مدوناتسياسة

جمال خاشقجي هو من “إغتال” محمد بن سلمان

بقلم: توفيق الخالدي

 

رغم أن إيطاليا إعتبرت ذلك نصرا “تاريخيّا” في الوقت الذي حزنت فيه ليبيا كثيرا لإعدام أسد الصحراء عمر المختار، إلاّ أن التاريخ حاكم ولا يزال القائد الإيطالي غراتسياني وإنتصر إلى المختار، كان ذلك قبل ثورة التكنولوجيا التي جعلت من العالم قرية صغيرة وجعلت الخبر والمعلومة تنتقل بسرعة الضوء حيث بات من الصعب إخفاء الحقيقة أو كتابة التاريخ وفق رؤية وإرادة المنتصر ببساطة.

 

نحو ثلاثة أسابيع على إختفاء الكاتب الصحفي والمعارض السعودي جمال خاشقجي بعد دخوله لمبنى قنصلية بلاده بالعاصمة التركية إسطنبول لا حقيقة ثابتة بقدر وضوح وقوف سلطات الرياض وولي العهد السعودي محمد بن سلمان وراء إختفاء خاشقجي إلى الأبد في واحدة من أبشع الجرائم التي خلّفت أزمة خانقة على السعوديّة أوقعت فيها نفسها بـ”غباء شديد”.

 

مقاطعة دولية لسلطات الرياض

“سنطلع العالم على الحقائق التي سنتوصل إليها بعد إنتهاء التحقيقات” هكذا قال وزير الخارجيّة التركي الذي أصبحت كل أنظار العالم تتجه نحو بلاده هذه الأيام في متابعة حينية لكل تفاصيل التحقيقات التركيّة التي وافقت سلطات الرياض على إيفاد فريق للمشاركة فيها بشأن قضيّة جمال خاشقجي.

 

رغم الصمت السعودي في الأيام الأولى ورغم محاولات تحويل وجهة النقاش نحو أسئلة هامشيّة وتافهة لا علاقة لها بقضيّة إختفاء خاشقجي بعد دخوله قنصلية بلاده بإسطنبول إلاّ أنّ سلطات الرياض بدأت تشعر بخناق شديد يزداد كل يوم مع تزايد أشكال المقاطعة من الإعلامية إلى السياسية والإقتصاديّة.

 

منظمات حقوقيّة دولية طالبت السلطات الرسمية التركية بتدويل قضيّة إختفاء خاشقجي وفتح تحقيق أممي في الوقت الذي بدأت سلطات لندن تتحدّث عن لائحة عقوبات ضد سلطات الرياض فيما يطالب مشرّعون أمريكيون بمراجعة العلاقات مع السعوديّة وسط تتالي الإنسحابات الكبيرة والموجعة من مؤتمر “دافوس الصحراء” الإقتصادي الذي تنوي سلطات الرياض تنظيمه.

 

تطوّرات الساعات الأخيرة

بعد ثلاثة أيام من التحقيقات التركيّة السعوديّة التي شدّت أنظار كلّ العالم بدأت تطفو على سطح الأحداث تحرّكات ومواقف جديدة ضدّ سلطات الرياض بعد إنتهاء جولة وزير الخارجية الأمريكي بومبيو التي حملته إلى الرياض وإسطنبول في محاولة للتأكيد على ضرورة كشف الحقيقة كاملة بشأن مصير خاشقجي.

 

مباشرة إثر عودة بومبيو أطلّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في لقاء مع نيويورك تايمز ليقول أنه “يبدو أنه من المؤكّد أن خاشقجي قد مات وهذا محزن جدّا” وأضاف في تعليق على الحادثة “يتعين أن تكون العواقب بالغة الشدة. أعني، هذا شيء سيء، لكن سنرى ما سيحدث”.

 

تصريحات ترمب تأتي بعد حديث وزير خارجيّته عن منحه مهلة بـ72 ساعة لسلطات الرياض لإطلاع العالم على نتائج التحقيقات بشأن إختفاء جمال خاشقجي الذي هزت قضيّته الرأي العام الدولي.

 

الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون من جانبه قال في تصريحات صحفيّة أن بلاده قد أوقفت الزيارات السياسية للرياض بالتنسيق مع ألمانيا وبريطانيا بسبب تداعيات وتطوّرات التحقيقات وبعض التسريبات الأخيرة بشأن إختفاء خاشقجي في إنتظار النتائج النهائية للتحقيقات.

 

الساعات الأخيرة لمحمد بن سلمان:

التطوّرات الأخيرة وتداعيات إختفاء خاشقجي بدأت تلقي بظلالها أيضا على العائلة الماكة في السعوديّة بعد أن ظلّت طيلة أسبوع تجلب إنتباه العالم وصت صمت سلطات الرياض التي حاولت نفي علمها أو إشرافها على تنفيذ الجريمة.

 

تطوّر على غاية من أهميّة في الساعات الأخيرة بالتزامن مع سعي سلطات الرياض للوصول إلى”ترتيبات” مع السلطات التركية والأمريكية لتقديم كبش فداء في محاولة لإنقاذ ولي العهد محمد بن سلمان، تطوّر كشفته صحيفة لوفيغارو الفرنسيّة التي أكّدت أن هيئة البيعة السعوديّة قد إجتمعت لأوّل مرّة منذ أشهر لبحث موضوع وليّ لوليّ العهد الحالي محمد بن سلمان.

 

في السياق نفسه نقلت وكالة رويترز عن مصدر من العائلة المالكة السعوديّة أن الملك سلمان بن عبد العزيز بدأ بتقييم صلاحيات نجله ولي العهد على خلفيّة التحقيقات الأخيرة والإتهامات المتتالية له بالإشراف على عملية إختفاء خاشقجي.

 

 

من قتل من؟

طيلة نحو سنتين حاول ولي العهد السعودي إستثمار مليارات الدولارات التي غادرت خزينة الرياض للترويج لصورة جديدة لبلاده “المنفتحة”، صورة تتناقض مع ما يحدث في الداخل من حملات لإخراس كل الأصوات المعارضة له من رجال أعمال وإعلام ورجال دين بسبب إنتقاداتهم له أو لأسباب أخرى لا يعلمها غير بن سلمان نفسه.

 

بات من الأكيد أن جمال خاشقجي المختفي منذ تاريخ 2 أكتوبر الجاري قد تعرّض لعمليّة إغتيال بشعة في إنتظار كشف التحقيقات عن تفاصيلها وعن مكان وجود الجثة أو ما تبقّى منها، مصير هو نفسه أو لعلّه أكثر قسوة وحدّة الذي لقيه ولي العهد محمد بن سلمان الذي سقطت كلّ مشاريعه وأحلامه في الماء بسبب ما تعرّض له خاشقجي.

 

لا يوجد مهرب لولي العهد السعودي بعد توجيه أصابع الإتهام نحوه بشكل مباشر في الأيام الأخيرة بالتخطيط والإشراف على تغييب جمال خاشقجي إلى الأبد في ظلّ معرفة كل العالم بأن لا شيء يحصل في السعوديّة دون علم ولي عهدها الذي بدأت بعض الأصوات بوصفه بأبشع النعوت على إثر حملات الإيقافات التي يشنها في الداخل بالإضافة إلى قضيّة خاشقجي.

 

يبدو واضحا أن خاشقجي رغم مصيره المؤسف قد أنهى مسيرة ولي عهد همجي ومارق دون علم ولا تخطيط مسبق منه.

 

الوسوم

توفيق الخالدي

محرر أول في فريق تحرير مجلة ميم، مختص في القضايا السياسية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.