اختيار المحررينثقافة

“دون كيشوت في المدينة”: رحلة بحث عن الحداثة الروائية

 

 

مثلت رواية “دون كيشوت” مرحلة جديدة في عالم الأدب، قطعت مع القديم نحو البناء والتجديد، فكانت بداية تحول أدبي نحو الحداثة عبر بوابة الرواية.

نشرها صاحبها ميغيل دي سرفانتس على جزئين بين 1605 و1615 واعتبرها الكثير من النقاد بمثابة أوّل رواية أوروبية حديثة، أسّست لأبعاد جمالية وفنية وأثرت في الأعمال التي لحقتها سواء منها الروائية أو غيرها.

 

وقد أطلق بيت الرواية التونسي، تظاهرة “دون كيشوت في المدينة” التي تتواصل أيام 10 و11 و12 أكتوبر 2018.

 

 

تتمحور حول طبيعة “دون كيشوت”، الرواية المؤسسة للحداثة باعتبارها ارثا إنسانيا ثقافيا في المجال الأدبي والفلسفي، حتى أنها تعدّ “نسق تفكير ضدّ السّائد والمكرّس والنّمطي والسّلطوي”.

وتتناول التظاهرة محاور مختلفة تتداخل فيخا مختلف أقطاب مدينة الثقافة التونسية من المكتبة السينمائية إلى عروض مسرحية وتشكيلية وندوات فكرية.

وتتراوح هذه الندوات على محاور أولها، دون كيشوت والحداثة الرّوائية، وثانيها دون كيشوت والتلقّي العربي، فيما يتمحور الثالث حول رواية دون كيشوت واستلهاماتها واقتباساتها إلى الفنون المسرحية والسينمائية والتشكيليّة.

يأتي ذلك بحضور جملة من الروائيين والباحثين والنقاد والمبدعين، التونسيين والعرب، أكدوا على أهمية الرواية لاعتبارها عملا إبداعيا اختلف النقاد حول تصنيفه وأسلوبه وقدرته على بلوغ هذه الجماهيرية العريضة.

وأكد عبد الحليم المسعودي، ممثل وزارة الثقافة خلال كلمته الافتتاحية أنّها تمثل حوارا للخيال المبدع حول فن الرواية ومتاهات السرد من خلال “دون كيشوت” الذي يسكن جغرافية الأدب العالمي والانساني”.

من جانبه أكد مدير بيت الرواية، كمال الرياحي، أن في كل منا دون كيشوت، وهو المعنى الراقد في كل واحد منا، حتى أضحى شخصية بارزة في المسرحيات والافلام واللوحات لتوفر الفرجة من خلال الرواية التي أعلنت عصر الحداثة وأجهزت على عصر الفروسية.

 

 

وتابع في كلمته، “ما يعنينا ليس مصير الشخصية في الرواية بل حلمها وصراعها من أجل إثبات ذاتها والقيم االتي خرجت من أجلها لتصارع الطواحين”.

وتتحدث رواية “دون كيشوت” عن “ألونسو كيخاتو” الرجل الخمسيني المولع بقراءة روايات الفروسية، التي كان يصدقها حتى قرر أن يصبح فارسا بنفسه ليخوض مغامرته حاملا درعا قديما وخوذة بالية وحصانه الضعيف معه، مستخدما عبارات قديمة ومتمثلا دور المنقذ، حتى أسماه الناس بدون كيشوت ورجل الظل الحزين.

وأقنع جاره البسيط سانشو بانثا ليرافقه في مهمته على أن يقوم بتسميته زعيما على إحدى الجزر فوافق.

محمد القاضي دون كيشوت رواية ضدية؟

يرى محمد القاضي وهو جامعي متخصص في الأدب، العلاقة بين دون كيشوت وما يعرف باسم الرواية المضادة أو الضديدة هو مفهوم ملتبس له تاريخ توقف في مرحلة معينة.

وقد بدأ مع رواية الراعي الغريب للكاتب الفرنسي، شارل سوريل، الذي أضاف اليها في جزأها الثاني عبارة “الرواية المضادة”.
وضعفت الفكرة، وفق القاضي، قبل أن تعود بقوة مع جون بول سارتر في أحدى مقدمات رواياته التي أكد فيها أنها تتنزل ضمن هذا لنوع الأدبي مضيفا أن الكثير مما كتب القرن العشرين تنزل في إطار هذا المسمى.

 

 

وأكد القاضي أن هنالك قرائن تاريخية ونصية تثبت أن سوريل اطلع على “دون كيشوت” وأن نصه الذي جاء في قطيعة مع الرواية الرعوية ليس إلا نسخة مستعادة من الرواية، التي جاءت انتقادا لروايات الفروسية.

وبين أن هذا الرأي يخدم “دون كيشوت” لأنها تمثل النبع الذي نهل منه عدد من الروائيين بداية من القرن ال17 وصولا الى القرن ال20.

وهذا التقريب بين الروايتين وإن كان يثبت ان دون كيشوت كان نقطة انطلاق للحداثة الروائية يبقى إشكال منهجي وتاريخي انها رواية مضادة أو لا، وفق قوله.

