اختيار المحررينثقافةغير مصنف

روزا بونور: من المسالخ الفرنسيّة إلى أعظم فنّانات القرن التاسع عشر‎

مهدي الغانمي-مجلة ميم

 

      

في منتصف القرن التاسع عشر، برز حركة مهمّة في تاريخ الفنّ التشكيلي، سمّاها روّادها “الواقعيّة”، نشأت في فرنسا (تحديدًا عقب ثورة 1848)، وعرفت ازدهارًا كبيرًا خلال خمسينيّات التاسع عشر وستّينيّاته.

 

تميّزت هذه الحركة الفنّية باهتمامها الشديد بمواضيع الحياة اليوميّة للطبقات الوسطى والعاملة على وجه الخصوص، واعتبرتها مادّة جديرة بأن تكون محور الأعمال الفنّية وموضوعها الرئيس، وذلك بتجسيد تفاصيل الحياة اليوميّة كما هي، دون تجميل أو تزييف.

 

ولهذه الحركة دوافعها الوجيهة آنذاك، باعتبارها كانت ثورة على التيّار الرومانسي الّذي عرف أوج توهّجه بين نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وقد طبع فنّانو التيّار الرومنسي أعمالهم بشحنة عاطفيّة كبيرة، حيث كانوا لا يرسمون الواقع كما هو بل يجمّلونه، وفي أغلب أعمالهم يركّزون على رسم الشخصيّات الأسطوريّة أو مناظر طبيعيّة خلّابة، يبحثون عن الجمال ويرسمونه. وهذا ما رفضه فنّانو التيّار الواقعي رفضًا تامًّا، لاعتبارهم أنّ الفنّ يجب أن يكون ملتصقًا بالواقع كي يكتسب قيمته وجدواه.

وقد برز عدّة فنّانين تزعّموا هذه الحركة أبرزهم غوستاف كوربيه (Gustave Courbet) وجان فرانسوا ميليه (Jean-François Millet) وأونوريه دومييه (Honoré Daumier)، إلخ…

وفي خضمّ هذا الحراك الفنّي الهامّ، ظهرت فنّانة استثنائيّة، حوّلت الفنّ النسوي من مجرّد هواية تمارسها النساء في منازلهنّ إلى مهنة احترفتها وحصدت من خلالها ثروة طائلة وأوسمة ومجدًا فنّيًا كبيرا. كما أنّها ساهمت في إثراء الحركة الواقعيّة في الفنّ، من خلال تركيزها على رسم الحيوانات والحياة الفلاحيّة الريفيّة بأسلوب واقعيٍّ مخصوص، تداخل فيه الثقافيّ والعلميّ والفنّي لينتج أهمّ الأعمال الفنّية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

 

 

وُلِدت ماري روزا بونور، اُشتُهِرت باسم روزا في عام 1822 بمدينة بوردو الفرنسيّة في بيئة فنّية، حيث كانت والدتها صوفي ماركيز موسيقيّة ورسّامة فيما كان والدها رايموند أوسكار بونور مدرّسًا لمادّة الرسم ومناضلًا في حركة سان سيمون، الّتي آمنت بمجموعة من الأفكار الثوريّة الّتي تمجّد العمل والمساواة التامّة بين المواطنين ودور المرأة في بناء المجتمع. وهو ما جعله يقوم بتربية روزا على هذه المبادئ التنويريّة، ويدفعها للتحصيل العلمي ودراسة الفنون على وجه الخصوص.

لكنّ نتيجة التزاماته سافر ربّ الأسرة إلى باريس، ثمّ هجر عائلته لينشغل بالنضال السياسي صلب هذه الحركة التنويريّة، وهو ما ساهم في تدهور وضعيّة الأسرة وتعرّضها إلى صعوبات كثيرة، وصلت إلى أوجها مع وفاة والدة روزا بونور في عام 1833.

 

 

لكنّ لحسن حظّ روزا، قامت جارتهم، السيّدة ميكاس، بتربيتها واحتضانها، لأنّها كانت صديقة مقرّبة لأمّها، وكانت ابنتها ناتالي صديقة حميمة لروزا، وظلّت هذه الصداقة وطيدة حتّى وفاتها.

عندما بلغت روزا الرابعة عشر من عمرها، أصبحت تتدرّب على رسم نسخ من اللوحات الخالدة الموجودة في متحف اللوفر آنذاك لرسّامين كبار مثل باولوس بوتر (Paulus Potter) ولويس ليوبولد روبرت (Louis Léopold Robert) ونيكولا بوسان (Nicolas Poussin)، إلخ….

