مجتمعالرئيسي

تحقيق: توربينات العالية.. الطاقة النظيفة القاتلة

تحقيقات ميم

 

أن تعيش في مدينة جميلة محاطة بالأماكن الطبيعية الخضراء وفجأة  ودون سابق إنذار  أو إعلام مسبق تجد أن مشروعا لتوربينات هواء حط رحاله في بلدتك، فتعتقد أن الأمر إيجابي، وتعجب بالفكرة ثم ترى أن صورة المدينة تغيرت وقد يعجبك المشهد الجديد فتذهب لالتقاط صور بجانب التروبينات لتكتشف أنها تصدر أصواتا مزعجة منفرة بلا توقف. 

 

ثم تتبادر لذهنك أسئلة عن هذا القادم الجديد وطنينه الدائم وأثره على صحتك وصحة أبنائك.. هذا تحديدا ما حدث مع متساكني منطقة العالية الذين يتساءلون عن سبب زيادة تفشي الأمراض السرطانية في مدينتهم منذ سكنت التوربينات أجواءها.

 

لا شك أنك سمعت عن الطاقة النظيفة البديلة المتجددة منقذة العالم من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، كلها كلمات يمكن أن تسمعها عند تقديم الطاقة الريحية، لكن لا أحد يتحدث عن مضارها المحتملة، ولا عن خطورتها إذا ما تم تركيز طواحين الهواء في مناطق غير بعيدة عن السكان.

 

يرصد التحقيق تبعات مشروع توربينات الهواء بالعالية الذي يهدد صحة السكان الجسدية والنفسية بسبب قربه من المناطق السكنية. كما يوثق من خلال تصوير حقل توربينات الهواء ضجيجا متواصلا صادرا عنها. 

 

طاقة الرياح هي طاقة متجددة لأنها مستمدة من موارد تتجدد طبيعيا وغير نافذة، وبديلة لأنها جاءت كبديل عن الطاقات الاحفورية المكلفة والملوثة، وطاقة نظيفة لأنها لا تصدر ملوثات في الهواء كثنائي أكسيد الكربون أو غازات دفيئة ضارة تعمل على زيادة احترار الأرض. فهل أن ايجابيات الطاقة الهوائية تجعلنا نغض البصر عن سلبياتها بمنطق أن الضرورات تبيح المحظورات وأن نفعها أكبر من ضرها؟

 


في هذا السياق، أكد الخبير في الطاقات المتجددة  البروفيسور المحاضر بجامعة نيس الفرنسية الدكتور عادل بن يوسف، أن الطاقات المتجددة لها تأثيرات خارجية إيجابية وأخرى سلبية، ودعا إلى ضرورة اتخاذ بعض الاحتياطات، لافتا إلى وجود بعض الحلول  الممكنة لدرء مخاطرها والحد من العوامل الخارجية السلبية  على غرار تركيز محطات طواحين الهواء في المواقع البحرية.

 

 في طريقك إلى بنزرت عبر الطريق السيارة “تونس بنزرت”، تلمح طواحين هواء تحضن مدينة  العالية المتربعة على إحدى الهضاب المحاذية للطريق السريعة،  تضم حوالي 25 ألف نسمة وتبعد 40 كم عن العاصمة تونس و 17 كم عن مدينة بنزرت.

 

لم يترك القائمون على مشروع الطاقة الهوائية ببنزرت غير 500 متر  مسافة فاصلة بين التوربينات والمساكن، وقبل العام 2011 كانت بالفعل تلك هي المعايير المعمول بها دوليا لكن دراسات علمية أثبتت أنه يجب ترك مسافات أكبر للوقاية من مخاطرها. فتم على اثر ذلك تنقيح بعض النصوص القانونية المتعلقة بمشاريع الطاقات المتجددة.

 

واستدعى الوضع الجديد تدخل بعض الحكومات بإزالة عدد كبير منها، على غرار ما حدث في بريطانيا سنة 2017، حيث صدر أمر بإزالة 12 توربين مركزة على حافة بحيرة في منطقة لايك ديستريكت، الواقعة في شمال غربي إنجلترا والتابعة لمقاطعة كمبريا.