وتساءل ان كانت مضادة فأولى بها أن تكون رأسا قائما وإن لم تكن رواية مضادة، فكيف يمكن أن ينهل منها كاتب الرواية المضادة ولا تكون مضادة؟

ولحل هذا الاشكال استنتج أنها “ليست رواية مضادة وأنها أنجبت بنات من غير رحمها ينتسبن إليها وهي من هن براء”.
وقال “دون كيشوت هي رواية انتقاضية أي أنها ليست رواية تريد أن تجدد الكتابة الروائية بل هي كتابة تطرح جانبا كل التراث السردي السابق في حين أنّ الروايات المضادة تريد أن تكون وجها آخر جديدا للرواية التي كانت تكتب”.

وتابع ” لتوضيح الفكرة نحتاج إلى مصطلح غير أدبي وهو المصطلح الأيديولوجي في الأدبيات الماركسية الذي عادة ما يقابل بين الثوري والإصلاحي”. و”الثوري من يقول أن كل شيء يجب أن يقوّض أما الاصلاحي فيقول يمكن أن يبقى لكن نحاول أن نصلح بعض الجوانب”.

ورواية دون كيشوت بذلك “هي رواية ثورية لا تريد أن تصلح الراهن ولا الواقع ولا تريد أن تضيف إليه بل أن تنسفه نسفا، في حين أن الرواية المضادة هي رواية إصلاحية تضيف إليه ما ترى أنه ضروري للكتابة الروائية” وفق القاضي.

 

واسيني الأعرج: المفارقة والسخرية لتدمير اليقين الوهمي

أكد الأديب الجزائري على أهمية الأسلوب الفني المعتمد في رواية “دون كيشوت” على غرار “لعبة الأقنعة”، التي اعتمدها سارفانتس، باعتبار أنه كتبها خلال ذروة محاكم التفتيش بعد سقوط الأندلس.

وقد مررها الكاتب من خلال قناع “سيدي حمد الأنجلي”، وهي شخصية غير موجودة في الحقيقة وفق الأعرج الذي بين أن القناع في حدذ ذاته هو أدب لأن من وراءه سينتج نصّ محميّ، مشيرا إلى قصيدة حيزية الجزائرية التي تقوم على نموذج لعبة القناع.

وتابع أن القناع “جزء من المنجز الأدبي حيث يتحول إلى رمز للحرية، حتى أن شخصية دون كيشوت نفسها هي مثال للحرية حيث ترك ألونسو كل شيء لينطلق من شيء هو يؤمن به ويذهب وراه حتى النهاية وإن كانت هذه النهاية هي الموت”.

 

 

كما تحدث الأعرج عن عبقرية التخييل في هذا النص في تدمير مجتمع الفروسية الكاذب وتأسيس فروسية أخرى مهزوزة ولكنها أكثر صدقا من الأولى.

وبدا ذلك من خلال جملة تتكرر كثيرا “يجب أن نخوض الحرب حتى عندما نشعر أننا سنهزم، قوتنا الوحيدة هو أن لنا شرف خوضها”. وهي مبنية عن قناعة مسبقة.

وتحدث في هذا السياق عن لعبة المرايا التي يرى الكاتب نفسه فيها في مواجهة محاكم التفتيش التي يريد أن يحاربها.
وقال الأعرج أن سارفنتس كتب 3 فصول عن الجزائر لأنه كان أسيرا في البلاد لمدة 5 سنوات وأثرت فيه. كما كان له هامش من الحرية لأنه صديق حسن فنزيالو لميولاتهما الجنسية المثلية.

وعن السخرية في الرواية، بين أنها تحولت إلى اداة حادة لخوض حرب غير مضمونة وهي حرب قاسية ووجودية بالنسبة له ولقرائه، مضيفا “لو كان لهذه الرواية صياغة عادية لما كان لها هذا الصدى لأنه عندما تفقد سلاحك المباشر للدفاع على نفسك تصبح السخرية وسيلتك”.

المنصف الوهايبي: رواية ذاتية

في المقابل قال الشاعر والأكاديمي المنصف الوهايبي، إن “دون كيشوت” تندرج ضمن أدب الرواية الذاتية، حيث كان سارفنتس يصارع طواحين السرد خلال كتابتها.

وأضاف في حديثه عن الرواية” هي من الأجناس التخييلية فلا تندرج في الترجمات ولا ضمن فن التراسل.

وأضاف أن “السرد عادة مهما كان نصيبه من الواقع لا يعدو كونه تخيلا وافتراضا وخير دليل على ذلك هو اختصاص أثر اللغة نفسها والصلة الوثيقة بين الأخبار والحكاية”.

 

 

 

كمابي الوهايبي طبيعة العلاقة التركيية الزمنية بين السرد والأحداث المنقولة والاستطرادات والحكايات المصاحبة للعمل التي اعتبرها سليلة مؤثرات عربية أندلسية.

وأكد على واقعية الرواية الذاتية على غرابة أحداثها، معتبرا أنها مدونة و ثمرة عمل جمالي معقذد من سعي المؤلف، يتمثل في صنع جهاز سردي يندرج فيه السارد والحبكة والموضوعات والأسلوب، التي تؤول إلى سياسة الكتابة ومقصد المؤلف المتضمن.

وقال “يلتبس مقصده بأفكار المؤلف وحالاته بل هو أدب يشي بصاحبه فالصوت السردي نستمع اليه مخالسة وكأننا نسترق السمع، إذ لعله متكلم صامت أو صوت أخرس”.

يذكر أن التظاهرة كانت مرفقة بعرض موسيقي وعرض للرقص إضافة إلى قراءة لقصيدة “رحلة دون كيشوت الأخيرة” لممدوح عدوان بصوت الشاعر التونسي أدم فتحي.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.