 

 

كما خاضت تدريبًا مع أكبر رسّامي البورتريه الفرنسيّين ليون كونييه (Léon Cogniet)، ثمّ شقّت طريقها الخاصّ فيما بعد، وأظهرت أسلوبها الواقعيّ في الرسم، بأن جعلت الحيوانات موضوعها الأثير في رسوماتها، وذلك لأنّها  درست تشريح الحيوانات وعلم العظام في المعهد الوطني للطب البيطري في باريس، وهو ما جعلها تزور المسالخ ومزارع الخيول بصفة دوريّة، ممّا ساهم في أن تنجذب لرسم الحيوانات ومظاهر الطبيعة الريفيّة بأسلوب واقعيٍّ ساهم في تمايزه موضوع اللوحات الفريد من نوعه في تلك الفترة إضافة إلى تمكنّها من التفاصيل الدقيقة لأجسام الحيوانات بفضل اختصاصها العلميّ وعملها كمشرفة في المسالخ ومزارع الخيل.

 

The Highland Shepherd, 1859 (oil on canvas); by Bonheur, Rosa (1822-99)

 

بدأت شهرة روزا بونور في الاتّساع، وهو ما وفّر لها دخلًا ماديًّا محترمًا من خلال عائدات بيع لوحاتها ووفّر لها استقلاليّة من الصعب أن تحقّقها امرأة في ذلك العصر، دعّمتها قوّة شخصيّتها وجرأة مواقفها، حيث طلبت من الحكومة الفرنسيّة أن توافق على طلبها بارتداء سروال وحذاء رجاليّين وقصّ شعرها كي لا تجد صعوبات في التعامل مع الرجال في المسالخ والضيعات الفلاحيّة وتفرض هيبتها.

 

لوحة La foire du cheval (1852-1855)

 

 

عرفت روزا بونور خلال أربعينيّات القرن التاسع عشر أوج توهّجها، فرسمت عمليْن بارزيْن وسمَا مسيرتها الفنّية الطويلة بالتميّز وفتحا لها أبواب الثراء والمجد الفنّي على مصراعيهما، وهُما: “Labourage nivernais” (1849) و” Le Marché aux chevaux” (1852-1855)، فحصدت اللوحة الأولى الميداليّة الذهبيّة في معرض باريس العالمي، فيما تمّ شراء لوحتها الثانية من قبل معرض متخصّص في الفنّ الفرنسي في لندن، ثمّ اشتراها أحد الأثرياء وتبرّع بها عرض “ميتروبوليتان” الشهير في مدينة نيويورك، وهو ما أدّى إلى شهرة روزا عالميًّا، لا في دائرة الفنّانين فحسب، بل في أوساط الملوك والنبلاء الأوروبيّين الّذي فُتِنوا بأعمال روزا، وسعوا إلى شراء نسخ منها، كما قاموا باستدعاء الفنّانة الفرنسيّة لتكريمها في أكثر من مناسبة، وعلى رأس هؤلاء: الملكة فيكتوريا والامبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث.

 

بعض من أعمال روزا بونور، في قصر باي (By)

 

ساهم انتشار أعمالها الفنّية في تزعّمها لحركة الفنّ الواقعي في فرنسا، وفي حصولها على ثروة كبيرة مكّنتها من شراء قصر By (تحوّل إلى متحف فنّي بعد موتها) قرب منطقة Fontainebleu الغابيّة، وقامت بدعوة السيّدة ميكاس الّتي ربّتها وابنتها ناتالي للعيش معها، وتفرّغت للرسم والعمل الجادّ على إتمام مشروعها في رسم الحيوانات ومظاهر الحياة الفلاحيّة، بالإضافة إلى إقامتها للتظاهرات الفنّية الكبرى في قصرها.

 

بعض السيّاح أثناء زيارة ورشة عمل روزا بونور في قصر باي

 

 

وقد عرفت فترة حياتها الأخيرة إنتاجًا فنّيًا غزيرًا، ليصبح قصرها متحفًا فنّيًا ضخمًا، صار بعد وفاتها، حسب وصيّتها، مزارًا لعشّاق الفنّ التشكيلي ومدرسة باسمها لتعليم الفنون للنساء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.