دين وحياة

صبري مدلل عمود الإنشاد الديني الحلبي في العشرينات

 

 

يعرف ب”الحاج صبري”، كما يكنى ب”آخر شيوخ الطرب بسورية”، هو الفنان صبري مدلل الحلبي، الذي برع في فن الموشحات والقدود الحلبية، وذاع صيته في ترداد التواشيح والأذكار الدينية ومدح خير البرية.

 

ولد صبري مدلل في حي المشارقة في حلب سنة 1918م، خلال معركة حلب التي حدثت في القرن العشرين بين فيصل الأول وكمال أتاتورك، وضمت على إثرها حلب إلى مملكة الحجاز.

اهتم والده بحسن رعايته وتعليمه، فكان يصطحبه إلى المسجد لحضور الأذكار والأناشيد الدينية، وحين بلغ ال12 من عمره، حمله والده إلى الشيخ “أحمد المصري” لحفظ القرآن الكريم وتجويده. ولجمالية صوته أثناء ترتيل الذكر الحكيم، كرمه شيخه برفع آذان صلاة الجمعة.

ومما نقل عن الباحث الموسيقيّ، رفائيل أونجي، قوله ” أنّ الأذان والتّجويد القرآنيّ كان لهما دور مهمّ في صقل صوت صبري مدلّل منذ طفولته، وقد استمرّ في أداء الأذان ما يقارب السّبعين عامًا”.

 

 

 

رفقة البطش

لغاية في نفس الشيخ أحمد المصري، أراد من الفتى صبري أن يتعلم أيضا الغناء والموسيقى، ولأنه كان من المحظورات في المجتمع الحلبي آنذاك، أخذه خلسة إلى أستاذ الموسيقى والملحن المعروف، الذي ذاع صيته آنذاك، عمر البطش، الذي انبهر هو الآخر بصوته، وانكب يعلمه فن الموشحات والقدود وعلوم المقامات والأوزان والضروب والعزف على العود والدف.

ومن ثمّة أصبح رفيق معلمه البطش في الحفلات التي تقام في مدينة حلب، إلى أن أصبح شيئا فشيئا يقيم الحفلات بمفرده، إلى أن ملأت شهرته المدينة.

ومن الحفلات التحق فنان القدود الحلبية إلى الإذاعة، من خلال تقديم وصلة أسبوعية في فن التواشيح، إلى جانب عمر البطش، الذي كان يعمل على إحياء التراث من موشحات وقدود.

 

 

تأسيس الفرق الدينية

وتروي المراجع، أن والده لما علم بعمل صبري في الإذاعة رفض ذلك، فما كان منه إلا أن تركها إرضاء لرغبة والده. ولأن حلب عرفت بمدينة الإنشاد الديني، حيث كان الأذان في حلب يمثل شكلًا من أشكال التّعبير، إذ جُعِلَتْ له أشكال تعبيريّة موسيقيّة مختلفة، وظهرت فيها الفرق الصوفية وتوزعت زواياها بكل الأحياء، انصرف  صبري مدلل الى تأسيس الفرق الدينية، والتي عرفت ب”فرقة صبري مدلل للاغاني التراثية”، وهي فرقة تراثية، مدحية، قرر بعثها خلال لقاؤه بمطرب ومنشد المدائح النّبويّة، فؤاد خانطوماني سنة 1954، ومن أول الأناشيد التي ماتزال محفوظة هي “صلاة الله ذي الكرم على المختار في القدم”.

وكان لها الفضل في انطلاقة فرقة صبري المدلل، التي ضمت أصواتا أخرى عملاقة، على غرار  حسن الحفّار ومحمّد الصّابوني، في المشرق والمغرب.

 

 صوت لا يعرف الحدود

عشق فنان الموشحات الدينية الحلبية، صبري مدلل للمدائح الدينية والتّواشيح والأذكار، لم يمنعه من أداء أعمال تراثية فنية طربية، من أعمال كبار الفنانين والملحنين والمطربين، فغنى وفرقته  أعمال القصبجي، وسيّد درويش، وزكريّا أحمد، وغيرهم من كبار الملحّنين، ومن أبرز ما أدّاه “هو صحيح الهوى غلاب”، لكوكب الشرق أم كلثوم، التي عبق فيها بصداحة حنجرته الملتهبة طربا وإبداعا.

 

 

 

هذا الإبداع تجلى من خلال أداءه للموشحات بالمكتوبة بلغة الضاد، فغنى مقاطع المألفة من الأبجدية العربية والتراث الصوفي، باتقان دون القطع أو التنفس، مع احترام السلم الموسيقي ومختلف الأوزان والمقامات، مع إجادته الارتجال والغناء العفوي.

 

 

 

 

دامت مسيرة  الفنان التواشيح الدينية صبري مدلل، إلى سنوات متقدمة من عمره، ولم يقرر الإعتزال إلا حين بلغ من العمر عتيا، وأعياه المرض، وهو في ال80 من عمره، إلى أن رحل في ال19 من شهر أوت/ أغسطس 2006، مخلفا وراءه إرثا كبيرا من التراث الطربي الأصيل والألحان الشجية، التي حفظت في الانترنات وفي المواقع الالكترونية والافتراضية، فيما محيت الأعمال الملموسة والشرائط والكاسيت والكتب مع ركام مدينة حلب في السنوات الأخيرة.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد