الرئيسيثقافةغير مصنف

“نساء الجزائر في شقتهن” لآسيا جبار: تحرير المرأة من مخدع دولاكروا نحو أفق الحقوق والحريات

غنية قمراوي- الجزائر- مجلة ميم

 

 

لا زالت “نساء الجزائر” تشغلن الساحة ويشددن إليهن الاهتمام دائما بنفس الزخم وبنفس الحاجة لمعرفة المزيد عنهن. مثل لوحة الرسام الاستشراقي الفرنسي أوجان دولاكروا “نساء الجزائر في مخدعهن” (1834)، تأبى المجموعة القصصية لآسيا جبار “نساء الجزائر في شقتهن” الصادرة عن دار “فام” سنة 1980 ان تبقى على رفوف المكتبات طي النسيان،إذ عاد النقاش مجددا  في مقهى أدبي بخصوص صدور ترجمة عربية للرواية من قبل فريق من الطلبة المترجمين.

 

 

ترجمة الرواية إلى العربية بجامعة الجزائر مشروع تعاون علمي وفكري بين المعهد الوطني للكتاب في الجزائر وفرنسا والمركز الثقافي الفرنسي، كلف به فريق من طلبة الترجمة بإشراف الأستاذ عبد القادر بوزيدة في خطوة لتشجيع ترجمة الأعمال الادبية العالمية من مختلف اللغات إلى اللغة العربية.

 

وخلال فعاليات المقهى الادبي المنعقد بقصر الرياس بالجزائر العاصمة، ركز المتدخلون على أسلوب آسيا جبار وطريقتها في الكتابة وموروثها الثقافي والفكري الذي كانت تنطلق منه، أكثر من التركيز على الترجمة نفسها. فآسيا جبار التي اختارت طوال حياتها اللغة الفرنسية كأداة للتعبير والتواصل والكتابة، احتفظت بلغتها الأم في التفكير، فكانت تترجم موروثها الجزائري بين عربي وأمازيغي إلى روايات عالمية عبر اللغة الفرنسية.

 

 

 

 

الأديبة الجزائرية، مثلما هو معلوم، ابنة مدينة شرشال الأمازيغية وعضو الأكاديمية الفرنسية، عاشت بين 1936 و2017 حالات غير منقطعة من العطاء والتفكير واتخذت من وضعية المرأة حاملا لقضاياها ومنهاجا لكتاباتها التي تؤكد الفرق بين حقبتين عاشتهما الجزائر: استعمار ثم استقلال، عبودية ثم تحرر وحجرات مغلّقة على نسائها ثم انطلاق…

 

المجموعة القصصية تحمل نفس عنوان لوحة الرسام الفرنسي أوجان دولاكروا “نساء الجزائر في مخدعهن” التي رسمها سنوات قليلة عقب الاحتلال الفرنسي للجزائر (1834)، وبقيت عنوانا خالدا في تاريخ الفن بوصفها نظرة مسروقة للرسام على العالم المحرم لنساء الجزائر وقتها. ومن شدة خصوصية اللوحة وما حملته من حالة وجودية من انبهار الرسام، أعاد دولاكروا رسمها مرة ثانية سنة 1849 من زاوية اخرى مع تغيير في بعض التفاصيل.

 

 

وعمد كثير من النقاد والمحللين إلى وصف اختيار آسيا جبار لهذا العنوان لروايتها الصادرة سنة 1980 بالذكاء الحاد منها لجلب الانتباه والزخم لعملها، مع التأكيد على أن محتوى المجموعة القصصية جاء مناقضا لنظرة ديلاكروا.

 

فآسيا جبار أسقطت اللوحة على واقع المرأة الجزائرية غداة الاستقلال. وبينما رأى الرسام كل ذلك الجمال في النساء الجالسات داخل الحرم والمستلقيات على الوسائد الحريرية للسمر على أضواء خافتة وأمامهن أرجيلة، ترقبهن عين الخادمة الواقفة استعدادا لتلبية طلباتهن، ما يدل حسبه على مجتمع مخملي كان يعشش داخل ذلك الحرم، راحت الروائية تسرد قصص النساء التواقة إلى الحرية والانعتاق من واقعهن “المرير” داخل مجتمعهن المحافظ واستعمار دام أكثر من قرن وربع قرن من الزمن.

