مدوناتغير مصنف

شتاء جديد يعصف بالعالم العربي

ترجمة مجلة ميم لمقال الباحث الأمريكي إيفان هيل

 

لقد ساعدت الولايات المتحدة الأمريكية في نشأة جيل جديد من الديكتاتوريين في الشرق الأوسط، ومن بين تداعيات ذلك حادثة اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

 

 

زار الكاتب السعودي البارز جمال خاشقجي قنصلية المملكة العربية السعودية في إسطنبول في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر، ولم يغادرها. وقد توجه المستشار السعودي السابق والناقد الحالي للنظام السعودي، الذي اختار العيش في المنفى السنة الماضية وعاش خارج العاصمة الأمريكية واشنطن، إلى القنصلية السعودية قصد وضع اللمسات الأخيرة على معاملات زواجه من خطيبته التركية. وبمجرد دخوله إلى مقر القنصلية، عمدت مجموعة من السعوديين كانت تتربص به إلى قتله وإخفاء جثته، وذلك وفقا لما أفادت به السلطات التركية.

 

الكاتب والباحث في شؤؤون الشرق الأوسط إيفان هيل

تمثل حادثة اختفاء خاشقجي واحتمال تصفيته مفترق طرق في علاقة الغرب مع الشرق الأوسط الجديد، الذي بدأت ملامحه تتشكل على أنقاض الربيع العربي. وحتى لو كان خاشقجي على قيد الحياة، وهو احتمال يتضاءل يوما بعد يوم، فإن اختفاءه القسري يؤكد التنامي الخطير لنفوذ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي يسعى جاهدا لكتم صوت الناقدين لنظامه داخل البلاد وخارجها. أما في حال تصفيته من قبل سعوديين، فإن تداعيات ذلك ستكون أسوأ بكثير.

 

بعد سبع سنوات من الثورات التي اجتاحت مختلف الأقطار العربية، بات من الممكن الآن رؤية نتائج الربيع العربي، الذي تمخض عنه جيل جديد من الحكام الذين يسيرون على خطى صدام حسين ومعمر القذافي وكلهم استعداد لفرض رؤيتهم الاستبدادية باسم “الإصلاح” بمباركة الغرب.

 

لطالما تميزت السياسات الخارجية الأوروبية والأمريكية بالازدواجية والتضليل، بين أن القوانين والرأي العام أجبرها على التعامل مع الأنظمة المستبدة، رسميا على الأقل، على أنها منبوذة. وقد يفضي إفلات الجاني من العقاب في ما يتعلق بقضية مقتل خاشقجي إلى بزوغ فجر عصر مرعب وأكثر وحشية، سنكون جميعنا متواطئين في ظهوره.

 

ورد في تقرير نُشر في صحيفة “واشنطن بوست” يوم الثلاثاء الماضي أن المخابرات الأمريكية قامت بالتنصت على اتصالات مسؤولين سعوديين كانوا بصدد مناقشة خطة “القبض” على خاشقجي قبل اختفائه، مما يشير إلى أن حكومتنا قد تكون على علم بهذه المؤامرة بيد أنها لم تكلف نفسها عناء تحذير خاشقجي كما هو مطلوب منها.

 

لقد أثارت هذه الفضيحة جدلا واسعا وغضبا عارما تجاه دعم إدارة ترامب لولي العهد، الذي شجع على تطبيق ميولاته المتشددة، ما أدى إلى مقتل خاشقجي. قد يكون ذلك صحيحا، ولكن لفهم كيفية صعود الأنظمة الاستبدادية الجديدة في الشرق الأوسط نحتاج إلى النظر إلى أصل خطيئة الربيع العربي.

 

مثلت الثورات العربية التي اندلعت سنة 2011، التي لم يسبق لها مثيل في العالم المعاصر، صدمة حقيقية بالنسبة للأنظمة الديكتاتورية المحافظة التي اتسمت بثباتها منذ زمن طويل وعلاقتها التاريخية مع الأنظمة الغربية التي ساعدت على استمراريتها. لكن اتخذت هذه الثورات مسارا غير متوقع، فلمدة سنتين على الأقل كانت نتائج هذه الثورات غير مؤكدة؛ لذلك اجهضت مساعي التغيير رسميا سنة 2013.

 

ففي مصر، انتهى انهيار الحكومة المنتخبة بقيادة “الإخوان المسلمون”، بمساعدة من جهاز حكومي فعل كل ما في وسعه لضمان فشل هذه الحكومة ونجح في ذلك من خلال تنظيم انقلاب عسكري في شهر تموز/ يوليو بقيادة وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي.

 

 

وفي الشهر التالي، أطلقت القوات الموالية للرئيس بشار الأسد صواريخ محملة بغاز السارين على إحدى ضواحي دمشق التابعة للمعارضة، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن ألف و400 مواطن سوري من رجال ونساء وأطفال. وفي كلتا الحالتين طغى على طريقة تفاعل إدارة أوباما التناقض وهو ما يفسر عدم رد الجانب الأمريكي على الربيع العربي.

