مجتمع

نزيف التوريد يطيح بالدينار التونسي.. وسنة أخرى صعبة اقتصاديا  في انتظار تونس

 

 

يعاني الاقتصاد التونسي من إشكاليات عميقة على مستوى الهيكلة او المؤسسات أو التنظيم، ويعد التوريد العشوائي أحد هذه المعضلات التي تستمر في استنزاف العملة الصعبة من تونس والإطاحة بالسوق وتدمير الاقتصاد الوطني. وفي حين تسن الدولة إجراءات عديدة لمكافحة نزيف التوريد الذي بات يطال مواد استهلاكية أو تكميلية تساهم في ضرب الدينار في مقتل وتضعف المؤسسات الاقتصادية التونسية، إلا أن أثر هذه الإجراءات يبقى محدودا دون فعالية حقيقية.

 

وتشير الاحصائيات الى ان وتيرة التوريد ارتفعت بعد الثورة بنسبة 30%،  وهو ما تسبب بعجز في  الميزان التجاري وصل إلى أكثر من 12 مليار دينار خلال الثمانية أشهر الأولى من السنة الجارية، بزيادة بأكثر من 2 مليار دينار بين 2017 و2018، رغم ان البنك المركزي كان قد أصدر منذ سنة تقريبا قائمة مفصّلة للمنتجات التي سيتمّ وقف إقراض التجّار لتمويل توريدها، والبالغ عددها 220 منتوجا.

 

أمراض اقتصادية مزمنة

 

 

 

كشف مروان العباسي محافظ البنك المركزي يوم الثلاثاء 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2018 ، عن قيمة المبالغ التي يتم تداولها خارج القطاع البنكي في تونس، والتي وصلت قيمتها  بين 3000 و4000 مليون دينار، وهذا أحد الامراض التي تنخر الاقتصاد التونسي و تغذي ظاهرة التوريد العشوائي، حسب ما صرّح به الخبير الاقتصادي ووزير التشغيل السابق حسين الديماسي لمجلة ميم.

واعتبر الديماسي أن نزيف العملة الذي تعاني منه تونس راجع إلى وجود هذه القيمة الكبيرة من العملة الصعبة تدور خارج الأطر القانونية، وتستخدم في توريد سلع من الخارج بعد ان يتم تهريبها، ثم تعود على شكل واردات استهلاكية، وبذاك يخفّض المورّد من قيمة الضرائب والأداءات الجمركية على سلعه، ويغرق السوق ببضائع رخيصة الثمن منخفضة القيمة، مما يخل بالميزان التجاري وقوانين المنافسة ويؤدي في النهاية لضرب الصناعة المحلية والإضرار بعديد المستثمرين التونسيين الموجهة بضائعهم للسوق المحلية.

 

 

يجب كأول إجراء مراجعة قانون 1972 وتقييد الامتيازات الجمركية المصاحبة له وعدم منحها إلا بشروط

 

 

ويوجد سبب ثان لعجز الدولة عن السيطرة على ظاهرة التهريب العشوائي – حسب الديماسي –وهو قانون أفريل 1972، وهو القانون الذي تم سنه لمساعدة المصدرين التونسيين على الاستثمار في الصناعة، وساهم في وقت ما في دفع عجلة الصناعة، بمنح امتيازات جمركية على توريد المواد الأولية والآلات، لكنه تحول في السنوات الأخيرة إلى قانون يرهق الاقتصاد فقد تحول العديد من الصناعيين إلى توريد المواد الاستهلاكية الجاهزة على أساس انها مواد أولية، وهو ما خرّب الجدوى من القانون وحوله من نعمة اقتصادية إلى نقمة.

 مراجعة القوانين

حسب الديماسي خلقت هذه الأسباب بيئة خصبة لتفشي ظاهرة التوريد العشوائي التي أربكت الاقتصاد الوطني لذا يجب كأول إجراء مراجعة قانون 1972 وتقييد الامتيازات الجمركية المصاحبة له وعدم منحها إلا بشروط، ويجب محاربة نزيف العملة الصعبة السائبة التي تجول خارج الدوائر الرسمية.

مع اقتراب سنة 2018 من نهايتها، تبدو التطلعات مليئة بالأمل في تغير الأوضاع الاقتصادية لتونس مع بداية السنة الجديدة، التي وصفها رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد بكونها ستكون سنة الإقلاع الاقتصادي، وبداية ظهور آثار انتعاشة اقتصادية، لكن في المقابل، لا تقدم المؤشرات المالية أي دليل على إمكانية تحسن الوضع في تونس قريبا، فاحتياطي العملة الصعبة لا يتجاوز 75 يوما كأقصى تقدير و نسبة التداين الخارجي وصلت لأكثر من 60 % من الناتج الداخلي الخام، بينما ينتظر ان توجه حوالي 20 مليار دينار من ميزانية 2019 لتسديد الديون و خدمة الدين، وهي قرابة نص الميزانية المرصودة و المقاربة ل40 مليار دينار حسب التسريبات الأولية،في خضم كل هذا، كيف سيحقق الاقتصاد انتعاشة او انطلاقا أم أن المسألة لا تعدو كونها شعارات حملة انتخابية مبكّرة؟

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.