الرئيسيثقافةغير مصنف

 الامبراطورة فرح ديبا :تراجيديا العرش الضائع

خديجة بن صالح- مجلة ميم

 

 

هي تلك الفتاة الإيرانية الجميلة التي تحمل في إطلالتها الكثير من الرقة والنعومة والملامح الفارسية  التي لم يدر بخلدها يوما أن تكون إمرأة استثنائية. ولم يكن هناك ما ينبىء بأن  هذه الفتاة البسيطة ستنال لقب “الشهبانو” في لحظة ما فارقة في حياتها وفي تاريخ إيران المعاصر.

 

هي فرح التي لم يكن إسمها سوى نقيض مسيرتها الحياتية التراجيدية إلى حد كبير. فقد طرق الحزن باب هذه الطفلة الوحيدة  لأول مرة عندما توفي والدها سوهراب ديبا  الذي كان يعمل في الحرس الإيراني وكانت تبلغ حوالي عشر سنوات وكانت وحيدته المدللة ولم ترغب والدتها في إعلامها بوفاته.

 

 

 

وقد رأت عيناها النور في 14 أكتوبر عام 1938 بمنطقة تبريز الإيرانية ودرست فرح ديبا بالمدرسة الفرنسية في طهران قبل أن يستهويها مجال الهندسة المعمارية الذي درسته بالجامعة الفرنسية في باريس بعد حصولها على منحة دراسية.

 

 

 

وكان ذلك ايذانا بموعد مع القدر سيغير مجرى حياة فرح ديبا الرصينة الهادئة والبسيطة أيضا.

 

 

لقاء مدهش وزواج أسطوري

كانت الأقدار تخبىء لها عشقا شاهقا بلا  حدود وعرشا يعانق المستحيل لم تجرؤ حتى على مجرد الحلم به.

كان سخاء الحياة معها بلا حدود وهي تجد نفسها في قلب شاه إيران محمد رضا بهلوي ذاك الذي ترك أجمل النساء زوجته السابقة ثريا التي لم تحقق له حلم انجاب ولي العهد لكي  يرث عرشه وإمبراطوريته التي لا تغيب عنها الشمس.

 

 

وكما في الحواديث إلتقت فرح ديبا شاه إيران الذي كان يؤدي زيارة رسمية إلى العاصمة الفرنسية وأخذت به كما أخذ بها وسلبت لبه ولم تكترث هذه الشابة بالحواجز ما بينها وبين حاكم بلدها كما لم يفكر الإمبراطور في ما يمكن ان يفرقه عن هذه الفتاة الناعمة فقد أصغى لدقات قلبه فحسب.

وذات مساء كانت فرح ديبا مدعوة إلى عشاء امبراطوري انسحب منه الجميع ووجدت نفسها وجها لوجه مع رجل حياتها الذي طلب منها الزواج ووافقت دونما تفكير. كما تقول في مذكراتها.

 

 

 

ولم تخف من قوله ” أيتها الملكة ستكون لك مسؤوليات كثيرة تجاه شعبك ” ، فقد كانت مستعدة لكل شيء في سبيل هذا الحب الذي ساقه لها القدر.

كما لم تكن في تلك اللحظة معنية بتفاصيل حياته السابقة وهو الذي تزوج من الأميرة  المصرية فوزية شقيقة الملك فاروق وابنة الملك فؤاد قبل ان يصل الى العرش ولكن هذه الزيجة انتهت بالطلاق واثمرت ابنة واحدة هي شاهيناز بهلوي.

 

 

رضا بهلوي مع زوجته الاولى فوزية شقيقة الملك فاروق وابنتهما

 

 

ثم تزوج من ثريا اسفندياري التي أحبها حبا كبيرا وطلقها مضطرا بعد أن رفضت الزواج عليها وتمسك هو بحقه في انجاب ولي العهد.

 

مع زوجته ثريا

 

حدث الزواج الأسطوري عام 1959 . وكانت تفاصيل هذا الحدث الكبير كما تذكرها فرح ديبا في مذكراتها مفعمة بالسحر كما في الأساطير تناقلتها الصحافة العالمية وتحدثت عن فستان الزفاف الذي تمت حياكته من لدن ” كبرى بيوت الأزياء الفرنسية ” وقد طرّز بالماس واللؤلؤ كما قدت  أطرافه من فرو الفيزون.

 

عشرات المطرزات منكبات على تطريز فستان زفاف فرح

 

 

أما التاج والأقراط فقد قدّت من الماس والزمرد.

 

 

 

 

 

 الشهبانو أم   الصبي الحلم

ومنحت فرح ديبا لقب ” الشهبانو” او الإمبراطورة وهو اللقب الذي لم يمنح لغيرها. ورفلت في حياة النعيم والرفاه اللامحدود وعاشت تفاصيل حياة القصور بكل مقتضياتها ولعل الأهم من كل ذلك أنها أنجبت للشاه ولي العهد المنتظر الحلم والبشارة الذي كان موعودا به فجاء إبنها البكر ” رضا ” ثم ابنتها فرحناز وإبنها الثاني علي رضا ثم إبنتها ليلى.

 

 

وعكفت إمبراطورة إيران على عديد الأعمال التي قربتها من الشعب الإيراني . ورغم حياة القصور والترف الذي لا حدود له إلا انها كانت معنية بقضايا ومشكلات عموم الإيرانيين.

