مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

العقم في أوساط النساء: من مرض جسدي إلى مرض نفسي

 

 

لوغلبك بالمال اغلبيه بالعيال

 

مثل شعبي مصري رائج جدّا، يعكس نظرة المجتمع إلى الأبناء فهم العزوة والسند والأمان، وأيضا حماية للمرأة من بطش زوجها. لقد  اعتبر الإنجاب منذ قرون مضت سلاح المرأة الأكثر  فاعلية في المحافظة على زواجها، كما يعتبر سببا كافيا في توطيد أواصر القربى ما بين العائلات المتصاهرة، فالبنون زينة الحياة الدنيا وسند ضدّ فجائع الزمن وخيباته و”إلي ملهوش ولد ملهوش سند “.

 

رغم أنّ العقم مرض لا يفرق بين رجل أو امرأة إلا أنّ مجتمعاتنا مازالت تمارس التفرقة والتمييز ما بين الرجل والمرأة في مسألة العقم، إذ يختلف تعاطي الأسرة والمجتمع مع الزوجة العقيم، إذ تحرم من مواصلة زواجها أو يشرّع لزوجها أن يتزوج عليها امرأة أخرى في بعض المجتمعات، وما عليها سوى أن ترضخ للأمر الواقع، فهي مازالت في مجتمع يتعامل معها على أنّ وظيفتها الأولى هي الإنجاب، وإن كان العكس وكان الرجل عقيما فهي مطالبة بالمحافظة على زواجها والصبر على ابتلاء الله وإن فكرت في الطلاق ستنعت بالخائنة والغادرة.

 

فيما يهرب الرجل من مواجهة المجتمع بعقمه حتى لا يطال أحد كرامته أو يزعزع ثقته بنفسه، مازالت المرأة العقيمة تعاني من أمراض نفسية تصل إلى الاكتئاب الشديد

 

توصف المرأة العاقر بأوصاف قاسية، فهي أرض بور أو جدباء لا تنبت زرعا، تشبه المرأة بالأرض الخصبة أو البور ويعود هذا إلى النظرة التقليدية إلى وظيفة المرأة الأساسية وهي الإنجاب، فمن رغبت في أن تعمّر طويلا في  بيتها عليها بالإنجاب، إذ يمكن للعقم أن ينهي زواجها ويعيدها مطلقة إلى بيت والديها.

 

عانت المرأة طويلا من وصم العقم الذي تحملته لوحدها، فقد خلطت مجتمعاتنا بين الفحولة والخصوبة. لم يتحمل الرجل مسؤولية عدم الإنجاب وألقى بالمسؤولية كاملة على المرأة دهرا،حتى أثبت الطبّ أن الرجل أيضا يمكن أن يصاب به، حين كشف الدكتور فان لوفينهوك سنة 1677 بعد مراقبته للحيوانات المنوية تحت المجهر أنّ الرجل يمكن أن يصاب بالعقم ويتحمل مسؤولية هذا المرض بين 40 و 50 بالمئة.

 

 

حسب بعض الإحصائيات الحديثة، تبيّن أنّ 10 إلى 20 بالمئة من الأزواج يعانون من العقم في العالم ويصل عددهم إلى 80 مليون زوج، ونقلت بعض الدراسات أنّ هناك أزمة خصوبة في الغرب نتجت عن نقص في عدد الحيوانات المنوية لدى الرجال في أوروبا ،فيما تحدثت بعض الإحصائيات عن ارتفاع نسب العقم في بعض الدول العربية وتبلغ 20 بالمئة في السودان، وهي الأعلى بين الدول العربية، 60 بالمئة في أوساط الرجال و 40 بالمئة في أوساط النساء.

 

تتنوع أسباب الإصابة بمرض العقم بين أسباب جينية وهرمونية، التهابية ومناعية، في ظل جهل جنساني يعود إلى غياب تربية جنسية سليمة ترشد الأزواج إلى كيفية التعاطي مع هذا المرض والشفاء منه، “يمكننا الحديث عن مرض العقم لدى الأزواج الذين قضوا أكثر من سنة في زواجهم وانتظموا في ممارسة الجنس دوريا “.

 

توصف المرأة العاقر بأوصاف قاسية، فهي أرض بور أو جدباء لا تنبت زرعا

 

مازالت العائلة في مجتمعاتنا تلقي باللائمة على الزوجة في حالة عدم الإنجاب وتحرجها بأسئلة خاصة في اللقاءات العائلية، فيما يتنصل الرجل من الاعتراف بمسؤولية هذا المرض ليبقى دون موقع الشبهة، الشبهة في فحولته.

 

فيما يهرب الرجل من مواجهة المجتمع بعقمه حتى لا يطال أحد كرامته أو يزعزع ثقته بنفسه، مازالت المرأة العقيمة تعاني من أمراض نفسية تصل إلى الاكتئاب الشديد دون أن تلعب العائلة دورا هاما في تخفيف مشكلتها والتعاطي معها كمرض عادي يمكن أن يصاب به الكثيرون.

 

تعتبر الأمراض النفسية إحدى عوائق العلاج، لا سيّما في حالة النساء في مجتمعاتنا، اللواتي مازلن يساومن بين ضرورة الإنجاب أو إنهاء الزواج، وهو ما يجعل نسبة كبيرة من النساء تصاب بعدّة أمراض نفسية تعيقها عن إنجاح العلاج بنجاعة، وهو ما يحوّل أحيانا بعض العقيمات إلى مريضات بأمراض نفسية خطيرة يمكن أن لا يكتشفها المحيطون بهن بسهولة.. وقد تصل أحيانا إلى محاولة الانتحار.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.