 

يكشف التحقيق الذي أجريناه لامبالاة  الشركة الوطنية للكهرباء والغاز حيال التأثيرات المحتملة للتوربينات الهوائية على المحيط وعلى  صحة السكان بعد تركيز المحطة، في خرق للقوانين الوطنية والدولية، وسط تقصير السلط المحلية والشركة  نفسها على مستوى التشاور مع سكان مدينة العالية قبل انجاز المشروع وتوعيتهم بكل ما يحيط به.

 

تونس تتوسع في انجاز مشاريع الطاقة الهوائية رغم خطورتها

سنة 2009، نشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 23 أفريل إعلام ببحث عن شركة تتولى انجاز مشروع ربط محطتي توليد الكهرباء بطاقة الرياح بالماتلين والكشابطة بخطين كهربائيين  بجهد عالي (90 كيلو فولت).

 

عملت  الشركة التونسية للكهرباء والغاز على انجاز المشروع  بالتعاون مع الشركة المغاربية للتصرف والصناعة التي نفذت المقاولات وشركة غاميزا اسبانيا Gamesa Espana الاسبانية  المصنعة للتوربينات، وقد تم تمويله  بنسبة   100 بالمئة بواسطة قرض تفاضلي قدم كمساعدة للتنمية من طرف الحكومة الإسبانية.

 

مشروع طاقة الرياح ببنزرت يتكون من جملة 91 توربين تم تركيزهم  في محطة العالية /الماتلين (46 توربين) بقدرة أحادية  قدرها 1320 كيلوات ومحطة الكشابطة (45 توربين) كذلك بقدرة 1320 كيلوات.

 

 

 

انطلقت الشركة التونسيّة للكهرباء والغاز يوم الجمعة 13 أفريل 2012 رسميّا في تشغيل محطة إنتاج الكهرباء بواسطة طاقة الريّاح بالعالية من ولاية بنزرت، وذلك بعد فترة تجربة كانت انطلقت منذ يوم 20 فيفري من نفس السنة.

 

وكان تشغيل التوربينات توقف مع اندلاع الثورة التونسية حيث تم حرق واتلاف مكوناتها من قبل محتجين،  خاصة من منطقتي كشابطة  ورأس الجبل، طالبوا برفع قيمة التعويضات التي صرفت لأصحاب الأراضي، مقابل التفويت في قطع من أراضيهم ليتم تركيز التوربينات عليها، وفق ما أكده محمد الزغواني الكاتب العام  لمعتمدية العالية. واستأنف بعد ذلك النشاط في المحطة في 29 جانفي سنة 2013.

 

يتطلب انجاز مشاريع مماثلة إعداد دراسة المؤثرات على المحيط،  وهي وفقا للفصل الأول من الأمر عدد 1991 لسنة 2005  المتعلق بدراسة المؤثرات على المحيط، تقوم بتقدير وتقييم وقيس التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لإنجاز الوحدة على المحيط على المدى القصير والمتوسط والطويل والواجب تقديمها للوكالة الوطنية لحماية المحيط لإبداء الرأي قبل الحصول على أي ترخيص إداري.

 

وبعد توفير دراسة المؤثرات على المحيط والحصول على موافقة وزارة البيئة، يمرر المشروع إلى وزارة الطاقة، السلطة الادارية المختصة المسؤولة عن إصدار التراخيص المتعلقة بمشروعات الطاقات المتجددة، لتلبية حاجيات الاستهلاك المحلي، طبقا للفصل 15 من الأمــر الحكومي عدد 1123 لسنة 2016 المتعلق بضبط شروط وإجراءات إنجاز مشاريع إنتاج وبيع الكهرباء من الطاقات المتجدّدة.

 

مرت دراسة هذا المشروع على الوزارتين دون إيلاء أهمية لموقعه القريب من المنازل وتأثيراته المحتملة على الانسان، وخاصة على الفلاحين أصحاب الأراضي. وتجدر الإشارة إلى أنه يتم اقتطاع أجزاء من الأراضي الفلاحية لفائدة المشروع لتركيز التوربين فوقها، مع الابقاء على ما حولها لتظل على ملك الفلاحين يزرعونها ويحصدونها وترعى حيواناتهم فيها.