 

 

 

ثورة تقوض أسس عرش الطاووس 

لكن في ثنايا النعيم والترف كان الحزن يختبىء وكان الشجن في الإنتظار على أعتاب قصر الإمبراطورة فعصفت التحولات بإيران وثار شعبها ضد حكم الشاه ، ثورة عارمة أطاحت بالعرش الإمبراطورية وقوضت أسسه . حدثت الثورة الإسلامية في إيران وأسقطت نظام الشاه الذي غادر طهران يوم 16 جانفي يناير 1979 .

 

 

 

كانت وجهته الأولى مصر وتروي الكثير من التفاصيل عن رحلته الأخيرة وهو الذي ظلت طائرته تحلق طويلا في الفضاء ولم يجد من بلد يقبل بالسماح له بالنزول على أرضه. وفي الاخير قبلت مصر السادات احتضانه. وهي التي كانت منبوذة من اشقائها العرب والمسلمين بعد توقيع اتفاق كامب دفيد الذي اخرجها من الصف العربي.

 

طلبة إيرانيون معارضون لبهلوي في 25 يناير 1979

 

 

كان ذلك الحدث إيذانا بالتحول التراجيدي في حياة ” الشهبانو” وعائلتها وبقدر سخاء الحياة في منحها أكثر مما تمنت في تلك اللحظة كان انقلاب الأحداث والوقائع ضدها قاسيا ودراميا.

وربما يمكن اختزال حياتها في لحظات درامية حادة تشبه إلى حد كبير الأعمال الروائية والفنية الكبرى.

 

 رحلة الغربة والمنافي

 وانطلاقا من مصر تلونت المنافي في حياة فرح ديبا وأبنائها الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة حياة القصور والنعيم الذي كانوا يرفلون فيه والسلطة التي كانوا يمتلكونها.

وليس هذا فحسب فقد كانت الصحافة العالمية تمطرهم بأخبار وتقارير عن فساد والدهم واستبداده وتفضح ممارسات أفراد عائلته بعد سقوط نظامه.

 

 

وانتقلت الأسرة الإمبراطورية ما بين  منافي كثيرة فمن مصر إلى المغرب ثم جزر الباهاما والمكسيك ثم الولايات المتحدة الأمريكية وبنما ثم العودة إلى مصر.

وانتهى الأمر بفرح ديبا أرملة للشاه بعد أن توفي في مصر عام 1980.

 

في جنازة زوجها تمشي إلى جانب نيكسون

 

 

وكان ذلك إيذانا بتحول درامي اخر في حياة الشهبانو التي وجدت نفسها تتحمل مسؤولية كبرى وعليها أعباء نفسية فوق طاقة احتمالها .

وفي هذه المرحلة تقول فرح ديبا في مذكراتها أن الأرض على رحابتها ضاقت بأل بهلوي وعاشوا ضنك الحياة ورأوا الجانب المظلم من الحياة وهم الذين لم يعرفوا سوى حياة الرفاه والرخاء.  فبعد إغتيال الرئيس المصري أنور السادات وجدت نفسها مضطرة للرحيل مرة أخرى وكانت وجهتها الولايات المتحدة الأمريكية.

 

فرح مع ابنتها في المنفى قبل انتحارها

 

وكانت ارتدادات الحياة الجديدة حادة ومزلزلة على كيان هذه الأسرة وجاء إنتحار ابنة فرح ديبا كحدث تراجيدي.

فقد كانت ليلى في طفولتها أشهر فتاة في إيران وهي المدللة التي لا يرفض لها طلب ومع المنعرج الخطير الذي عاشته الأسرة عانت الفتاة من اضطرابات نفسية ومن مرض رفض الأكل للحفاظ على الوزن. وأنهت حياتها منتحرة في لندن2001

وهو المصير الذي لقيه شقيقها علي رضا أيضا الذي انتحر هو الاخر عام 2011.

 

مذكرات بطعم المرارة

وفي عام 2003 كتبت  فرح ديبا مذكراتها بثلاث لغات والتي حققت مبيعات كبرى وأثارت جدلا عالميا واسعا وفيها تتحدث عن نبوءة في طفولتها توقعت لها أن تتربع على عرش الطاووس.

 

 

وجاء عنوان النسخة العربية ” فرح بهلوي … مذكرات ” أو ” حب باق … حياتي مع الشاه”. وصدر عن دار الشروق المصرية وحضرة ” الشهبانو” حفل التوقيع الذي كان لافتا وقتها.

وتحتوي المذكرات على تجربة إنسانية مفعمة بالتفاصيل والاحداث والمشاعر ايضا . تطرقت فيها إلى حياتها العائلية ما قبل زواجها بالشاه وتفاصيل اللقاء الأسطوري الذي جمعها به واستحضرت ذكريات زفافها. كما أدلت بدلوها بخصوص الوقائع السياسية التي عاشتها إيران واعترفت فيها بحدة الصراع السياسي والتوترات التي عرفتها إيران في عهد الشاه وتخلى الولايات المتحدة الأمريكية عنه ودعم الرئيس الأمريكي جيمي كارتر للمعارضة الإيرانية ضمنيا وهو الذي لم يدرك الشاه كيف يتعامل معه ويجلبه لصفه.

كما تمعن في وصف حياة الأغتراب والمنافي في مرحلة ما بعد سقوط نظام الشاه.

وتختصر حياتها في بيت شعري للإيرانية فروغة فروغزادة ” الطير الذي استشهد  يتذكر رحلته جيدا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد