غالبا من العوامل الأكثر تأثيرا ومن عوامل أخرى متأثرة أو منصهرة أو مهزومة.

إننا بصدد فرص ثمينة للخروج من بركة الدماء التي نغرق فيها منذ حوالي ثمانية أعوام وإن فرصا تتوفر الآن للسياسيين وصناع الرأي كي يتجهوا نحو صياغة رؤية تستعيد بها الأمة قرارها وتتعافى من وهنها وتنتبه إلى حجم المؤامرة التي تحاك ضدها وتدار بأبنائها وعلى أبنائها في آن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد