فيديومجتمع

ريبورتاج: إتلاف أطنان من البطاطا والبصل بجندوبة.. متى ينتهي هذا العبث؟

بلا أسواق للترويج أو مساعدة على التخزين، تتلف محاصيل زراعية سنويا.. ثم تضطر الدولة للإستيراد

 

 

أطنان من مادتي البطاطا والبصل ملقاة على قارعة الطريق، روائح كريهة تنبعث من الأراضي الفلاحية التي تحولت إلى مصب للنفايات، فلاحون يتجولون بين أكداس من البطاطا والبصل التي تم اتلافها بعد  أن فسدت وتعفنت، خسائر مادية تكبدها فلاحة جندوبة قدرت بالمليارات، هذا هو الحال في المنطقة السقوية بمنطقة سوق السبت من ولاية جندوبة في الشمال الغربي للبلاد التونسية.

 

 

 

 

في يوم مشرق اتجهنا نحو مدينة جندوبة بطلب  من الفلاحة حتى نغطي  الكارثة التي حلت بهم بعد تعفن أطنان من البطاطا الفصلية والبصل.. كان المنظر مؤلما في منطقة عرفت بخصوبتها، فأمست هكتارات منها قاحلة، هجرها أصحابها لتتحول إلى أراض بور لا حياة فيها.

 

 

 

 

سلكتُ رفقة الفلاح حسن العبيدي الذي رافقني إلى المنطقة السقوية بمنطقة سوق السبت، عدة مسالك فلاحية، كانت أكداس من البطاطا ملقاة هنا وهناك، وصابات البصل متناثرة على هكتارات من الحقول، لم يتم جمعها  إلى أن تلفت وظهرت براعمها تبحث عن مكان ما لتتنب وتزهر من جديد.

 

“ضاع شقاء عمري، تشتت أسرتي وضاع مستقبل أبناء”، بحرقة ولوعة حدثنا حسن العبيدي عن اتلاف محصوله من البصل الذي رعاه طيلة أشهر طويلة حتى ينضج ويصبح صالح للاستهلاك.

 

 

 

كان عم حسن وهو أربعيني أصيل منطقة سوق السبت، يتجول بين ثنايا حقله الذي بدا وكأنه هجر لسنوات، حيث انتشرت بقايا البصل في كل شبر منه، وباتت تنبعث منه روائح كريهة.. حدثني والحزن يعلو محياه “أمضيت عدة أسابيع وأنا أسقي وأرعى محصولي وأحلم بأن أغير وضع عائلتي بعد بيعه، لكن جميع أحلامي وجهدي تلاشى وغدا سرابا، وها أنا اليوم أتجول بين الحطام والدمار والسبب الدولة التونسية التي صدعت رؤسنا بالحديث عن مساعدة الفلاحة على ترويج منتوجاتهم”.

 

وتابع :” تكبدت خسائر جسيمة، ففي الخمس سنوات الأخير أتلف كل ما أنتجه سنويا من البطاطا والفلفل والطماطم ومواد أخرى، وخسائري المالية تفوق الملايين”.

 

 

بصوت عال وغضب عارم، يواصل حسن حديثة لمجلة “ميم” عن الكارثة التي حلت به رفقة 80% من الفلاحة في محافظة جندوبة، الذين “دمرت حياتهم وانهارت مرابحهم جراء عدم تمكنهم من ترويج منتوجاتهم، في ظل إقبال الدولة التونسية على استيراد مواد مختلفة من عدة دول أجنبية وبيعها في الأسواق المحلية بأبخس الأثمان”.

 

وعن انتاج ولاية جندوبة لمادة البطاطا أكد عمر الغزواني رئيس اتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بجندوبة، في تصريح لمجلة “ميم” أن الجهة جادت سنة 2017 بإنتاج وفير من البطاطا الفصلية قدر بأكثر من 15 ألف طن مزروعة في مساحة 750 هكتار، مشيرا إلى أن مساحة البصل قدرت بحوالي 450 هكتار.