 

فإذا كانت الدراسات تشير إلى أن التأثير السلبي للتوربينات يصل إلى ما بعد مسافة 500 متر، فماهو حال الفلاح الذي يقضي يومه في أرضه؟

 

 

 

 

“العم حمد” واحد من بين الفلاحين المتضررين، يملك قطعة أرض قرب منطقة المشروع امتنع هو وعائلته عن العمل أو التنزه فيها بسبب الضجيج القوي المزعج الذي تُحدثه.

 

يوصي نشطاء بيئيون الحكومات والشركات المنتجة لتلك التقنيات بعدم التوسع الكبير في انجاز طواحين الهواء إلا بعد إجراء دراسات أكبر لتلافي أثرها على الحياة البرية، لأنها وفقا لدراسة فرنسية عن المخاطر الصحية للطاقة الهوائية، تشكل تهديداً مباشراً لحياة الكائنات الحية في محيطها، وذكرت  الدراسة أنها تتسبب بقتل ملايين الطيور سنويا، خاصة أثناء موسم الهجرة.

 

في المقابل، لم يتوقف تعامل الدولة التونسية مع شركة غاميزا اسبانيا، ففي فيفري 2018 تم توقيع مذكرة تفاهم لتصنيع وتركيز دفعة جديدة من توربينات الرياح لفائدة الدولة التونسية في تونس بين كل من  سيزار جاردمينو، مدير مبيعات شركة سيمنز غاميزا في شمال أفريقيا ونيازي فارسي، مدير شركة سوكومين.

 

وقد وقعت المذكرة على هامش اجتماع رفيع المستوى بين تونس وإسبانيا برئاسة رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد ورئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي.

 

نافع البكاري رئيس الجمعية التونسية لطاقة الرياح قال في اتصال مع “ميم” إن “تونس  أعلنت عن تطوير مشروع جديد بقدرة 120 ميغاوات ومشاريع أخرى بقدرة 500 ميغاوات، إضافة إلى بعث الشركة التونسية للكهرباء والغاز مشروع طاقة ريحية بقوة 80 ميغاوات قريبا”.

 

دراسة مشروع طاقة الرياح بالعالية لا تتوافق مع المعايير الدولية والدراسات الحديثة 

أوصى باحثون من أكاديمية الطب بكندا بنقل الطواحين بعيدا عن المساكن لتكون خارج منطقة  الصوت، وكإجراء احترازي لتجنب مخاطرها الكبيرة على صحة السكان، حدد الباحثون مسافة 1500 متر بين توربينات الرياح التي تزيد سعتها عن 2.5 ميغاوات والمساكن.

 

 

 

أما في مناطق أخرى من العالم على غرار ولاية كاليفورنيا الأمريكية فيتم تركيز الطواحين على مسافات أطول بكثير تصل إلى حدود 3 كم.

 

للإشارة، فإن ذلك لا ينطبق فقط على الدول المتقدمة حيث يطبق مشروع الطاقة الريحية في خليج السويس في مصر المعايير الدولية أيضا، وفي نص المشروع قال الدارسون: “لا توجد أي مستوطنات أو إسكان داخل منطقة المشروع، تقع منطقة المشروع على بعد 8 كيلومتر شمال غرب مدينة رأس غارب. أقرب منشأة لمنطقة للمشروع هي شركة بترول. أقرب نقطة شرطة متنقلة تبعد تقريبا 5 كيلومتر عن الموقع في رأس غارب – طريق الشيخ فضل.

 

أهم استنتاج هو أن منطقة المشروع حاليا غير مستوطنة من قبل المجتمعات البدوية. أقرب قرية بدوية تقع على بعد 25 كيلومتر من المنطقة، وتوجد على الأقل عائلة بدوية واحدة) عائلة سويلم أمين أنها تعيش هناك. لا يوجد أي أنشطة رعي أو أي أنشطة أخرى تم ملاحظتها في موقع المشروع خلال زيارات الموقع. البدوي الوحيد الذي تم مقابلته كان عاملا في شركة البترول.”

 

الطريقة التي تحدث بها الدارس عن المساكن وبعدها عن منطقة المشروع تبين أهمية الموضوع بالنسبة له وحرصه على ترك مسافات كافية بين السكان والأراضي التي سيقام عليها مشروع توربينات الرياح. وفي جزئية أخرى من دراسته تحدث عن استخدام الأراضي في منطقة المشروع وذكر بأنه محدود جدا.

 

في ظل غياب اي دراسات علمية تونسية عن مضار التوربينات، استند تحقيقنا على دراسة فرنسية صدرت في سبتمبر 2014 تناولت بالتحليل المخاطر الصحية للطاقة الهوائية انجزها الباحث آلان بيليم.

اعتمد الباحث في دراسته على مراجع علمية لدكتور العلوم، نيكول لاشات، ودكتور مختص في علم الأحياء، نينا بيربونت ، والبروفيسور برول، أخصائي أشعة.

 

في مقدمة  الدراسة أشار الباحث إلى أنه في  ماي 2014، طالبت عضو مجلس الشيوخ هيلين ليبيتز الحكومة بوضع مقترح قانون متعلق بزيادة المسافة بين  توربينات الرياح والمناطق السكنية قيد الدراسة، وفي ذلك تأكيد بأن الحكومة الفرنسية تتفاعل مع المخاطر الصحية لتوربينات الرياح وتعمل على تحيين قوانينها في هذا الاتجاه.

 

في تقرير سابق له، أكد الباحث الفرنسي  أن توربينات الهواء مسؤولة عن أمراض  الهزات الصوتية Vibroacoustics التي ظهرت أعراضها لدى السكان المحليين لحقول الرياح، وهو ما ادى إلى إغلاق حقل طاقة رياح بعد قرار صادر عن المحكمة العليا البرتغالية في مايو 2013.

 

كما أظهرت الدراسة أن التوربينات تكوّن حقولا مغناطيسية تؤثر على صحة الانسان وأثبتت العديد من البحوث  بأنها مسرطنة.

سنة 2011  تم إطلاق إنذار دولي بشأن تدهور الوضع الصحي لدى سكان مزارع الرياح. ووفقا للجمعية الفرنسية  “أدبا”  ADPA فقد أطلق مجلس الشيوخ الأسترالي، في أعقاب التحقيقات التي أجرتها مؤسسة WAUBRA ، في 29 يونيو 2011 إنذارًا دوليًا للتنبيه إلى مخاطر الرياح الصناعية على صحة الإنسان.

 

وفي 9 فيفري / شباط 2011 ، وقع أربعون طبيبا كنديا عريضة بترك مسافة 2 كم بين توربينات الرياح والمنازل. كما كشفت دراسة طبية أجراها عالم الأحياء السويسري نيكول لاشات التأثيرات العديدة لتوربينات الرياح على صحة الإنسان نشرت في نهاية جوان/ يونيو 2011.

 

ورفعت شكاوى وقضايا إلى المحاكم ضد مشاريع الطاقة الريحية، حيث تقدم فلاحون انجليز في 4 يوليو / تموز 2011 بدعوى قضائية إلى محكمة لندن العليا طالبوا فيها بتعويضات بقيمة 2.5 مليون يورو لأنهم تركوا مزرعتهم العائلية بسبب “الضجيج الفظيع” لتوربينات الرياح.

 

يوم  18  أكتوبر 2014، قدّم  عمدة مقاطعة أونتاريو الكندية “لوني نابر”، مدعوما بمحاميه ، مرسوم قانون يقر بخطورة ضجيج طاقة الرياح والضوضاء منخفضة التردد. وينص هذا القانون على صرف  خطايا مالية لمستغلي حقول الطاقة تصرف كتعويضات لفائدة المتضررين في حالة ثبوت وجود مشاكل صحية. تتراوح العقوبات من 500  دولار إلى 10.000 دولار في اليوم. ودعت ثمانون بلدية كندية إلى وقف استغلال محطات توربينات الرياح وأعلنت بأنها “غير مرغوب فيها”.

 

 

رغم الخطورة.. السلط المحلية تتجاهل موضوع المحطة

نظرا لأن 100 % من مشروع الطاقة الريحية بالعالية ممول عن طريق قرض تفاضلي من الحكومة الاسبانية، وجب ان تستجيب دراسته إلى معايير التمويل الدولي، من بينها مبادئ خط الاستواء التي تنص على التزام الأطراف الموقعة بتطبيق ﻤﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﻭﺍﻟﺼﺤﺔ والبيئة في جميع المشاريع التي تمولها. وقد صيغت هذه المبادئ لضمان عدم حدوث الآثار البيئية والاجتماعية السلبية، وفيما يلي بعضها:

 

المبدأ 1: يتم إجراء تقييم محدد لتصنيف المشروع من حيث حجم الآثار المحتملة والمخاطر الناتجة عنها

المبدأ 2 و3: إجراء تقييم اجتماعي وبيئي على أساس الآثار والمخاطر المحددة في دراسة التقييم مع الوضع في الاعتبار المعايير الاجتماعية والبيئية المحددة من قبل

المبدأ 4: إعداد خطة العمل لإدارة الآثار والمخاطر بفاعلية

المبدأ 5 و6: القيام بالمشاورات المناسبة  والافصاح مع المجتمعات المتضررة فضلا عن وضع آلية تظلم مناسبة لتسهيل اتخاذ القرارات المتعلقة بالمخاوف والتظلمات التي يتم إثارتها.

المبدأ 7: القيام بمراجعة مستقلة للعملية.اذن نص المبدأ الرابع من الاتفاقية على إعداد خطة عمل لإدارة الآثار والمخاطر بفاعلية أي أن يتم متابعة المشروع حتى بعد تركيزه وتتبع آثاره على البيئة المحيطة وهو ما يدعو إلى التساؤل كيف يتم تتبع آثار مشروع الطاقة المروحية بالعالية بفاعلية ومقر المعتمدية ليس فيه أي وثائق عن المشروع ولا معلومات محينة.

 

استفسرنا من كاتب عام المعتمدية عن مضار التوربينات وعن مساهمتهم كسلط محلية  بتوعية المواطنين بمخاطرها، فرد قائلا: “التوربينات ليس لها أي تأثير حسبما قيل لنا”.

هكذا ببساطة، اكتفى المسؤول بما قيل له، لم يجتهد ولم يبحث ولم يسأل الشركة المستغلة للتوربينات عن تأثيراتها.

 

طلبنا وثائق  تخص دراسة المشروع وقيس المؤثرات على المحيط والدراسات الميدانية في المدينة، وجاء رد المسؤول  بأنه لا يملك أي وثائق عن الموضوع، واكتفى بإعطائي صورة للرائد الرسمي الذي نشر فيه اعلام بانجاز المشروع ومقالا من صحيفة الشروق التونسية.

 

 

 

لم  تنظم الستاغ منذ استئناف الأشغال في المحطة سنة 2013 اجتماعات بحضور ممثلين عن السلط المحلية من عمد ومعتمدين ورؤساء البلديات والوالي لتدارس الوضع البيئي وتأثيرات التوربينات على صحة السكان، وهو ما أفادنا به الكاتب العام خلال لقائنا في مقر معتمدية العالية.

 

وفي مناسبة ثانية، التقينا معتمد العالية غسان البواب والكاتب العام، وهذه المرة تبين من خلال اللقاء أن المعتمد لا فكرة لديه عن المشروع ولا عن الشركة المستفيدة ولا عن عدد التربينات، فبادر الكاتب العام بشرح كل هذه التفاصيل حينها.

 

كما نص المبدآن الخامس والسادس على وجوب اجراء مشورة مناسبة والافصاح عن الأضرار والمخاطر المحتملة للمجتعات المتضررة وهو ما لم يحدث أبدا، حيث يجهل أغلب مواطني العالية مخاطر هذه التوربينات وآثارها على صحتهم،  وهذا ما اكتشفناه على الأقل من خلال سؤال بعض المتساكنين عنها. بينما يضمن المبدأ السادس حق المتضررين في رفع شكاوى والتظلم لدى المحاكم،  وهو ما أشير إليه بوضع آلية تظلم مناسبة لتسهيل القرارات المتعلقة بالمخاوف والتظلمات التي يتم إثارتها.