 

لقد رفض كبار مستشاري أوباما اعتبار ما فعله السيسي في مصر انقلابا عسكريا من أجل تجنب قطع العلاقات بين البلدين التي استمرت على مدار عقود، وفي المقابل قبلوا تشكل مجلس عسكري جديد في الشرق الأوسط. في كتابه الجديد الذي تطرق إلى الثورة المصرية وتداعياتها، صور مراسل صحيفة “نيويورك تايمز “القاهرة في ذلك الوقت، ديفيد كيركباتريك، الإدارة الأمريكية كمحرض للثورة المضادة لأنها كانت ترغب في عودة الاستقرار بأي ثمن. وبعد أسابيع من الانقلاب، أشار وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى أن الجيش هو الذي عمل على “استعادة الديمقراطية”.

 

لقد أُمر وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل بالتحدث إلى السيسي للتوقف عن قمع المعارضة، لكنه أخبره أنه يعرف مصلحة بلاده. وفي وقت لاحق، شرح السيسي لكيركباتريك أن مسؤولين سعوديين وإماراتيين غمروه بالشكاوى، وقد أخبر هيغل أنه حان وقت “إخماد” الإخوان. وقد امتثل السيسي لمطالب الجهات السعودية والإماراتية، حيث قام بتنظيم مذابح يوم 14 آب/ أغسطس من سنة 2013 في القاهرة ما تسبب في مقتل أكثر من 900 متظاهر، في حادث هو الأسوأ من نوعه في التاريخ الحديث.

 

 

لطالما تميزت السياسات الخارجية الأوروبية والأمريكية بالازدواجية والتضليل، بين أن القوانين والرأي العام أجبرها على التعامل مع الأنظمة المستبدة، رسميا على الأقل، على أنها منبوذة. وقد يفضي إفلات الجاني من العقاب في ما يتعلق بقضية مقتل خاشقجي إلى بزوغ فجر عصر مرعب وأكثر وحشية، سنكون جميعنا متواطئين في ظهوره.

 

 

خلال الشهر نفسه، انتهت المشاورات حول التدخل العسكري الأمريكي ردا على استخدام بشار الأسد للأسلحة الكيماوية في سوريا باستشارة الكونغرس وعقد اتفاق في اللحظات الأخيرة بتسهيل من الحكومة الروسية. وقد أعقب ذلك سنوات من استخدام الأسلحة الكيماوية بشكل أكبر، خاصة غاز الكلور. وفي هذه الأثناء، قدمت الإدارة الأمريكية للمتمردين السوريين دعما سريا كافيا لضمان وقوع سوريا في مأزق دموي. كما أعلن أوباما أن الأسد زعيم غير شرعي سياسي يجب أن يتنحى عن الحكم، على الرغم من أن السياسة المتوخاة من الجانب الأمريكي تجاه الوضع السوري قد ضمنت عدم حدوث ذلك.

 

من الواضح أن إقرار الولايات المتحدة بنهاية الربيع العربي ينبع من الواقع الساخر للمسؤولين الرئيسيين في إدارة أوباما والضغوط الكبيرة التي يفرضها كل من السعوديين والإماراتيين، الذين كانوا ينظرون إلى الانتفاضات الإقليمية على أنها تهديدات خطيرة للحكم الملكي. وتجدر الإشارة إلى أن الملوك الرجعيين والأمراء في الخليج قد بذلوا كل ما بوسعهم لإخماد الحركة الديمقراطية في مصر، بالإضافة إلى دفع مليارات الدولارات إلى السيسي وأنصاره. لقد كانت هذه هي طريقتهم في إظهار الكراهية للثورات العربية والإسلاميين السياسيين الذين قاموا بتمكينهم، كما كانوا يعتقدون أن انفتاح إدارة أوباما على جماعة الإخوان المسلمين “مؤامرة خبيثة”.

 

من الواضح أنهم كانوا مخطئين، فإذا مثلت سنة 2011 فرصة تاريخية للولايات المتحدة لإعادة العلاقات مع العالم العربي التي كانت قائمة على عقود من الدعم للدكتاتورية، وحتى إذا مثلت سنة 2013 أيضا فرصة أخيرة لتجنب حدوث نفس الاحتجاجات التي أدت إلى اندلاع الثورات في المقام الأول، فإنه يبدو جليا أن إدارة أوباما فشلت في كلا الاختبارين.

 

 

أثارت هذه الفضيحة جدلا واسعا وغضبا عارما تجاه دعم إدارة ترامب لولي العهد، الذي شجع على تطبيق ميولاته المتشددة، ما أدى إلى مقتل خاشقجي. قد يكون ذلك صحيحا، ولكن لفهم كيفية صعود الأنظمة الاستبدادية الجديدة في الشرق الأوسط نحتاج إلى النظر إلى أصل خطيئة الربيع العربي

 

 

إن السبب الرئيسي لهذا الفشل كان الفراغ المفاجئ في جوهر رؤية أوباما للعالم، إذ رغب  هذا الرجل الذي زار القاهرة سنة 2009 في البحث عن “بداية جديدة” ودعم حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم، ولكن عندما حان الوقت لترك بصمته في التاريخ، قرر أوباما عدم الخروج من منطقة الرفاهية. وعندما أطلق محمد بن سلمان الحملة العسكرية الكارثية في اليمن سنة 2015، كان ذلك بمثابة أول مؤشر على جرأة ولي العهد، وهذا ما جعل إدارة أوباما تقدم دعمها له.

