مجتمعسياسةغير مصنف

نيويورك تايمز: قضية خاشقجي تثير قلق المعارضين السعوديين في الخارج

ترجمات ميم

 

حين كانت ناشطة تعمل على الدفاع عن حقوق المرأة السعودية بصدد قيادة سيارتها في الإمارات العربية المتحدة، قام ضباط الأمن بسحبها من سيارتها، ووضعها في طائرة نقلتها إلى المملكة العربية السعودية، حيث وقع سجنها. وعندما رفض طالب سعودي مقيم في كندا التوقف عن تصوير مقاطع فيديو ينتقد فيها حكام المملكة ونشرها على موقع يوتيوب، سجنت السلطات السعودية اثنين من أشقائه يعيشون في المملكة.

 

بناء على ذلك، وعندما اختفى الناقد السعودي البارز، جمال خاشقجي بعد دخوله القنصلية السعودية في إسطنبول الأسبوع الماضي، لم تثر هذه الحادثة دهشة المعارضين السعوديين الذين يعيشون في الخارج. لكن الأمر اختلف إبان إعلان مسؤولين أتراك أنهم يعتقدون أنه قد قُتل. في حقيقة الأمر، وحتى بالنسبة لبلد لطالما استخدم أساليب الترهيب والإغراءات للسيطرة على المعارضين، يمثل احتمال اضطلاع الدولة السعودية في عملية اغتيال كاتب معارض مشهور في بلد أجنبي، تصعيدا رهيبا.

 

في الوقت الذي قام فيه ولي العهد محمد بن سلمان ببلورة رؤيته التي يسعى من خلالها إلى تحديث المملكة العربية السعودية، أظهر قدرا محدودا من التسامح مع منتقدي سياسة المملكة. فقد سجن العديد من الناشطين في مجال حقوق المرأة، واحتجز رجال أعمال وأفراد من العائلة المالكة منافسين له. كما امتدت يده لتطال المغتربين السعوديين، حيث عمل على ضمان بقائهم في صفه، مما يعني أنه بات من الخطير جدا أن يعبروا ٍآراءهم بحرية، حتى في الدول الأجنبية.

 

في الأثناء، لا يزال ما حدث لجمال خاشقجي غير واضح إلى الآن. وتجدر الإشارة إلى أن الاتصال به قد انقطع منذ دخوله القنصلية السعودية الثلاثاء الماضي. وحول هذه المسألة، صرح مسؤولون أتراك أن الصحفي المعارض تعرض للقتل على يد عملاء سعوديين هناك وتم التنكيل بجثته، في حين نفى مسؤولون سعوديون هذه الادعاءات، مؤكدين أن خاشقجي غادر القنصلية فور وصوله.

 

من جهة أخرى، أكد معارضون سعوديون يقيمون في الخارج أنه ليس لديهم أدنى شك في أن حكومتهم استهدفت خاشقجي بسبب مكانته البارزة. ويعد خاشقجي مقيما دائما في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان غاليا ما يظهر في البرامج التليفزيونية، كما أن لديه عمودا خاصا في صحيفة واشنطن بوست.

 

 

 

 

من جانبه، صرّح غانم الدوسري، وهو معارض منذ فترة طويلة يعيش في العاصمة البريطانية ولديه عدد كبير من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلا: “إنها رسالة واضحة للغاية موجهة لنا، مفادها ‘يمكن لأيدينا أن تصل إليكم أينما كنتم'”.

 

يوم الاثنين، طلب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من السلطات السعودية تقديم أدلة تثبت ادعاءاتهم بأن خاشقجي، الذي توجه إلى القنصلية لاستلام وثائق يحتاجها لإتمام إجراءات الزواج، قد غادر بالفعل مقر القنصلية. ووفقا لما نقلته وكالة الأناضول التركية، أورد الرئيس التركي، في إطار مؤتمر صحفي في العاصمة المجرية بودابست، أنه “في حال كان قد غادر القنصلية بالفعل، فعلى السلطات السعودية أن تثبت ذلك بأدلة مصورة”. وقد يؤدي مقتل خاشقجي إلى تقويض علاقة السعودية بالإدارة الأمريكية، التي أقامت روابط وثيقة مع الرياض.

 

عبر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن قلقه إزاء هذه المسألة، حيث صرح لفائدة المراسلين يوم الاثنين الماضي، قائلا: “لا يعجبني ما أنا بصدد سماعه عن هذه القضية. نأمل أن يتم حل المشكلة. في الوقت الراهن، لا أحد يملك المعلومات الكافية حول هذا الموضوع، ولكن هناك بعض القصص الرهيبة التي تدور حوله. وأنا لا يعجبني هذا الأمر”. من جانبه، دعا وزير الخارجية، مايك بومبيو الحكومة السعودية إلى “دعم إجراء تحقيق شامل حول اختفاء خاشقجي، وأن تكون شفافة بشأن نتائج هذا التحقيق”.

 

كرس ولي العهد، والحاكم الفعلي للمملكة، محمد بن سلمان، البالغ من العمر 33 سنة، جهودا حثيثة لتحرير المجتمع السعودي من خلال السماح للنساء بقيادة السيارة، وإضعاف قوة الشرطة الدينية التي كانت تتمتع بنفوذ كبير في الماضي، وتوسيع مجال الترفيه عن طريق السماح بإقامة الحفلات الموسيقية وإنشاء صالات سينما. ولكن تلك الإصلاحات جاءت مصحوبة بموجة استبدادية قوية ويد قمعية حاولت تكميم أفواه المنتقدين في الداخل والخارج، على حد السواء.

 

وقد طال الضغط الذي تمارسه الحكومة العديد من المعارضين السعوديين الذين يعيشون في الخارج. فقد خسر بعضهم المنح الدراسية التي توفرها الحكومة السعودية، في حين تم إغواء البعض الآخر بالعودة إلى أرض الوطن، حتى يقع إلقاء القبض عليهم أو ترهيبهم في حال أبوا التزام الصمت. وقد ألقي القبض على بعض أقارب عدد من المعارضين الآخرين أو منعهم من السفر. بالإضافة إلى ذلك، قال عدد من المعارضين إنهم باتوا يتجنبون الاحتكاك بالسعوديين الذين يعيشون في الخارج خوفا من أن يكونوا جواسيس، كما أنهم فضلوا عدم السفر لدول عربية، خشية أن يتم القبض عليهم وإعادتهم إلى ديارهم.

 

في هذا الإطار، أفاد عمر عبد العزيز، وهو معارض يعيش في كندا، قائلا: “إنهم لا يهتمون أبدا إذا كنت مشهوراً أو لديك عدد كبير من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي أم لا. كل ما يهمهم هو “إذا أقدمت على انتقادنا ولو قليلاً، فسوف نقوم بملاحقتك”.

 

لا يمثل المعارضون السعوديون كتلة منظمة ومتجانسة في حد ذاتها، بل يعتبرون مجموعة من الناشطين والكتاب وشخصيات معروفة على وسائل التواصل الاجتماعي، ذوي خلفيات متنوعة، يعملون على التعبير عن آرائهم بشأن مجموعة من القضايا المختلفة. وتنقسم المعارضة بين مطالبين بإسقاط النظام الملكي، وآخرين يدعون إلى إرساء المزيد من الحرية في ظل النظام الحالي.

 

 

 

 

برزت لجين الهذلول، وهي ناشطة حقوقية جريئة في مجال حقوق المرأة، بشكل واضح سنة 2014 حين تم حبسها لمدة 73 يوماً بسبب محاولتها قيادة سيارتها من محل إقامتها في الإمارات العربية المتحدة نحو المملكة العربية السعودية. بعد ذلك، حاولت الحكومة السعودية في مناسبات عديدة إسكاتها واعتقالها واستجوابها، وفقا لما صرح به أصدقاؤها. وفي شهر آذار/ مارس، أوقفتها سيارات أمنية على الطريق السريع في الإمارات العربية المتحدة، حيث كانت تدرس للحصول على درجة الماجستير. وقامت الشرطة بتقييدها، واقتيادها إلى المطار ليتم بعد ذلك إرسالها إلى المملكة العربية السعودية على متن طائرة خاصة، حيث تم سجنها هناك لبضعة أيام.

 

كما اعتقل ضباط الأمن زوجها فهد البتيري، وهو ممثل كوميدي سعودي معروف، حين كان بصدد تصوير عمل فني في الأردن. وتم وضعه في طائرة سعودية مكبل اليدين ومعصوب العينين، وفقا لما أورده أصدقاء الزوجين. وفي تعليقها على هذا الموضوع، قالت منال الشريف، وهي ناشطة حقوقية وصديقة للزوجين، في مداخلة هاتفية من مقر إقامتها في أستراليا: “يبدو الأمر وكأنك لا تتمتع بحصانة، يمكن القبض عليك في أي مكان وترحيلك بالقوة”.

 

بعد الإفراج عنها، ظلت لجين الهذلول بعيدة عن الأنظار، إلى أن اقتحم ضباط أمن مسلحون منزلها في شهر أيار/ مايو الماضي واعتقلوها. جاء اعتقال هذه الناشطة في إطار موجة اعتقالات طالت نساء قمن بحملات من أجل الدفاع عن حق  المرأة السعودية في القيادة، علما وأنه لا تزال معظمهن قيد الاعتقال. ومن غير الواضح إلى حد الآن ما إذا تم توجيه تهم رسمية لهن لارتكابهن جرائم.

 

نتيجة لكل هذه الأحداث، انفصلت الهذلول عن زوجها، الذي حذف من قسم المعلومات الشخصية على حسابه على موقع تويتر ما مفاده: “زوجها الذي يشعر بالفخر بها”. وفي شهر تموز/ يوليو الماضي، بلغت الناشطة سن التاسعة والعشرين وهي في السجن. وفي هذا الصدد، علقت الناشطة منال الشريف قائلة: “لقد أرادوا تحطيمها لأنها امرأة قوية للغاية”. في المقابل، لم تجب الحكومة السعودية على طلبات التعليق حول مساعيها لتكميم أفواه المعارضين المقيمين في الخارج.

 

صرح ولي العهد السعودي في مقابلة مع وكالة بلومبرغ، الأسبوع الماضي، أن بعض النساء اللاتي تم اعتقالهن متهمات بتسريب معلومات مهمة عن المملكة إلى وكالات الاستخبارات في كل من قطر وإيران، اللتين تعتبران عدوتين  للمملكة. وأضاف بن سلمان أن التغيير في المملكة العربية السعودية يتطلب دفع “الثمن” مقابل ذلك، تماماً مثلما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تطلب إنهاء العبودية اندلاع حرب أهلية عنيفة آنذاك.

 

وأردف محمد بن سلمان، قائلا: “نحن هنا نحاول التخلص من التطرف والإرهاب دون اللجوء إلى حرب أهلية، ودون منع البلاد من النمو والتطور، كما أننا نريد أن نحقق التقدم المستمر على جميع الأصعدة. فإذا كانت هذه الخطوة تتطلب دفع ثمن بسيط، فإن ذلك أفضل بكثير من أن ندفع دين كبير للقيام بها”. وأضاف قائلا: “نحن نحاول أن نتأكد من عدم إيذاء أي شخص قدر المستطاع”.

 

كانت المملكة تستخدم تقنيات مختلفة ضد المعارض المقيم في كندا، عمر عبد العزيز. وقد كان طالبا جامعيا حين شرع في انتقاد قادة المملكة على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي. نتيجة لذلك، وقع حرمانه من المنحة التي كان يتمتع بها، على حد قوله، وطُلب منه العودة إلى المملكة لحل هذه المشكلة. لكن عبد العزيز تقدم بطلب للحصول على اللجوء السياسي بدلاً من ذلك سنة 2014.

 

ومنذ ذلك الحين، أصبح له جمهور كبير يشاهد مقاطع الفيديو التي ينشرها على موقع يوتيوب. ومن خلال هذه المقاطع، كان عبد العزيز يسخر من قادة المملكة وينتقد سجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان. وحاول ممثلون عن الحكومة السعودية إقناعه بإيقاف نشر مقاطع الفيديو والعودة إلى بلده، إلا أنه رفض ذلك. نتيجة لذلك، تم اعتقال اثنين من أشقائه وعدد من أصدقائه الذين يعيشون في المملكة العربية السعودية.

 

في شهر آب/ أغسطس الماضي، توصل باحثون في “مختبر المواطن” التابع لجامعة تورنتو الكندية إلى أن قراصنة المواقع الإلكترونية، الذين يعملون لصالح المملكة العربية السعودية، قد تمكنوا من اختراق هاتفه المحمول باستخدام برامج تم اقتناؤها من شركة إسرائيلية. وأفاد تقرير صادر عن “مختبر المواطن” أن هؤلاء القراصنة قد تمكنوا من الوصول إلى “قائمة اتصالاته وصور عائلته الخاصة والرسائل النصية والمكالمات الصوتية المباشرة التي قام بتنزيلها باستخدام تطبيقات مراسلة معروفة”. كما كان بإمكانهم أيضًا تفعيل كاميرا الهاتف والميكروفون بهدف اعتراض المحادثات وأنشطة أخرى يقوم بها.

 

عبّر عمر عبد العزيز، البالغ من العمر 27 سنة، عن مدى اندهاشه إزاء جهود الحكومة الحثيثة لإسكاته. وفي هذا الصدد، قال عبد العزيز: “نعم، كنت أنتقد النظام الملكي. كنا نسعى لإرساء حرية التعبير، والدفاع عن حقوق الإنسان. لكن أن يصل الأمر إلى اعتقال أفراد من عائلاتنا، واختراق هواتفنا، واختطاف الصحفيين. لقد  أصبح هذا الأمر ضربا من الجنون”. وأضاف عبد العزيز، قائلا: “أنا مجرد شاب بسيط  لديه حساب خاص على موقع تويتر وقناة على موقع يوتيوب. إذا، فلماذا  يشعر محمد بن سلمان، أحد أقوى الرجال في العالم، بالخوف مني؟”.

 

الكاتب: بين هابرد

ترجمة مجلة ميم للمقال المنشور في  صحيفة نيويورك تايمز

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.