مدوناتغير مصنف

المتأخٍّرون عن الحياة!

 

 

غطّ الكلّ في نوم عميق، وحدي بقيت كالمعْلم العتيق! أنصت لدقات قلبك المتسارعة، لست أدري أأحرسك من الانتظار أم أحرس آمالك من الانتحار. أراك تقلّب ناظرك في عيون طفل حزينة، تمعن النظر في ملامحه الشجينة، تبحث عنك في عينيه وعنهما فيك بعد هذه السنوات، كأنك لا تتذكر شيئا عدا أنها كانت الصورة المكمّلة لملفّ التحاقك بالمدرسة لأول مرّة، وها هي تكمّل اعتقادك بأن حياتك تفتقد المسرّة!

 

عميق هو الشبه؛ ذاك الذي يربط بين نظرات الحزن والخيبة تلك وبين ما آل إليه وضعك اليوم! أنت لا تراني وأنا أقلّب معك صفحات الليل وعتمة الألبوم، لكنني أتفهّمك؛ أشعر بك وأحسّك، وها أنت تخرج كالحمّى على شفاه أوراقي الليلة! فأي نوع من الأقلام يداويها وكم من سطر يكفيني لأكتبك فيها فأواسيها!

 

أراك تتصفح شريط قدرك في عينيك قبل أزيد من عشرين سنة، تردّد بصوت خافت “هذا أنا”، أسمعك تتساءل إن كان الحزن المرسوم فيهما قدرك هذا الذي تعيشه اليوم، أسمعك تتساءل إن كانت تلك النظرات تنبؤات، أراقبك تقارن عينيك بعيون أشقائك على الصور الأولى وقدرك هذا بأقدارهم، وبؤسك بأفراحهم، وجديّة الحزن في عيون الطفل الذي كنت عليه بلامبالاة عيونهم. أسمعك تهمس “ما أشبهني بالورقة الخضراء امتصّ الخريف روحها فاصفرّت وما أشبه عيوني بقدري، كأنّها كانت تعلم أن الحياة منذ البداية مجرّد خيبات”!.. بالله عليك لا تقل ما أشقاني وهذا البحر أين ألقاني، قل تأخرت وسأصل. نعم ستصل، ألم يقولوا إن ألذّ الثمار وأجودها تلك التي تأتي من أشجار بطيئة النموّ؟! ألم يقولوا إن عادة النجوم أن يصلوا متأخرين يا صاحب السموّ؟

 

يااه.. ما أشبهك بشجرة اللوز هذه التي ترقبك معي! أتدري أنّ عودها لولا الحرّ والشمس لما اشتدّ ولولا الجفاف لما تمدّد؟ بعض القسوة يا صديقي لم تخلق إلّا لتعلّيك للسماء وإنّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار وإنّ منها لما يشّقّق فيخرج منه الماء! ثمّ من قال إن البذور تموت بالدفن؟ بل تتغطى بالتراب حتى تطمئّن وتدخل في سبات صحّي كاف للقاء الحياة، إنّها تنمو ببطئ ليس إلّا لتثمر بغزارة. نعم تأخّرت بذرة اللوز يا صديق واستغرق الفلاح سنوات في الانتظار لكنها في الأخير أورقت وأزهرت وارتفعت وأثمرت وكذلك أنت، ستورق وتزهر وترتفع وتثمر.

 

 

أيّها المتأخرون في الدراسة والعمل والحبّ والزواج والأمومة والأبوة فَالحياة، مع الحياة نحن مجبرون على الانتظار، مجبرون على تحمّل ضريبة الأحلام الكبيرة والطموحات الطويلة

 

 

سمعتك ذات ليلة وقد انتبذت من العالم مكانا شرقيا تردّد قائلا: “وما بال الليل لا يرفع نقابه لأرى وجه الصباح؟ يقولون الدنيا حبلى بالصباح إذا ما الغد لاح وما يدريني علّ حملها كاذب يتوهّم الأفراح”! سمعتك تقول إنّ الدنيا غابة، شمس غطّتها سحابة، أرض أضحت خرابا، أيام تغّشتها الكآبة ولم تعد تصلح للمزيد منك. نعم دروب الغابة وعرة قد تجوع فيها وتعرى لكنّك مع الله لن تشقى وسيشرق الصباح فيك ومن حولك يا صديق. عش حدادك بكل ما أوتيت من حزن الليلة وغدا عد وانتعش، عش مع الآخرين حياتهم واستمرّ في مشوار الكفاح لأجل حياتك، فالدنيا أخذ وعطاء.