 

عبد الرحمان عبد الواحد منشط إذاعي وناشط جمعياتي قال “ما أعرفه هو أنه لم يتم توعية المتساكنين بمضارها، كما لم تتم استشارتهم حول تركيز المحطة”. أرجع عبد الرحمان سبب ذلك إلى أن دراسة المشروع تمت في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي عندما لم يكن أحد يقدر على الاحتجاج أو منع تركيزها، مضيفا “الشائع أن لا ضرر فيها غير صوت ضجيجها”.

 

وأردف أن السكان مستغربون كيف أن لديهم مشروعا كهذا في بلدتهم ولا ينتفعون به في شيء، حتى أن المنطقة تشهد انقطاعات كثيرة للكهرباء، في حين أن المشروع قادر على سد احتياجات المنطقة من الطاقة.

 

 

عبد الرحمن عبد الواحد

 

من جانبه، أيّد محمد كريم الحبيب ذلك قائلا إن

المنطقة لم تحقق أي فائدة من المشروع، فلم تهتم الشركة حتى بتهيئة الطرقات واصلاحها، وقد أصبحت المسالك المؤدية للمحطة رديئة جدا.

 

في المقابل، قال محمد الزغواني إن للمشروع ايجابيات ومنافع على العالية، من بينها ربط حقول التربينات بشبكة طرقات سهلت الوصول إلى تلك المناطق. لكن مقطعا مصورا للحالة الكارثية للطريق قد يبين عكس ذلك.

 

 

 

خطورة قرب توربينات الرياح من المساكن على الصحة

أسامة (20 سنة) شاب يقطن على بعد أقل من 500 متر عن توربينات الرياح، يدرك أن العواقب يمكن أن تكون وخيمة على صحته وصحة عائلته، قال  لنا “لا يقلقني منظرها المركب والمزعج بقدر ما يزعجني صوتها، خاصة في ساعات الليل المتأخرة عندما أكون منهكا وأريد النوم، يمنعني ضجيجها وانزعج منها حد التوتر وأصبح عصبيا. فأضطر إلى غلق الشبابيك وتشغيل المكيف”.

 

 

 

 

في حين يسبب التوربين لأسامة  ازعاجا فقط ولا يجعله ينام مرتاحا لبشاعة الصوت، شهد الوضع الصحي لحسين تطورا جعل حالته أكثر خطورة.

 

حسين اسم مستعار لشاب من العالية (25 سنة) خيّر عدم ذكر اسمه الحقيقي، يبعد منزله عن طواحين الهواء  حوالي  700 متر، بدأ سنة 2013 يعاني من آلام شديدة في الرأس واضطرابات في النوم  صار لا يحسن النوم في الليل كما في النهار وتطورت حالته إلى الأسوأ حتى تكوّن لديه اكتئاب حاد جعله يقدم على تنفيذ محاولات انتحار مرات عدة. سمع الشاب أيضا عن مضار التوربينات وأنها تسبب الاكتئاب فرجح أن يكون لها دور فيما آل إليه وضعه الصحي.

 

تعرف منظمة الصحة العالمية  الصحة بأنها ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ الجسدي ﻭﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﻭﺍﻟﻌﺎﻓﻴﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﻟﻴﺴ مجرد الخلو من المرض أو العجز. والكمال الجسدي هو أن لا يعاني الانسان من أي من الأعراض التي تسببها التوربينات.

 

وفقا لجمعية “توربينات الرياح بأي ثمن”  Eolienne à tout prix  فإن توربينات الرياح تسبب جملة من الأعراض على صحة الانسان من بينها الاكتئاب والتوتر والقلق، والدوار، واضطرابات في النوم حيث يمكن أن يؤثر صوت التوربينات على كمية ونوعية النوم، وعدم انتظام ضربات القلب، ويسبب الصداع ، والغثيان، ورأرأة (حركات العين غير الطوعية)، والرعشة، وضيق التنفس، واضطرابات في الدورة الدموية، والإسهال، وطنين في الأذن.

 

خلال فترة انجاز التحقيق، زار الفريق الصحفي لمجلة ميم محطة الطاقة الهوائية للتصوير فتأذى من صوت التوربين واشتكى من صداع متواصل طيلة يومين وطنين مزعج في الأذنين.

