مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

هل تأنثت الهجرة السرية؟

 

 

هو استفهام إنكاري يحيل على عمق الأزمة التي تردى فيها المجتمع التونسي ومن تجلياتها ظاهرة الهجرة السرية او ” الحرقان ” او الحرقة ” كما تسمى باللهجة المحلية التونسية.

 

وهي تختزل كل معاني المعاناة والاحتراق المعنوي والرمزي في سبيل حياة أفضل يتوق لها الشباب التونسي ذكورا وإناثا ولكن الواقع المعيش يقتلها بكل وحشية فيكون الحل هو ” فتح الأشرعة ” وركوب البحر في اتجاه الضفة الأخرى أو الضفة الحلم.

وتعيش الأسرة التونسية كل يوم على وقع عمليات مغادرة خلسة عبر البحر في اتجاه السواحل الايطالية منها من يتم ضبطه في المياه الإقليمية التونسية من قبل وحدات الجيش او الحرس الوطني وإعادته ومنها من يكون مصيره دراميا عندما تغرق تلك المراكب الصغيرة التي تنأى بحملها قبل الوصول ويكون ركابها طعما للسمك وثمة من يحالفه الحظ يعانق حلمه وهو يقفز من مراكب الموت لتطأ قدماه ارض لمبادوزا.

 

 

 

 

كانت الهجرة السرية بعيدة عن دائرة تفكير النساء، بل مدانة ومستهجنة عادة من قبل الوالدات والشقيقات، لكن اليوم تغيرت المعطيات حقا.

وبتنا نسمع عن النساء اللواتي يحرضن أبناءهن على الهجرة السرية بل ويقدمن لهم مصاريفها من خلال بيع المصوغ او الاقتراض من ضمان إمكانية نجاح رحلة الابن أو الابنة.

ومن هنا نستشف أن التحولات العميقة التي عصفت بالمجتمع التونسي قد مست الذهنيات وأثرت بشكل جلي على ممارسات التونسيين وتمثلهم لبعض القضايا ومن ضمنها الهجرة السرية.

 

تعمل مجمل هؤلاء اللاتي ينجون من مخاطر البحر في أعمال تتصل بالدعارة وتجارة البشر أو ما يعرف باللحم الرخيص و تنقطع صلتهم نهائيا بالأهل والوطن

 

فقد كانت هذه الظاهرة في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة معزولة ومحتشمة وكان من يقوم بالهجرة السرية هم أولئك الشبان الذين يوسمون بالانحراف والخروج عن الجادة كما يقال وعادة ما ينقطعون عن التعليم مبكرا ولا يمتلكون تحصيلا علميا كما أنهم يفتقدون إلى المرجعيات الفكرية و القيميّة وهو ما جعلهم يلقون بأنفسهم في عرض البحر دون استشارة أو حتى إعلام ذويهم.

ومن ينجح منهم في مغامرته غالبا ما يظل ينظر إليه بكثير من الحذر ولا يمكن اتخاذه كقدوة على اعتبار انه غالبا ما يمتهن مهنا غير مشروعة.

أما اليوم فإن هؤلاء باتوا قدوة خاصة في الأحياء الشعبية والمناطق الريفية المهمشة وباتت هناك شبكات متخصصة في تسفيرهم تبدأ بالوسيط الذي يلتقط الشباب من المقاهي والفضاءات العامة والمشرف على العملية الذي يتقاضى الأموال ثم يتم تجميعهم لأيام قبل اقتناص الفرصة الموائمة للرحيل وصولا إلى صاحب المركب وقائده الذي سيكون الربان في رحلة الموت.

ويتم هذا غالبا بعلم الجميع من أفراد الأسرة الذين يتسترون على العملية ويعملون على إنجاحها.

 

هذه الظاهرة تعكس فشل الدولة الوطنية في استيعاب شبابها واحتضانه، وأيضا فشل الأجيال الجديدة في إبداع حلم جماعي يمكن تجسيده داخل ارض الوطن مع الاستعداد للتضحيات التي يستوجبها

 

وبات من الاعتيادي أن نلحظ شابات في عمر الزهور ينخرطن في هذه الرحلات السرية الخطيرة ويتركن أهلهن ووطنهن دون ندم أو تردد ومنهن من تكون لقمة سائغة للأسماك في حين أن من تنجو تصبح فريسة لوحوش ضارية في بلدان تحكم غلق أبوابها في وجه الغرباء وتقتل آدميتهم بدم بارد.

وقطعا تعمل مجمل هؤلاء اللاتي ينجون من مخاطر البحر في أعمال تتصل بالدعارة وتجارة البشر أو ما يعرف باللحم الرخيص وتنقطع صلتهم نهائيا بالأهل والوطن.

إذن تغيرت العقليات كثيرا في ما يتصل بالهجرة السرية عموما باعتبار تغير شريحة المهاجرين السرّيين الذين بات بعضهم من أصحاب الشهائد العليا من أبناء الطبقة المتوسطة وممن يمتهنون أعمالا لا تناسب طموحاتهم وأحلامهم الشاهقة التي لا تتسق مع انتظاراتهم.

كما أن رحلة الهجرة السرية باتت عملا فرجويا يطغى عليه الطابع الاستعراضي إذ يقوم المهاجرون وفي تحد سافر للقانون وللقيم الاجتماعية التي تدين هذا الفعل بتصوير رحلاتهم وبثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن من يتم ضبطه وإعادته إلى أهله يصرح بمنتهى الجرأة لوسائل الإعلام انه سيعاود فعلته.

ولا شك أن هذه الظاهرة تعكس فشل الدولة الوطنية في استيعاب شبابها واحتضانه، وأيضا فشل الأجيال الجديدة في إبداع حلم جماعي يمكن تجسيده داخل ارض الوطن مع الاستعداد للتضحيات التي يستوجبها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.