 

أعلم أنّك تأخرت في الدراسة وأنك قدّمت لها بإخلاص ومع ذلك لم تطلق بعد مقاعد الجامعة سراحك، أعلم أنّ أحلامك تعرّضت لهجوم القراصنة، وأنّ الوطن كان قاسيا في فرض الأدوار وأساء توزيع المراتب، أعلم أنّك تأخرت في إيجاد عمل وتشعر بالضياع دون راتب، فأنت اخترت أن تكون شامخا مستقلا كشجر اللوز لا نباتا متسلقا لا ينمو بمفرده ويركب ظهر غيره ليصل إلى الشمس. أعلم أنك تأخرت في الحبّ والزواج وبقيت تصفق للآخرين في أعراسهم، أعلم أنّك تتوق للأعداد الزوجية وأنك سئمت من زنزانتك الانفرادية، أعلم أنك تغبط كل اثنين مارّين من أمامك يشدان أيادي بعضهما البعض ويتراشقان بالبسمات والضحكات، أعلم أنك مللت من مائدة الطعام اليتيمة والتصاميم القديمة، أعلم أنّك تتوق للدفء والاحتواء والسكن، أعلم أنّك لم تعد تشعر بالأمان في هذا الوطن.

 

 

أيّها المتأخر عن الحياة ليس المهم أن تصل بسرعة، المهم أن تمشي بخطى ثابتة ومبادئ سليمة وتعمل بإخلاص

 

 

أسمعك تقول “ربّاه لم أنا؟ ليت لي حياة عادية كحياة إخوتي وجيراني لا يفسدها الطموح والمنى”، أعلم أنك مررت بتجارب فاشلة وأنّك كنت تعود من كل فشل إلى التجربة الأولى تبكي أخطاءك وقراراتك، أعلم أن كلّ من تركته خلفك فاتك، أعلم أنّ الأيام والسنوات تحاصرك وأن جيل الألفين قد لحق بك ولا زلت كالشجرة الخضراء توزّع الظل بأوراقك وتنتظر بزوغ ثمارك، أعلم أنك نزفت الكثير من أحلامك ومن نفسك وبسمتك وطاقتك ووزنك وتذاكر سفرك، أعلم أنّك تنازلت بما فيه كفاية وأنّ القهر اتخذك هواية، أعلم أنّك أمسيت هشّا وحسّاسا ومع ذلك تخرج للعالم بقوّة ويوميا تقاوم تلك الهوة التي اخترقت قلبك، أعلم أنك تقطع مسافات طويلة في نفسك لتفتح بابا، لتردّ جوابا، أعلم أن داخلك مكتظ وصاخب.

 

أعلم أنّ مشاعرك تشكو من فوضى، أعلم أنّك تأخرت في الأبوّة وأن بيوت الأصدقاء أمست روضة، وأطفالهم صاروا بعمر المدرسة وأنت مكانك لم تبرح تلملم عبرات قلبك المنكسر بالوحدة، أعلم أنك تتوق لاحتضان قطعة منك، لسماع “بابا وماما” لـ”بنّي” تصدر من فمك، أعلم أن أوجاعك تطفو على سطح قلبك كلما جدّفت إليها الأعياد والمناسبات، أعلم أنها تطفو كلما رميت بمجدافك إلى المحلات وقلّبت عينيك ويديك في ألبسة الأطفال وألعابهم رفقة الصديق ورفقة الطريق. أعلم أن كل هذا يحدث بداخلك ويفيض فيك كالسيل، تداريه بالكبت والصمت وتوقظه بالليل. أعلم أنك تأخرت عن الحياة وكلّ محاولات الانتصار السريع فيها باءت بالفشل! وأعلم أنّ ما يبكيك هو الإخلاص في عصر الذئاب لا طول الأجل.

 

 

الأجمل قادم وإن تأخر

 

 

أيّها المتأخرون في الدراسة والعمل والحبّ والزواج والأمومة والأبوة فَالحياة، مع الحياة نحن مجبرون على الانتظار، مجبرون على تحمّل ضريبة الأحلام الكبيرة والطموحات الطويلة ودقّة التخطيط وسلامة النية وحسن الاختيار، مجبرون على التريّث والتصبّر ومجبولون على التأخر. أيّها المتأخرون عن الحياة، هناك حدائق تنمو من بذرة وأخرى تنمو من شتلات، أمّا الأولى فتنبت من عدم وأمّا الثانية فنتيجة دعم، فصبر جميل.

 

أيها المتأخرون عن الحياة، الناس كالأشجار، فيها سريعة النمو وفيها البطيئة، فيها حلوة الثمار وفيها المرّة، فيها المتسلقة وفيها الحرّة، فيها الأصيلة وفيها المصطنعة، فيها الضارة وفيها النافعة، فيها ما يُحفظ للزينة وفيها ما يثمر سنينا، فيها ما تقتله كثرة المياه وفيها ما تحييها، فيها ما يبقى على مدار السنة أخضر وفيها ما في موسم يصفّر، وفيها التي في الصمت تتوجع والتي تودّع والتي ماتت منذ زمن وظلّت واقفة وعرش الحدائق ما فتئت تتربع.

 

أيّها المتأخر عن الحياة ليس المهم أن تصل بسرعة، المهم أن تمشي بخطى ثابتة ومبادئ سليمة وتعمل بإخلاص، الأجمل قادم وإن تأخر، وما من متأخر مرّ قبلك فصبر إلّا وأزهر، ولسوف يعطيك ربّك فترضى، ولسوف يعطيك ربك ما تريد وأكثر. قم تجدّد، اصبر وأبشر..

 

الوسوم

حياة بن بادة

- كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.