 

المدرسة الاعدادية باب رأس الجبل بالعالية تقع في مكان  يحيط به التوربينات من كل جانب، قمنا بقياس المسافات بينهما بواسطة صور الأقمار الصناعية التي يوفرها جوجل خرائط، وجدنا ارقاما تبدأ من 700 متر لأقرب توربين، فقصدنا المدرسة لسؤال التلاميذ عن الصوت.

 

 

 

شهادات كثيرة لتلاميذ أكدت في مجملها أنهم لا يسمعون صوتها عندما يكونون في  قاعة الدرس إلا أن تلميذة استدركت بالقول “ربما لا نسمعها بسبب التشويش وغلق الباب وجميع النوافذ”.

 

عند سؤال مدير المدرسة الاعدادية باب رأس الجبل محمد المكشاح حول ما إن كان بحث عن مضار التوربين وامكانية تأثيرها على صحة التلاميذ، قال “اطلعت على  دراسة هولندية اثبتت أن الموضوع خطير حتى على الأبقار الحلوب، إلا أني أعتقد أن جهازا كجهاز الدولة لو ثبتت مضار الطاقة الهوائية لما ركزت محطات قرب المساكن”، معتبرا أن الأولوية القصوى تعطى لحياة البشر على حساب كل المعطيات الأخرى.

 

 

 

 

التوربينات تزيد من انتشار الأمراض السرطانية في العالية

 منجي  يعي جيدا خطورة طواحين الهواء، قال إنه يعرف أن التوربين تصدر حقلا مغناطيسيا مسرطنا، كما أن والدته مصابة بمرض السرطان إلا أنه لا يعتقد أن للتربينات دخل في مرضها.

منى الساحلي أستاذة في معهد خاص بمدينة العالية قالت:

“لاحظت تفشي مرض السرطان بكثرة في المدينة حيث كنا نسمع عن حالة في السنة فبتنا نسمع كل شهر عن حالات جديدة، يخطف  الموت بعضهم في سن الزهور ويأتينا خبر وفاتهم في ظرف أسابيع من اكتشاف مرضهم”.

أثار الموضوع شكوك منى ودعاها للبحث عن الأسباب، فبحثت عن مضار توربينات الرياح التي تم وضعها على مقربة من المساكن. “صوتها المزعج يتلف الأعصاب ويتسبب في أمراض عصبية خطيرة كالاكتئاب ومع تفاعل عوامل صحية أخرى تساهم توربينات الهواء في انتشار مرض السرطان”، هكذا فسرت منى خطورة التوربينات على صحة المتساكنين في العالية، وقد بينت محدثتنا إلماما واهتماما شديدا بالمسألة.

وشبهت الشابة تأثير التوربينات بتأثير أعمدة شبكات الاتصالات لأن كليهما يكونان حقولا مغناطيسية مسرطنة. وفي محطة الرياح بالعالية تجد جمعا بين الاثنين أعمدة الشبكات والتوربينات.

 

مخاطر مجتمعة

 

 

وما دفع منى للبحث عن الموضوع تفاجؤ قريبتها الفرنسية التي قدمت لزيارتهم بعد تركيز التوربينات فنبهتها إلى أن قربها الشديد من المساكن قد يسبب  ضررا على صحة المتساكنين.

سامية اسم مستعار لشابة من العالية فضلت عدم كشف هويتها، تسكن على بعد حوالي 450 متر من توربين الهواء الأولى وأقل من 600 متر من الثانية. اقرت بارتفاع عدد الإصابات بمرض السرطان في مدينة العالية في السنوات الأخيرة.

والدة سامية شفيت من مرض السرطان الذي عانت منه طيلة سنتين، وبسبب تحليها بالصبر واكتسابها  لعزيمة قوية ووقوف ابنتها إلى جانبها ومواضبتها على حصص العلاج الكيميائي  شفيت الأم من المرض. لا تستبعد الشابة احتمال أن يكون الحقل المغناطيسي للتوربينات من بين العوامل التي مهدت لإصابة والدتها وانتشار المرض في جسدها بسرعة.

