ثقافةغير مصنف

كتاب “فن الحب”: الحب العصابي

نواصل قراءتنا في كتاب "فن الحب"

This post has already been read 27 times!

 

ليست كل أشكال الحب التي يعشيها الأفراد سليمة وخالية من العقد النفسية، بل إن أغلبها يصارع مشاكل تبلورت أثناء سن الطفولة والمراهقة، وتكون هذه المشاكل على ارتباط وثيق بمعاملة الأباء والأمهات لأطفالهم.

 

وكثيرا ما تطرق علم النفس التحليلي إلى ماتخلفه ترسبات الطفولة في شخصية الإنسان ولاسيما في علاقاته العاطفية.

 

في هذا السياق يعرض الفليسوف وعالم النفس “ايريك فروم” في كتابه  “فن الحب” أشكالا مرضية للحب قد تتخذذ أحيانا صورة جماعية، وهو ماتطرقنا إليه في المقال السابق “الحب في زمن الرأسمالية” وأشكالا فردية تقع تحت مسمّى الحب العصابي سنعرضها في هذا المقال.

الحب العصابي

وفق “ايريك فروم” يتمثّل الحب العصابي في تعلق أحد الحبيبين أو كليهما بشخص الأب أو الأم، فتتحول المشاعر والتوقعات والمخاوف التي سبق وتملكت الفرد تجاه والديه إلى شخص المحبوب، بمعنى أن الأشخاص الذين يعيشون الحب العصابي لم يخرجوا اطلاقا من أنموذج التعلق الطفولي، فيبحثون عن مشابه له في العلاقات العاطفية.

الأم والحب العصابي

في الحب العصابي الذي يعيشه الرجال يبدو مفهوم الأم حاضرا بكثافة، ذلك أن العصابيين يشعرون أنهم أطفال دائما.

ولأن  الطفل يريد حماية الأم وحبها ورعايتها واعجابها، يطلب هذا النوع من الرجال حب الأم المطلق من الشريك أيضاً، وهو حب بالنسبة إليهم يعطى  لسبب واحد وهو أنهم يحتاجون إليه.

ومثل هؤلاء الرجال غالبا ما يكونون عاطفيين وساحرين أثناء محاولاتهم الإيقاع بإمرأة لتحبهم، إلا أنهم بعد أن ينجحوا في ذلك، تكون علاقتهم بالمرأة طفولية وغير مسئوولة.

 

 

في هذا النوع من الحب يكون هدف الرجل أن يُحبّ لا أن يُحَب، فتكون شخصيته على قدر كبير من العبث، كما تتملكه أفكار العظمة.

وإذا ما وجد المرأة المناسبة، يشعر أنه على قمة العالم، فيظهر قدرا كبيرا من المحبة والعاطفة الجياشة، إلا أنها عاطفة معتمدة على ماتقدمه الشريكة.

فعندما لا تستمر المرأة في العيش وفق توقعاته الخيالية المشطة، يظهر الصراع والاستياء والتذمر. فإذا نقص مستوى إعجاب المرأة به، وإذا ما أبدت مطالبها الخاصة وعبرت عن وجود “أنا” لها مقابلة “لأناه”، أو إن طلبت أن يحبها ويقدم لها بنفس القدر واشتكت من عاداته السيئة كعلاقات مع النساء الأخريات، فإن الرجل في هذه الحالة يشعر بأنه قد أوذي اذى عميقا ويشعر بخيبة أمل، ويفسر بطريقة عقلانية لنفسه أن شريكته لا تحبه، وأنها أنانية، أو ذات نزعة مهيمنة، فالنسبة إليه أي نقص في تعبير خارج إطار نموذج الأم المحبة تجاه طفل ساحر مثله هو دليل عل نقص الحب.

 

 

يقول ايريك فروم “هؤلاء الرجال يخلطون عادة سلوكهم العاطفي الصبياني ورغبتهم في الابتهاج بالحب الأصيل ومن ثم يتوصلون إلى نتيجة أنهم عوملوا بطريقة غير عادلة، فيتصورون أنهم المحبّون العظام الذي يعانون بمرارة من تنكر شريكهم في الحب”.

التعلق المرضي بصورة الأم من أكثر الأشكال المرضية خطورة، ولا نقصد بهذا التعلق معنى الرغبة الرمزية في الأم، كالعودة إلى ذراعيها الدافئتين، بل  ان هذا الحب المرضي يكمن في العودة إلى رحمها المتلقي الشامل والمدمر.

فعالم النفس يرى أنه إذا كانت طبيعة الصحة العقلية هي في النمو من الرحم الى العالم، فان طبيعة المرض العقلي الشديد يكمن في الانجذاب الى الرحم، أي الدخول فيه من جديد، وهذا ما يعني الانسحاب من الحياة،

هذا النوع من التعلق يحدث عادة في علاقة بالأمهات اللاتي يربطن أنفسهن بأطفالهن باسم الحب، بطريقة ملتهمة ومدمرة فحتى لو كبر الطفل يشعر بأنه لا يكون قادرا على التنفس إلا من خلاله أمه،ولا يكون قادرا على أن يكون حرا ومستقلا، فيصبح مكبّل الأيدي، وفي حاجة ماسة إلى حب من إمرأة شبيه بحب والدته المرضي.

 

 

هذا هو الجانب  السلبي لتمثل البعض لشخصية الأم، فالأم مثلما تستطيع أن تعطي الحياة، تقدر أن تأخذها، فتكون الشخص الذي يحيي ويميت. ويشبّه الكاتب هذا النموذج للأم بـ”كالي الربة الهندوكية” التي يتلاقى فيها هاذان الجانبان معا.