 

عمر الغزواني: رئيس اتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بجندوبة

 

وأضاف عمر الغزواني:” عند دخول موسم ترويج البطاطا وكان الإنتاج جاهزا تفاجأنا بتدني الأسعار في السوق، مما اضطر الفلاح إلى تخزين منتوجاته  في انتظار الترفيع في سعر المواد حتى يتمكن من تغطية مصاريفه من يد عاملة ومبيدات وأدوية وتكاليف مياه ري وغيرها من المصاريف، ويحقق بعض الأرباح التي تحيي نشاطه الفلاحي السنوي”.

وتابع الغزواني :” بسبب غياب وحدات التبريد، يلجأ أغلب الفلاحة إلى تخزين المواد الفلاحية بطرق بدائية وتقليدية وهو ما يتسبب في إتلاف هذه المنتوجات وتكبد خسائر مالية تقدر بالمليارات”.

 

الله رزقني بالمحصول والدولة خذلتني وتسببت في خسارتي وتدميري

غياب الماء ومخازن التبريد… مشاكل بالجملة والفلاح يستغيث

غير بعيد عن حقل عم حسن العبيدي، كان الشاب الثلاثيني، محمد يتجول في حقله بمنطقة سوق السبت ويقلب أكداس من البطاطا التي كان يخزنها تحت قش التبن، بدا التعفن ظاهرا على حبات البطاطا المرصفة فوق بعضها، فقد تغير لونها إلى السواد وفقدت صلابتها.

 

يقول محمد كان وهو يمسك بمجرفة بيدين خشنتين بدا عليها التشقق، يقلب ما تلف من المحصول “أصبحت وبقية الفلاحين مهددين بالسجن بعدما غرقنا في معضلة التداين، واليوم اتلف المحصول بأكمله، فأين المفر ومن يجبر أضراري اليوم والجميع يتملص من المسؤولية ويتهرب من الاعتراف بمسؤوليته في ما حصل للفلاّحة؟”.

 

محمد: فلاح

 

 

“لم تساعدنا لا وزارة الفلاحة ولا غيرها من السلطات فحتى حقولنا عطشى.. الماء منقطع عن أراضينا منذ قرابة 11 يوما رغم تسديدنا لمعاليم مياه الري، فأين المفر وجيميع الأبواب موصدة أمامنا؟”.

وأضاف محمد: “رغم مطالبتنا في عديد المناسبات بتمكيننا  من دعم مادي يُمكن الفلاحين من إحداث مخازن تبريد في ضيعاتنا عوض التخزين التقليدي الذي أتلف جميع منتوجاتنا إلا أن مطالبنا ذهبت في مهب الريح ولم نجد إلا التسويف والمماطلة ووصلنا إلى هذا الوضع الكارثي الذي أجبر مئات الفلاحة على هجر القطاع والبحث عن مورد رزق آخر”.

ومن جهته قال عمر الغزواني رئيس اتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بجندوبة: “من المؤسف أن يتضرر الفلاح اليوم من فائض الإنتاج، فعادة ما يكون الضرر من النقص في الإنتاج..  إلا أن الحال تغير في تونس فالفلاح اليوم يتكبد خسائر كبيرة بسبب الفائض الذي لا تستوعبه وزارة الفلاحة أو التجارة، فيُتلف في الحقول والطرقات”.

 

الاستيراد فتك بمنتوجاتنا ودمر مستقبلنا

حال عم عبد الوهاب تيساوي لا يختلف عن بقية الفلاحين، صرح لمجلة ميم متحسرا فقال “ظفرت هذه السنة بمحصول ضخم من مادة البطاطا… الله رزقني بالمحصول والدولة خذلتني وتسببت في خسارتي وتدميري”.

 

عبد الوهاب تيساوي: فلاح

 

 

وتابع عبد الواهاب: “عدت لتوي من المحكمة الابتدائية بجندوبة بسبب الديون المتخلدة بذمتي، فبعد إتلاف محصول البطاطا لم أعد قادرا على تسديد الديون المتخلدة بذمتي وأنا مهدد بالسجن”.

وحمل محدثنا المسؤولية التامة لوزارة التجارة التي استوردت أطنانا من مواد البطاطا والبصل في الوقت الذي يغرق فيه الفلاح في اكوام البطاطا التي لا تعينه الدولة لا على بيعها وإيجاد أسواق لها ولا على تخزينها، فتتلف”..  وفي هذا السياق يقول عبد الوهاب: “عندما شارف المنتوج على النضج، قامت وزارة التجارة بالتخفيض في سعر البطاطا والبصل واستوردت أطنانا من هذه المواد، فكيف سأروج المحصول والأسواق المحلية غارقة في المنتوجات المستوردة؟!”

