اختيار المحررينسياسةغير مصنف

خمس أسئلة تكشف زيف وتظليل الرواية السعوديّة بشأن إغتيال خاشقجي

 

بعد أسبوعين ونصف على إختفائه  إثر دخوله مبنى قنصلية بلاده بالعاصمة التركيّة اسطنبول لا يزال الكاتب الصحفي والمعارض السعودي جمال خاشقجي يمثّل كابوسا مرعبا لسلطات الرياض ولولي العهد محمد بن سلمان حتّى بعد إعتراف السعوديّة بشكل رسمي بـ”وفاة” خاشقجي داخل قنصليتها إثر ما قالت أنه “شجار إنحرف بشكل سلبي” بينه وبين سعودي آخر قدم خصّيصا للقاءه داخل مبنى القنصليّة.

 

رواية سعوديّة تحمل في طياتها إعترافا صريحا بمقتل خاشقجي ولكنّها لا تخفي رغم المحاولة اليائسة رغبة جامحة في الدفع بأكثر من كبش فداء من أجل إبعاد التهمة عن ولي العهد محمد بن سلمان غير الرياح جرت بما لا تشتهي السفن فالرواية الصادرة في وقت متأخر من ليلة الجمعة تلقى تكذيبا واسعا حتّى من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أبرز حليف لسلطات الرياض، الذي تراجع عن موقفه الأوّل المنحاز للرواية وبات موقفه مشكّكا في مصداقيتها.

 

التحوّل السريع والمفاجئ في موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الرواية السعوديّة كان نتيجة للعزلة داخل الولايات المتحدة الأمريكية وحتى في الرأي العام الدولي التي تعرّض لها موقفه المتحمّس للرواية بعد ساعات قليلة عن صدورها، تحوّل لم يمنع الصحف والسياسيين والحقوقيين من العودة إلى النقطة الصفر ومطالبة سلطات الرياض برواية أكثر عقلانية ويمكن تصديقها أمّا آخرون فقد سخروا من الرواية.

 

بعيدا عن المواقف الصادرة تباعا الساخرة من الرواية السعوديّة التي إعترفت بقتل جمال خاشقجي يوجد خمس أسئلة محرجة لسلطات الرياض تكشف في كذب الرواية ومحاولة أصحابها التستّر على القتلة عبر تزوير الحقيقة.

 

 

لماذا كذبت سابقا؟

في تاريخ 6 أكتوبر الجاري وبعد أربعة أيام فقط من إذاعة خبر إختفاء خاشقجي أطلّ القنصل السعودي بإسطنبول عبر وكالة رويترز الدولية للأنباء ليتحدّث عن عدم وجود جمال خاشقجي داخل المبنى وعن عدم معرفته بمصيره، تصريح لم يكن تصريح ولي العهد محمد بن سلمان بعده بيومين في الثامن من أكتوبر بعيدا عنه غير أن ولي العهد أضاف بلهجمة الواثق أن خاشقجي قد غادر القنصلية بعد 20 دقيقة من دخولها.

 

بعد 18 يوما من إختفاءه وإصرار سلطات الرياض على مغادرته لقنصلية بلاده، كذّبت المملكة السعوديّة نفسها ببلاغ صادر عن النائب العام يعترف بمقتل خاشقجي داخل مبنى القنصليّة مؤكّدا أن ما حدث لا يتجاوز كونه شجارا إنحرف إلى مآلات سلبية وإنتهى بمقتل خاشقجي.

 

لم تجب السلطات السعوديّة عن أسباب التظليل والكذب الذي مارسته طيلة أسبوعين رغم التأكيدات والإثباتات بصور كاميرات المراقبة على عدم خروج جمال خاشقجي من مبنى القنصلية وقد لا تجيب عن سؤال يتعلّق بأسباب الكذب ولكن ذلك في حدّ ذاته يجعل الرواية الجديدة صعبة التصديق بعد أن أثبتت أنها كذبت على كلّ العالم.

 

 

ماذا كان يفعل طبيب شرعي ضمن “مجموعة القتلة”؟

 

بعد أيام قليلة على قتله داخل قنصلية بلاده بالعاصمة إسطنبول كشفت السلطات التركيّة عن هويات 15 سعوديّا متّهمين بإقتراف جريمة إغتيال جمال خاشقجي بينهم مدير الطب الشرعي بالأمن العام السعودي صلاح الطبيقي المتّهم حسب روايات متطابقة بتقطيع جثّة الصحفي والمعارض السعودي خاشقجي.