الحب العصابي والأب

يعرض “ايريك فروم” شكلا آخر للحب العصابي في حالات يكون فيها التعلق الرئيسي بالأب، وينوّه إلى أن الحالة التي من هذا النوع تتكون عندما تكون الأم باردة وبعيدة عن أطفالها، فيحّل الأب محلها ويكون حاضرا بكثافة في حياة أبنائه فيركّز كل طاقته واهتمامه على الإبن.

وتتمثل سمات هذا الأب في الطيبة والتسلط في نفس الوقت، عندما يُسعد بسلوك ابنه يكون ودودا معه ويمتدحه ويعطيه الهدايا، ولكن عندما يغضب منه ينقلب  عليه ويوبخه بشدة، فيحدث ارباكًا حول صورته في ذهن طفله، فتكون شخصية إبنه متعلقة به بشكل متوتر وخانع.

 

 

 

ويدور هدف هذا الطفل أثناء طفولته ومراهقته حول التحصّل على محبة أبيه، وهي المحبة الوحيدة التي تقدم له الشعور بالسعادة والأمان والرضاء، وعندما ينجح في تحقيق رضاه يشعر بفرح شديد، أما عندما يرتكب غلطة أو يفشل في إرضائه فيشعر بأنه منكمش ومنبوذ وغير محبوب.

عندما يكبر هذا طفل ويصبح رجلا فإنه سيحاول العثور على شخص يتعلق به هو نفسه بطريقة مماثلة، أي أنه سيحاول لعب دور الأب والطرف الآخر دور الإبن، فتغدو حياته كلها سلسلة من التقليدات إذ أنه سيحاول الحصول على ثناء الأب الذي قدمه لوالده في يوما، ويكون هؤلاء الرجال في الأغلب ناجحين في أعمالهم ورسالاتهم الاجتماعية، ومتحمسين ونشطين، فيمكن الاعتماد عليهم والثقة فيهم.

 

 

 

ولكن المشكل يكمن في علاقاتهم مع النساء لأنهم يظلون مبتعدين ومنعزلين عن الأنثى.

فالمرأة ليس لها أي دلالة محورية بالنسبة إليهم، بل في الغالب يكنون لها مشاعر الاحتقار والتقزيم، وعادة ما يكون هذا الاحتقار مقنّعا باهتمام أبوي ببنت صغيرة،

فقد تنشد اليهم المرأة التي ستقتحم عالمهم بصفاتهم العضلية والقوية لكنها سرعان ما تشعر بخيبة أمل عندما تكتشف أنه مقدر لها أن تلعب دورا ثانويا في حياة هذا الصنف من الرجال، مقارنة بمحبتهم للأب الذي تكون له السيادة في حياة الزوج في أي وقت.

الجفاء العاطفي بين الزوجين

في كتاب “فن الحب ” نجد أيضا نوعا آخر من الاضطراب العصابي في الحب والذي تفرزه علاقة بين والدين لا يحبان بعضهما ولكنهما حريصان على عدم الشجار أو إظهار علامات عدم الرضاء أمام الابناء. إلا ان هذا البرود و الجفاء يجعلانهما غير تلقائيين في علاقتها بأطفالهم ايضا.

ويؤثر هذا المناخ على الفتاة خصوصا، فتشعر أنها في  جو لا يسمح عل الاطلاق باتصال وثيق مع الأب أو الأم  فتظل متحيرة وخائفة وتشعر بارتباك عميق، اذ انها ليست متأكدة مما يشعر به الوالدان أو يفكران فيه، وتحاول التخمين دائما في ماهية العلاقة لأن عنصر المجهول يظل حاضرا دائما.

وكنتيجة لهذا تنسحب الفتاة إلى عالمها الخاص وإلى أحلام اليقظة، وتبقى منعزلة وتحافظ في لاشعورها على الموقف نفسه في علاقات حبها فيا بعد.

 

 

ويشير “اريك فروم” أنه يترتب على ذلك الانسحاب تطور لاحق لقلق شديد، وتضخم في الشعور بهشاشة العالم، بذل صلابته.

وغالبا ماتفضل مثل هؤلاء الفتيات عند الكبر أن يكون لهن زوج يسخط ويغضب على أن يكون لهن زوج يحتفظ بسلوكه العادي والمعقول. وقد يفضي بها ذلك إلى اتجاهات سلوكية مازوشية باعتبارها الطريق الوحيد لممارسة الاثارة الشديدة. أي أنهن يسعين لاشعوريا الى مثل هذا السلوك للهروب من حالة الغموض المرافق للحيادية العاطفية والأشكال المتكررة الأخرى للحب اللاعقلاني الذي شهدنه أثناء الصغر.

 

الحب العصابي سواءًَ كان مرتكزا على شخصية الأم أو الأب يفرز، في تقاطع مع عدة متغيرات أخرى، شخصا مضطربََا في علاقاته العاطفية. فما ينقله الأباء للأبناء يحدد نموذج الحب الذي سيتبناه الفرد في فترات مختلفة من الحياة. والمعقد  في الأمر أن الفرد الذي يعاني من نمط حب عصابي أو يتعامل مع شريك من هذا النوع سيصعب عليه إيجاد حلول نفسية دون العودة إلى الماضي ونبشه قصد التعرف على اصل المشكل من الأساس.   

 

*مراجع

كتاب فن الحب -ايريك فروم

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.