قالت الفتاة إنها قرأت عن مضار توربينات الرياح في كتاب، لا تتذكر عنوانه، منذ سنوات عندما كانت تعد بحثا دراسيا، وقالت إنها تعاني من  بعض الأعراض التي يسببها ضجيج التوربينات كاضطرابات النوم، مضيفة “أحيانا لا أستطيع النوم وجسمي يكون في حالة خمول وارهاق دائم”.

 

 

رد الشركة التونسية للكهرباء والغاز ورئيس الجمعية التونسية لطاقة الرياح

اتصلنا بالمسؤول في مركز محطة طاقة الرياح بالعالية – سيدي علي الشباب هشام سلامة لطلب مقابلته لنعرض عليه نتائج التحقيق وسؤاله عن  بعض النقاط الهامة، إلا أننا واجهنا الكثير من  التعطيل والمماطلة. فبعد أن حددنا موعدا يوم الثلاثاء 18 سبتمبر 2018، تم الغاؤه، واتصلت بنا الادارة المركزية للشركة التونسية للكهرباء والغاز لتحيلنا إلى مسؤول آخر من الشركة، شكري بن سليمان.

وعلل بن سليمان ذلك بأنهم يخافون من أن يتم نقل معلومة بطريقة خاطئة.

 


مركز محطة طاقة الرياح – سيدي علي الشباب

 

 

قال شكري بن سليمان، رئيس مجمع الانتاج الكهرومائي في الشركة التونسية للكهرباء والغاز، ” قبل تركيز مشروع حقل الرياح تم اعداد دراسة المؤثرات على المحيط التي  تشمل التأثيرات على البيئة والعصافير والمتساكنين. وقبله يتم التشاور مع سكان المنطقة حول المشروع، وذلك عن طريق اجراء استقصاء عام.

 

وعند سؤاله عن الدراسات الحديثة التي أثبتت ضررها ونادت بضرورة ابعاد التوربينات عن المناطق السكنية بحوالي 2 كلم، أجاب بأن هذا غير صحيح لكون صناعة التوربينات تطورت وصارت لا تصدر صوتا مزعجا وعاليا كما في السابق حين كانت تصدر صوتا بقوة 300 ديسيبال، أما الآن فأصبحت 50 ديسيبال فقط.

 

وعن تأثيرها على الفلاحين الذين يعملون في أراضيهم قال بن سليمان  إن الفلاحين والمتساكنين القريبين منها يتأقلمون مع صوتها ويتعودون عليه.

 

وعند سؤال نافع البكاري، المسؤول في وكالة التحكم في الطاقة ورئيس الجمعية التونسية لطاقة الرياح، عن سبب اختيار العالية لتركيز المشروع أجاب “تعتبر هذه المنطقة من أحسن المواقع من حيث قوة الرياح وسرعتها ” (9 متر في الثانية).

 

ولم ينكر البكاري وجود تأثيرات سلبية لتوربينات الهواء إلا أن الانتاج التونسي ضئيل وقد لا يصل إلى درجة التسبب في الضرر، وفق تعبيره.

 

ويؤكد البكاري على أن دراسة التأثير على المحيط يجب أن تكون مدروسة لكي نبتعد عن مخاطرها ولكن ورغم كل شيء تبقى طاقة الرياح صديقة للبيئة.

 

على ضوء ما سبق، نكتتشف لا مبالاة السلط المعنية بموضوع المخاطر الصحية للتوربينات وانكارهم لها، بالرغم من أن تجارب دول أخرى بينت تجاوب السلط التشريعية والقضائية حيال خطورة ضجيج توربينات الهواء على صحة السكان، واصدار أوامر بازالة التربينات القريبة من المساكن.

دراسة مشروع توربينات الهواء في العالية أُنجزت سنة 2009 فتم تركيزها على بعد 500 متر ولكن الدراسات الحديثة بينت وجوب وضعها على مسافات أطول، إلا أن المشروع بقي على صيغته الأولى ولم يتم تحيين الدراسة.

 

الوسوم

سوسن الزغواني

صحفية مسؤولة عن مواقع التواصل الاجتماعي للمجلة، حاصلة على ماجستير في الصحافة الاستقصائية ومهتمة بقضايا البيئة والمناخ وحقوق الانسان

مقالات ذات صلة

اترك رد