 

“نساء الجزائر” للا كروا

 

وقد حرصت الدكتورة كوشكار فرشولي فاطمة الزهراء من معهد الترجمة المتخصصة في أدب آسيا جبار، على تبيان أسلوب الروائية الذي يحمل كتابة لغة الخطاب، فأسلوبها في حد ذاته ترجمة للخطاب الجزائري المتكون من عربية فصيحة ودارجة وأمازيغية، لتقدمه إلى القارئ في لغة فرنسية راقية.

 

آسيا جبار نقلت للقارئ عبر الفرنسية، حديث نساء الجزائر وشكاويهن، اهتماماتهن وانشغالاتهن، آلامهن وآمالهن. ونقلت عبر قصصهن رؤيتها الشخصية بل تجربتها كامرأة عايشت الاستعمار الفرنسي وعاشت طفولتها في مجتمع منغلق على نفسه محافظ على تقاليده، أكثر شيء يحجبه بأنانية عن أعين الآخرين كان المرأة.

 

وحملت المجموعة القصصية “نساء الجزائر في شقتهن” كثيرا من التناقضات. فبصرف النظر عن كونها حوار فنون بين رواية ولوحة، فهي تقابل نظرتين متناقضتين لرجل رسام وامرأة كاتبة، عن بداية الاستعمار وعهد الاستقلال، لنساء قابعات خلف جدران حرم مغلّقة ونساء قطعن شوطا في التحرر، لمجتمع حبيس عاداته القديمة ومجتمع في غليان وحراك تواق للإنطلاق نحو الافضل.

ولفهم وجهة نظر الروائية، مقارنة بريشة الرسام في موضوع نساء الجزائر، استندنا على ما كتبه الاستاذ محمد عبد الكريم أوزغلة من جامعة الجزائر 2 المتخصص في الأدب المقارن والترجمة، الذي طرح بنفسه سؤالا عن سبب اختيار آسيا جبار لنفس عنوان لوحة دولاكروا ليجيب بعدها “تقتضي الإجابة عن هذا السؤال البسيط المواجهة بين مشروعي حياة أو موت لأمتين، أو على الأقل تلاش مؤقت لإحديهما تحت إرادة القهر لدى الأخرى، على رقعتين ورقيتين، وكذا على الإقليم الجغرافي على امتداد أكثر من قرن وثلث القرن من الزمن أو بالأحرى التاريخ أو يزيد”.

 

 

ويضيف “إن نسخ عنوان بشهرة عنوان لوحة دولاكروا لهو، من جهة، لفتة ذكية وفعالة من جانب الأديبة الجزائرية في تسويق لعملها بلغته وشكله الأدبي وحمولته الوجدانية والثقافية الفنية والسياسية، وسط الجمهور الناظر والقارئ ضمن الأمتين المتواجهتين”.

 

ويشكل النسخ، من جهة أخرى، حسب الاستاذ أوزغلة “استبدال موضوع كان منفعلا في البداية مع دولاكروا لنساء مدينة الجزائر بموضوع صار فعالا مع آسيا جبار في المستويات: القومي والوطني والفردي والجنسي.

 

 

كتبت آسيا جبار وحرّرت “نساء الجزائر” من مخدع دولاكروا الاستشراقي الاستعماري، لينطلقن في جزائر الاستقلال نحو آفاق لهن فيها دور أكبر وأعظم من أسرة الحرير الوثيرة وألبستهن الداخلية وتدخين الأرجيلة بين جدران ذلك الحرم

 

 

“مقابل صورة نساء مدينة الجزائر الاستشراقية الاستعمارية البصرية: بما تعرضه من جسد المرأة الذابل والمغري، المحاصر والمسجون في زاوية ضيقة من مخدع موريسكي في مدينة الجزائر، جسد يستجير بمن يحرره كي يطلق العنان لطاقة الإمتاع والانعتاق باللّذة على نمط الاستعمار الفرنسي، تنشأ بالنسخ نفسه، مقابل ذلك، صورة محلية أصيلة مغزولة من جنس المادة التي تتقنها نساء مدينة وهي اللغة أو الحديث بشتى أشكاله ومستوياته التعبيرية والفنية”.

 

وعن الترجمة إلى العربية موضوع النقاش، والتي قام بها فريق من طلبة الترجمة وعددهم عشرة، يسأل الاستاذ من جامعة الجزائر 2 لماذا استعملت كلمة شقتهن في العنوان بدل مخدعهن؟ ويحلل حسب وجهة نظره “لا مفر من الاعتراف مقدما بأن الأدب حمال أوجه في دلالته وإيحائه، إلا أن تاريخ الاستعمالات اللغوية ودلالاتها في الثقافات المختلفة يقيد المترجم في اختياراته ويضبطها ويقربه من الموضوعية في اختيار العبارات والكلمات والصيغ اللغوية والصور الأدبية في لغة الوصول المقابلة لنظيرتها في لغة المنطلق”.

 

ويضيف “من هنا فالكلمة المكافئة دلاليا لAppartement الواردة في عنواني لوحة دولاكروا ومجموعة آسيا جبار، والتي تعني “لمسكن المؤلف من عدة غرف لاستعمالات مختلفة في بناية تضم عدة مساكن” ليست “شقة” كما في ترجمة فريق الأستاذ بوزيدة وكذا ترجمة “محرك البحث غوغل”، وإنما مخدع.

 

إن لوحة دولاكروا تظهر بوضوح جزءا من حجرة أو بيت نساء الجزائر وهو بالضبط مدلول كلمة مخدع، وليس مجموع الحجرات التي تتشكل منها “الشقة”.

ويدلل أوزغلة على ذلك بما ورد في معجم الصحاح للجوهري في شرح كلمة “مخدع” من أنها “البيت الصغير يكون داخل البيت الكبير”. ويستشهد صاحب المعجم على هذا المعنى وتخصيصه للنساء بقول مسيلمة “ألا قومي إلى المخدع، فقد هيئ لك المضجع…إلخ. فالمخدع إذن، هو الفضاء البيتي الحميمي المفرد والخاص بالنساء.

 

أما كلمة “شقة” فلم تعتمد في معاجم اللغة العربية إلا في سنة 1974 من قبل المعجمي اللبناني الأب جروان السابق في معجمه الوسيط ثلاثي اللغات.

 

وبنظرة المتخصص المدقق في التقنيات يتابع الأستاذ اوزغلة بخصوص ترجمة المجموعة القصصية في حد ذاتها بالقول “هي في الحقيقة ترجمة على ترجمة آسيا جبار ولكن من أية لغة؟ من العربية؟ من عربية شعبية؟ أو من عربية أنثوية؟ بقدر ما يمكن القول من عربية مدفونة -مخزونة- في جوف الأرض”.

 

إن مبدأ العمل هنا واضح ويتمثل في البحث عن لغة أدبية تشتق من اللغة والموروث الشعبي النسوي الجزائري قدر الإمكان، وهو ما يدفعنا للتساؤل، مثلا، عن وجاهة اختيار كلمات من قبيل «خجل» الفصيحة في عبارة “يشربون الخمر بلا خجل” مع وجود كلمة «حشمة» الشعبية والفصيحة في آن. أو كاختيار «المنبع» في عبارة “كان التقى بها في طريق المنبع”، مع وجود كلمة «العين» المتداولة في اللغتين الشعبية والفصيحة.

 

وفي خلاصة لطرحه الدقيق في الموضوع، ينتهي الناقد إلى “إننا نلمس منذ السطور الأولى لترجمة المجموعة ارتباكا واضحا في التقيد بخصوصية النص القصصي صياغة ومعنى. وربما يعود هذا إلى جماعية هذه الترجمة، حيث توزع المجهود اللغوي والفكري والذوقي والجمالي على أنامل كثيرة أضاعت بين أطياف رؤاها المتعددة وحدة بصمة المبدعة الأولى بالرغم من المجهود المبذول من قبل أفراد الفريق المترجم ومنسقها”.

 

سيظل النقاش حول جوانب عدة من مجموعة الأديبة آسيا جبار الصادرة عام 1980، ثم طبعتها المزيدة عام 2001، مجهودا فكريا ملهما لحلقات نقاش ونقد وحراك غير مستكين، خاصة مع اطلاق تجربة إعطاء الفرصة لطلبة الجامعة بالترجمة الجماعية للأعمال الأدبية، وهي فرصة ثمينة وورشة جيدة لامتهان حرفة الترجمة، ينقص ان تنخرط فيها كثير من الهيئات بالدعم المالي والتشجيع لحملها على طرح الثمار مثلما حملتها دار النشر “حبر” التي طبعت النسخة المترجمة للعربية بتعاون مع هيأة الكتاب.

 

أما عن آسيا جبار فقد كتبت وحرّرت “نساء الجزائر” من مخدع دولاكروا الاستشراقي الاستعماري، لينطلقن في جزائر الاستقلال نحو آفاق لهن فيها دور أكبر وأعظم من أسرة الحرير الوثيرة وألبستهن الداخلية وتدخين الأرجيلة بين جدران ذلك الحرم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.