 

في الوقت الذي توجّه فيه جهات التحقيقات التركيّة أصابع الإتهام للطبيقي وبعد صمت مطوّل إعترفت سلطات الرياض بتعرّض جمال خاشقجي للقتل داخل مبنى القنصلية وأصدرت رواية تؤكّد أن السبب يتعلّق بشجار بالأيدي داخل مبنى القنصليّة.

 

قالت الرواية السعوديّة أن هناك أوامر دائمة بإستجلاب المعارضين من المخارج ولكنها لم تقدّم تفسيرا لأسباب إيفاد سلطات البلاد طبيبا شرعيا لإعادة خاشقجي إلى وطنه الذي يطرده منذ أشهر ويصفه بأبشع النعوت.

 

 

لماذا تناقضت تفاصيل الرواية السعوديّة؟

بعد أيام من التضليل والكذب، إعترفت السعوديّة بمقتل جمال خاشقجي داخل قنصليتها بإسطنبول غير أن السخرية ونقاط الإستفهام الكثيرة التي وضعتها محلّ تشكيك لم تتعلّق فحسب بمضامين الرواية بل وتجاوزتها إلى التناقض الواضح في بعض المعطيات المحيطة بها لحظة اصدارها.

 

أولى التناقضات كانت خبرا نقلته قناة “العربيّة” عن وكالة رويترز التي حصلت عنه من مصدر داخل العائلة المالكة السعوديّة تحدّث عن إختيار “الطبيقي” لتنفيذ عملية الإغتيال لأنه عمل مع خاشقجي سابقا في لندن.

 

أمّا ثاني التناقضات فقد كشفتها تغريدات لعدد من الموقوفين السعوديين وعلى رأسهم المستشار في الديوان الملكي برتبة وزير، سعود القحطاني الذي شدّد سابقا على أنّه لا يتحرّك بدون أوامر ولي العهد محمد بن سلمان.

 

تناقضان بارزان إلى جانب تناقضات أخرى كثيرة تحيل على إرتباك واضح داخل السلطات السعوديّة بشأن الرواية التي يبدو أن سلطات البلاد لم تقم بحبكها بشكل جيّد لا يجعل من الموقوفين أكباش فداء ويجعل منها قابلة للتصديق.

 

 

أين الجثّة؟

إذا تركنا جانبا كلّ التساؤلات بشأن مضامين الرواية السعوديّة التي إعترفت بشكل علني بقتل جمال خاشقجي داخل مبنى قتصلية بلاده بالعاصمة التركيّة إسطنبول فإنّ السؤال اليوم قد تحوّل من البحث عن مصير خاشقجي إلى البحث عن مصير ومكان تواجد جثّته أو ما تبقّى منها على الأقل.

 

رغم أن السلطات السعوديّة لم تتحدّث عن شيء في هذا الخصوص في روايتها الأخيرة إلاّ أن السائق الخاص للقنصل السعودي بإسطنبول قد أفاد لدى الإستماع إليه من قبل جهات التحقيق التركيّة أن الجثّة قد تمّ تسليمها إلى “متعاون محلّي” للتخلّص منها.

 

في ظلّ تواصل عدم معرفة مكان تواجد الجثّة وفي ظلّ السخرية والتكذيب الواسع للرواية السعوديّة سيبقى العثور على جثّة جمال خاشقجي وحده ما سيؤكّد سبب الوفاة الرسمي.

 

من سيصدّق الرواية؟

يبدو أنّ الرواية السعوديّة بشأن مقتل الصحفي والمعارض جمال خاشقجي لم تكن موجّهة إلى الرأي العام الدولي الذي ينتظر بفارغ الصبر إنتهاء التحقيقات التركيّة في أجل قريب بقدر ما كانت موجّهة للداخل السعودي.

 

لم تحمل الرواية السعوديّة لمقتل خاشقجي أي إجابة عن الأسئلة الكثيرة والمثيرة التي تطرح حول العالم بشأن القضيّة بل إكتفت باعتراف منقوص ما يؤكّد أن سلطات الرياض تدرك أكثر من غيرها أن روايتها غير قابلة للتصديق وهو ما حدث فعلا.

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.