 “يكلف سعر الطن من بذور البطاطا 3 آلاف دينار، ويكلف هكتار البطاطا حوالي 30 ألف دينار، وبعد أن يجهز المحصول تقوم وزارة التجارة بالتخفيض في الأسعار واستيراد هذه المواد من الخارج”، مشيرا بالقول: “اضطرت إلى تحويل محصول البطاطا إلى مواد علفية أقدمها إلى المواشي، وإتلاف البقية”. 

 

إتلاف المواد الفلاحية… عادة تعصف بالاقتصاد التونسي

شهدت تونس في السنوات الأخيرة انتشارا كبيرا لظاهرة اتلاف فوائض المحاصيل، ظاهرة عصفت بمختلف المنتوجات كالحليب والقوارص والبطاطا والبصل وغيرها من المواد بعد تعفنها وتكدسها، في ظل إغراق الأسواق المحلية بالمنتوجات الأجنبية التي تستوردها وزارة التجارة.

وفي هذا السياق، أكد عمر الغزواني رئيس الاتحاد الجهوي  للفلاحة والصيد البحري بجندوبة أنه تم إتلاف مادة الحليب سنة 2016 لتضطر البلاد لاستيراد هذه المادة خلال السنة الحالية، مشيرا إلى أن إتلاف مادة البطاطا لهذه السنة سيكلف الدول خسائر جسيمة وستضطر خلال سنة 2019 إلى استيراد مادة البطاطا بسبب انقطاعها من الأسواق، في دائرة عبثية مفرغة.

وطالب عمر الغزواني وزارة الفلاحة بمنح الفلاحين دعما ماديا يمكنهم من إحداث وحدات تخزين عصرية عوضا عن الوسائل التقليدية التي تتسبب في إتلاف المحاصيل.

كما طالب الغزواني بإيقاف المخزون التعديلي المتواجد حاليا في الأسواق في حين يعاني الفلاحون من معضلة الفوائض في الانتاج، مشددا على ضرورة دعم المناطق السقوية ومد الخطوط مرتفعة الضغط للكهرباء ليسهل على الفلاح بعث وحدات تخزين داخل الضيعات.

وزارة الفلاحة تحمل مسؤولية للفلاح وتتهمه بعدم درايته بقوانين التخزين

ومن جهتها أكدت وزارة الفلاحة والموارد المائية في بيان لها صدر اليوم 12 أكتوبر 2018، أنه وفي إطار متابعة المصالح المختصة لوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري لحالة المخزونات، قامت اللّجنة الفنية المشتركة بزيارة ميدانية بتاريخ 09 أوت 2018 شملت منطقتي سوق السبت والبراهمي من ولاية جندوبة، حيث تمّت معاينة ظروف تخزين غير جيّدة لدى أغلب المنتجين وعدم احترام أغلب فلاحي الجهة لقواعد التخزين كتكديسها في أكوام عالية، كما تسم تسجيل نسبة تعفن كبيرة وإصابات مرتفعة لبحشرة السوسة والإنبات.

وأضافت وزارة الفلاحة في البيان ذاته أن ما صدر من تشكيات حول اتلاف كميات من المخزونات التقليدية الموجودة بمنطقة سوق السبت من ولاية جندوبة تعتبر محدودة مقارنة بما يتم تداوله (لا تتعدى 20 طنا وجلها فوارق فرز) ومردّ ذلك، حسب ما ذهبت إليه يكمن في “عدم تطبيق الحزمة الفنيّة للخزن بالطريقة التقليدية خاصّة عند انطلاق عملية التخزين”.

وفسرت الوزارة ذلك  بتعاطي عدد من المنتجين لعملية خزن البطاطا دون دراية هامة بمراحل هذه العملية، وذلك بحثا منهم على أسعار بيع أجدى في فترات لاحقة على غرار السنة الفارطة والتي تعدت فيها مستوى 1000 د للطن خلال نفس الفترة الحالية.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد