منوعاتمجتمعاختيار المحررينغير مصنف

زنقة الستات .. من وكر لاصطياد النساء إلى اكبر سوق تجاري بالإسكندرية

رشا محمود- القاهرة- مجلة ميم

 

 

   ربما تتخيل بمجرد سماعك  اسم شارع “زنقة الستات ” بالإسكندرية، أنه محظور على الرجال، وأنها مرادفة لعبارة “للنساء فقط”. لكن الواقع غير ذلك، فهذه المنطقة الشعبية المشهورة شرقى عروس البحر المتوسط،  سميت بـ’زنقة الستات’ نتيجة الإزدحام الشديد لرواده، لاسيما من السيدات، رغم أن غالبية من يعمل به رجال، ولا تجد السيدات غضاضة في ذلك، فالباعة يؤمنون أن الابتسامة بوابة العبور لمحفظة نقود النساء.

 

اكتسب الشارع شهرته من “ريا وسكينة”، اللتين اشتهرتا باستدراج السيدات الأغنياء، لتعرضا عليهن الأقمشة الناعمة الحريرية، فى منزلهما باللبان، ثم التخلص منهن ودفنهن، بعد سرقة ما يحملن من مصوغ ثمين.

 

و’ريا وسكينة’ شقيقتان مصريتان، من جنوبي البلاد، استقرتا في مدينة الإسكندرية ببدايات القرن العشرين، وكونتا شبكة إجرامية عائلية لخطف النساء وقتلهن، قبل أن يتم القبض عليهما وإعدامهما في ديسمبر 1921. وقدذاع صيتهما لدرجة إنتاج أكثر من فيلم مصري ومسرحية عن حكايتهما المرعبة.

 

زنقة الستات الممتدة من ميدان التحرير في حي المنشية حتى حي الجمرك ببحري ، لا تخلو من “الزغاريد” في مختلف مواسم السنة، إذ تحتوي على كبرى محلات الذهب والفضة، وتنطلق الرحلة إليها عبر ممر ضيق متداخل لا يسمح لمرور أكثر من شخصين عبره.

 

 

يقف جميع من فى “باكيات” البيع من الرجال الذى يعرضون منتجاتهم مرفوقة بالابتسامات البشوشة، لاجتذاب السيدات والفتيات اللائي يدلفن للسوق عبر الزنقة لشراء كل ما يخصهن  من مواد تجميلية واكسسوارت وحقائب، بالإضافة إلى كل ما يخص التطريز والخياطة، ومن الصعب  أن تحتاج الفتاة شيئًا ولا تعثر عليه في مغارة علي بابا هذه.

 

وعن تاريخ شارع زنقة الستات، تباينت الرواياتـ، بين من يزعم أن أصله يعود إلى عهد محمد علي الذى حكم مصر لسنوات، فيما يؤكد آخرون أن المكان كان يستخدم كاسطبل لخيول الفرنسيين خلال الحملة الفرنسية على مصر (1798 -1801) بدليل تسمية الشارع المجاور له شارع فرنسا. وتذهب رواية أخرى إلى أن من أسس سوق زنقة الستات هو أحد التجار المغاربة الذى كانت بلدته تشتهر بصناعة السجاد والأقمشة  التى أقبلت السيدات عليها بشغف، لذا أقيم السوق الذي عرف في البداية باسم “سوق المغاربة”، وكانت تحيط به مجموعة من الأسواق القديمة ومنها سوق الصاغة وسوق الخيط، الذي ما زال يبيع أجود أنواع الاقمشة ومستلزمات الحياكة، وسوق الخراطين وسوق العطارين، حيث تتداخل كل هذه الأسواق معا لتشكل مزيجا مميزا للمدينة.

 

 

وبعد ثورة 23 يوليو 1952، تم تأميم ممتلكات أولئك وهؤلاء وتبدل الحال ليتملك المصريون هذه المحلات، وتتطور البضائع لتشمل‏ ‏أدوات‏ الزينة والملابس النسائية ‏والثُريَّات‏ والحقائب والأحزمة الجلدية ولعب الأطفال.

 

وينفرد سوق زنقة الستات بتواجده وسط عدد من المنازل الأثرية القديمة التى يغلب على معمارها التراث الإيطالى والإسلامي واليوناني، وتحولت معظم هذه المبانى إلى مساجد كبيرة، بالإضافة إلى مبنى وزارة الأوقاف الأثرى. ولم يعد الشارع  مجرد فضاء تسوق يتوافد إليه الأهالي لاقتناء حاجيات بناتهم، بل بات يستقطب أعدادا غفيرة من الزوار من داخل مصر وخارجه على مدار العام.

 

وبالرغم من وجود المولات الضخمة التي انتشرت في مصر في السنوات الاخيرة، إلا أن حركة البيع لا تزال نشطة في زنقة الستات، كما يحرص العديد من مخرجي السينما والتلفزيون تصوير بعض المشاهد هناك وإبراز أصحاب الدكاكين أنفسهم في أعمالهم.

 

 

كما يتردد على المكان السياح من مختلف الجنسيات وأكثرهم من الفرنسيين والايطاليين واليونانيين الذين يعود بعضهم لاسترجاع ذكرياته في المدينة. ويخبرنا محمد جمال، أحد تاجر الخردوات وبيع مستلزمات الستائر فى زنقة الستات أنه “بعد سنوات من وجود المغاربة في الاسكندرية الذين كانوا يبيعون ملابس الحج ومستلزماته والسجاجيد اليدوية الشهيرة او ما تسمي بالكليم، قاموا ببيع محالهم الى عدد من التجار اليهود الذين استمر وجودهم في السوق حتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي. بعدها قرروا الهجرة فباعوا المحال والشقق التي كانوا يمتلكونها لعمالهم المصريين، ومنذ ذلك الحين صار كل أصحاب محلات السوق مصريين”.

 

ويحكي تاجر الخردوات عن الزنقة وتاريخها وزوارها، قائلا “الزنقة شهدت قصصا كثيرة، منها السرقة، والخطف، ومنها الزواج والزغاريد، يصادف أن تسمع من تزغرد لشراء شبكتها، فيما تصيح أخرى في نفس اللحظة لسرقة مالها”.

ويقول الحاج مصطفي نجيب، صاحب محل للأقمشة، “ورثت المحل أبا عن جد.. زنقة الستات جزء مني، عشت فيه أكثر من 20 سنين، وكل شغلنا كان فى الاقمشة خاصة اقمشة السهرة والمناسبات ”.

ويضيف الرجل الخمسيني فى حديثه “الشارع دائماً مزدحم حتى عندما ينحدر حال الاقتصاد وتغلو البضائع، لا تقل فيه حركة البيع والشراء فهنا تعودت زبائننا على الشراء “.

 

ويتابع الحاج نجيب: “رأينا فيه كل الأشكال والألوان، يأتينا الغني والفقير، المصريون والأجانب، هو مزار سياحي وسوق في وقت واحد، لأنه تاريخ طويل من أيام الاحتلال الفرنسي وسكانه من مختلف الجنسيات”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد