الرئيسيسياسة

السبسي في الفرنكوفونية الدوليّة: ثناء فرنسي له خلفياته

 

رغم تغيّبه في الأسابيع القليلة الماضية عن بعض التظاهرات الكبرى التي تحتاجها تونس لحشد الدعم والتعبئة نحو إنجاح تجربتها الديمقراطية وكان آخرها أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة، مثّل رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي تونس في أشغال الفرنكوفونية الدولية المنتظمة بأرمينيا.

ثناء فرنسي

لم يكن حضور رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي والوفد المرافق له في أرمينيا مثيرا جدّا للصحف ولإهتمام الرأي العام المتابعين لأشغال القمّة الفرنكوفونيّة في سياق حسّاس جدّا يمرّ به العالم وسط تراجع واضح للأدوار الفرنسية أوروبيا وخارج حدود منطقة الأورو قبل أن يتوجّه الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون بثناء كبير وشكر مطوّل للرئيس التونسي لا بسبب التوافق الذي إحتضن نزل فرنسي في العاصمة باريس أولى جلسات إعلان ميلاده ولا بسبب التجربة التونسية وما حققته من خطوات تكريس الديمقراطية بل لسبب واضح تمثّل في مبادرة المساواة في الإرث التي أطلقها السبسي قبل نحو سنة من الآن.

الثناء الفرنسي على مبادرة الباجي قائد السبسي، بالرغم من الجدل الداخلي الذي أثارته المبادرة في حد ذاتها قبل الجدل حول تركيبة الهيئة “السياسية” (حسب الرائد الرسمي للبلاد) التي صاغت المبادرة في شكل تقرير فجّر إنقساما آخر حدّا في المشهد الداخلي، جلب إهتمام وأنظار كل المتابعين ووسائل الإعلام العالمية التي قامت بتغطية التظاهرة.

 

 

مبادرة “شجاعة” أم رسالة؟

“مبادرة شجاعة في الوقت الذي نحارب فيه قوى الظلاميّة” بهذه العبارات وصف الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي للمساواة في الميراث، رغم أن الأخير قد تفاعل بشكل مثير للجدل مؤخرا بعد صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة التي تم تشكيله للغرض نفسه والذي إعتبر فيه أنه من الضروري الإحتكام إلى الدستور أوّلا وإلى الإرادة الشعبية ثانيا.

في 13 أوت 2017 عندما أطلق الباجي قائد السبسي مباردته في عيد المرأة كانت الأوضاع في البلاد عموما تشهد أزمة مترامية الأطراف إقتصاديا وإجتماعيّا وكانت أغلب إستطلاعات الرأي تتحدّث عن تراجع شعبية الرئيس مقابل صعود شعبية رئيس الحكومة يوسف الشاهد بعد إطلاقه حملة “مكافحة الفساد” وبعد الأزمة الخانقة التي أصابت قيادة نداء تونس بالعطالة.

في حينها كان رئيس الجمهورية التونسي الباجي قائد السبسي يعمل إلى إسترجاع المبادرة السياسية التي بدأت تفلت من القصر ومن بين يديه شخصيا في ظلّ إهتراء صورة حزبه، وخاصة في ظلّ الصعود القوي ليوسف الشاهد رئيس الحكومة الذي كانت علاقته متوترة مع قيادة حزبه وخاصّة في ظلّ تتالي المؤشرات على فوز محقّق لحركة النهضة في الإنتخابات البلديّة.

أراد الباجي قائد السبسي إستعادة زمام الامور لغايات سياسية إنتخابية على مستوى الصورة في الداخل ولكنّ ثناء وتصريحات الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون كشفت أن المبادرة كانت أيضا رسالة غير موجّهة بشكل خاص للرأي العام الداخلي بقدرة ما كانت موجّهة للرأي العام الخارجي وتحديدا لفرنسا المستعمر القديم لتونس وأكثر الدول الأوروبية نفوذا في المنطقة.

 

 

أزمة اللغة الفرنسيّة

منذ منتصف القرن الماضي أصبحت اللغة الفرنسيّة مهدّدة بفقدان عالميّتها، حتّى التعديلات التي طرأت عليها بعد ذلك وقرارات “التنقية” من المصطلحات والكلمات غير الفرنسيّة فشلت فشلا ذريعا في ظلّ التراجع المستمر لعدد المتحدّثين بها في أكثر من مكان من العالم في أوروبا كدولة بولندا التي تكاد تختفي فيها اللغة الفرنسية تماما وفي إفريقيا وغيرها.

لم تعد اللغة الفرنسية منذ نحو ثلاث عقود لغة مواكبة لحاجيّات السوق وللتطوّر الكبير والمتسارع الحاصل في العالمفي المقابل تشتهد لغات حيّة أخرى صعودا متواصلا مثل الأنجليزية والألمانية وغيرها التي تمكّنت إمّا من فرض عالميتها بشكل من الأشكال أو من مواكبة التطورات الحاصلة في العالم.

على مستوى الأدب والفكر وحتى على مستوى السينما والمسرح وصولا إلى الإقتصاد تشهد اللغة الفرنسيّة تراجعا يثير حفيظة الفرنسيين كثيرا في ظل تراجع النفوذ الفرنسي، المسألة تتجاوز ذلك كثيرا فحتّى الفرنكوفونية الدوليّة نفسها يعتبرها كثيرون جزءا من وسائل الهيمنة الثقافيّة التي بدأت تلقى رفضا واسعا من شعوب كثيرةومن نظم سياسية كثيرة في السنوات الأخيرة وليس بعيدا الفشل الذريع الذي منيت به الزيارات المتتالية للرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون لدول الساحل الإفريقي.

في خضمّ ذلك كلّه تشهد اللغات الحية العالمية مثل الإنجليزية تطوّرا كبيرا لعدد المتحدّثين بها والمقبلين على تعلّمها في تونس في نفس الوقت الذي يلقى فيه النفوذ والأدوار الإقليمية لفرنسا نقدا ورفضا داخليا واسعا لا فقط لكونها مستعمرا قديما فحسب بل ولكونها ساندت الدكتاتورية التي أسقطتها الثورة ودافعت عنها إلى آخر لحظة.

 

 

التوافق حقّق مكاسب ولكن..

رئيس الجمهوريّة التونسي ردّ التحيّة للرئيس الفرنسي في كلمته وفي تصريحاته التلفزية والصحفية التي أدلى بها على هامش الأشغال مؤكّدا ان “خيار التوافق في تونس حقّق نجاحات نسبية ولا نندم عليه، لكنه غير صالح لكل زمان ومكان”.

ورفض الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الإجابة عن أسئلة الصحفيين المتعلّقة بالأوضاع في تونس في ظلّ الأزمة السياسية الخانقة التي تمر بها البلاد في الأشهر الأخيرة بسبب إعلان السبسي القطيعة مع حركة النهضة و”إنتهاء التوافق” وإنحيازهلحزبه نداء تونس وللإتحاد العام التونسي للشغل المطالبين بإقالة رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، وقال في هذا الخصوص “أرفض الحديث عنها في الخارج”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد