دين وحياة

“مسجد سيدي لخضر” أين درس العلاّمة ابن باديس: ماض مجيد وحاضر مؤلم

 

يشهد مسجد سيدي لخضر، عمليات ترميم ضمن مشاريع ترميم المساجد بالمدينة القديمة بقسنطينة الجزائرية، انطلقت منذ سنة 2015 ولم تنتهي بعد.

 

ويعد مسجد سيدي الأخضر، من أعرق المعالم الدينية في مدينة قسنطينة الجزائرية، حيث يعود تاريخ بنائه إلى سنة 1743م، فترة حكم الباي العثماني “حسن بن حسين” المعروف ”أبو حنك” الذي حكم قسنطينة 18 عاما من عام 1736 إلى 1754م. ويقع المسجد، الذي يسمى ب”الجامع الأخضر” و”الجامع الأعظم”، بحي الجزارين قرب رحبة الصوف.

 

رحبة الصوف بقسنطينة

 

يتميز مسجد سيدي الأخضر بطرازه المعماري الذي لئن يغلب عليه الطراز المعماري للمغرب العربي، والذي يتجلى في شكله الخارجي ولونه الأبيض الطاغي وطول صومعته الواقعة بجاور مبنى المسجد، فإنه لا يخلو من طابع الطراز العثماني، الملموس في شكل المئذنة المثمنة الشكل والتي نجدها تقريبا في أغلبية المساجد التي بناها البايات العثمانيين في الإيالات المغاربية التي تولوا حكمها، علاوة على السقف والأعمدة الخشبية والجدران السميكة التي تحفظه من الحرارة صيفا والبرودة شتاء، ولعل ذلك قد ساهم في محافظة المسجد من تصدع 275 عاما بما في ذلك 132 عام من الاستعمار الفرنسي، رغم أنه شهد حادثة تاريخية سنة 1934م.

 

انتفاضة قسنطينة 1934

تروي الوقائع أنه في 5 أوت/ أغسطس 1934،  أقدم يهودي يدعى “إيلياهو خليفي”، على التبوّل فوق حائط مسجد سيدي لخضر، وأخذ يسب ويشتم المصلين الحاضرين بالمسجد، وتطور الأمر إلى قيام اليهودي وزوجته بشتم المسلمين من نافذة محلهما وانضم إليهما  جيرانهم من اليهود، وتطوّر الوضع إلى غاية إقدام اليهود على صبّ كوانينهم على رؤوس السكان ورميهم بالرصاص، رغم محاولات الشيخ العلامة ابن باديس والدكتور بن جلول تهدئة الأوضاع بادئ الأمر.

غير أن تطاول اليهود بدعم من قوات الاستعمار، أدى إلى تفجر أهل قسنطينة الذين انتفضوا على الظلم والطغيان، في يوم تاريخي، عرف بانتفاضة قسنطينة 1934، واندلعت معركة دموية أسفرت عن سقوط العديد من الموتى، و كانت الهزيمة الكبرى لليهود بسقوط ما يزيد عن 120 يهودي.

وفي اليوم التالي شيع اليهود قتلاهم في جنازة بالآلاف وساروا من” رحبة الصوف” إلى مقبرة الأمير عبد القادر “الفوبور”، في حين شيعت جنازة المسلمين في سرية تامة بأمر من الشرطة الفرنسية.

 

صرح علمي

إلى جانب مكانته التاريخية وارتباطه بتاريخ العثمانيين في الجزائر وتحديدا في مدينة قسنطينة، مثل مسجد سيدي الأخضر مركزا علميا وصرحا تثقيفيا وتوعويا، في مرحلة أشعت فيها جمعية العلماء المسلمين، التي شجعت على العلم لمحاربة الجهل والاستعمار، حيث يروي المؤرخون أن المسجد الأخضر كان أحد قلاع الدين والعلم التي حفظت للأمة دينها وهويتها طيلة فترة الاستعمار.

واتخذ العلامة ابن باديس من المسجد الأخضر مدرسة لتكوين النخبة التي حملت مشعل الإصلاح وأخذت بيد الأمة تعلمها دينها وتصحح عقائدها وتوحد صفوفها ضد الاستعمار،  وقام بالتدريس وتفسير القرآن، بالإضافة إلى فنون من علم اللسان، لمدة 25 سنة.

ومما وثق أيضا أن عدد التلاميذ الذين يدرسون العلم الشرعي في كل من الجامع الأخضر ومسجد سيدي قموش بلغ عددهم 200 طالب كان ابن باديس يجمعهم في نهاية السنة في حفل بهيج يكرم فيه المتخرجين ويحثهم على العمل لدين الله عز وجل ويرغب من حضر الحفل من غير الطلبة على الالتحاق بركب العلم.

 

سنوات ولم يرفع الأذان

رغم أنه يعد من أعرق المساجد في مدينة القسنطينة الجزائرية، إلا أن المسجد قد أغلق منذ سنة 2015، ضمن مشروع إعادة الترميم، الذي لم ينته منه إلى يومنا هذا حيث ماتزال الأشغال مستمرة، وتدرج بين الحين والآخر في طيات النسيان، وأسكتت مئذنة المسجد التي غمرت الحي لأكثر من قرنين.

 

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.