 

يكمن الاختلاف الرئيسي بين إدارة ترامب وسابقتها في الحماس، الذي ساهم في مزيد تلميع صورة الولايات المتحدة، خاصة عن طريق صهر الرئيس جاريد كوشنر، الذي قيل إنه أنشأ علاقة وثيقة مع الأمير محمد بن سلمان. وفي شهر تشرين الأول/ أكتوبر من سنة 2017، في اجتماع متأخر عقد ليلا، قام محمد بن سلمان بالكشف عن أسماء السعوديين غير الموالين له. ومنذ ذلك الحين، لم يؤدي احتجاز ولي العهد لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري لفترة وجيزة في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر ولا حملته المنسقة ضد الناشطات السعوديات، حتى قبل رفع الحظر الذي فرضته المملكة على قيادة النساء في شهر حزيران/ يونيو، إلى استياء المسؤولين الأمريكيين.

 

حتى الممارسات التي اتبعها السعوديون لفترات طويلة، التي تمثلت في خطف المعارضين في الخارج وإعادتهم قسرا إلى البلاد، مثل ما حدث مع الناشطة لجين الهذلول‎ في الإمارات العربية المتحدة في شهر آذار/ مارس، قد تم تجاهلها تماما. وقد تكهن بعض المراقبين خلال الأيام الأخيرة بأن خاشقجي ربما يكون قد قتل دون قصد خلال محاولة اختطاف مماثلة. لكن هذه الحوادث من المؤكد أنها نتيجة متوقعة للتجاوزات المسموح بها منذ فترة طويلة.

 

إن كل ما حدث لخاشقجي، وهو كاتب مقيم في الولايات المتحدة وصحفي في صحيفة “واشنطن بوست” التي تملك أكثر من مليون متابع على تويتر بالإضافة إلى دائرة موسعة من الأصدقاء ذوي النفوذ، بدأ بشكل فعلي في تبديد أي شعور متبق بالأمان لدى المعارضين العرب في جميع أنحاء العالم. لقد صدمت هذه الحادثة مجموعة كبيرة من الصحافيين والمحللين والحقوقيين في الشرق الأوسط وجميع أنحاء العالم، كما جعلتهم يشعرون بالغضب والخوف، ما يشكل حقا تهديدا غير مسبوق من قبل الثنائية الحزبية التي تتحمل عواقب ذلك، خاصة من قبل أعضاء مجلس الشيوخ الذين يأذنون بتمويل ودعم الولايات المتحدة للمملكة العربية السعودية.

 

يوم الاثنين، بعد ما يقارب أسبوع من اختفاء خاشقجي، خرج كل من الرئيس ترامب ونائبه مايك بنس ووزير خارجيته مايك بومبيو عن صمتهم في نهاية المطاف، حيث أعربوا عن قلقهم الشديد بشأن هذه القضية. ويوم الثلاثاء، وفي خطاب حول السياسة الخارجية التقدمية، طالب السناتور بيرني ساندرز بمساءلة الأطراف المتورطة في اختفاء خاشقجي وخص بالذكر المملكة العربية السعودية كعضو بارز في التحرك العالمي نحو انتهاج الحكم الاستبدادي، وحكم الأقلية، والكلبتوقراطية، التي تتطلب المعارضة.

 

لقد استجاب السعوديون للتعتيم الذي أصبح نموذجا للسلطات الاستبدادية الجديدة في المنطقة، حيث صارت تعتمد سياسة الإنكار ونظريات المؤامرة، بالإضافة إلى تقديم وعود كاذبة بشأن إجراء التحقيقات اللازمة لمعرفة مكان تواجد خاشقجي. لقد فشل السعوديون في تقديم أي دليل يثبت أن خاشقجي قد غادر القنصلية فعلا، في حين قام الصحفيين بتقديم أجزاء رئيسية من الأدلة الظرفية، مثل طرد السعوديين للموظفين الأتراك يوم اختفاء خاشقجي، وحذف تسجيلات كاميرات المراقبة في القنصلية، ووقت وصول ومغادرة الطائرات الخاصة التي قالت السلطات التركية إنها كانت مخصصة لنقل الفريق الذي كُلف بعملية الخطف.

 

إذا مر اختفاء خاشقجي دون محاسبة الجناة، وسُمح للسعودية بممارسة هذه اللعبة، فإننا نكون بذلك قد دخلنا عالما جديدا وخطيرا. وحيال هذا الشأن، قد قال أحد المعارضين السعوديين في لندن إن النظام قد صرح أنه “قادر على الوصول إلى أي شخص”. وسيصبح هذا الأمر واقعيا طالما أنه مفيد من الناحية الاستراتيجية للغرب. ومرة أخرى، يبدو أنا مخيّرون.

 

إيفان هيل

كاتب وباحث مختص في شؤون الشرق الاوسط

 

ترجمة مجلة ميم للمقال المنشور في مجلة سلايت

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق