مجتمعاختيار المحررينسياسةغير مصنف

الجنرال  اليامين زروال رئيس متقاعد برتبة مواطن

    هكذا يعيش سادس رئيس جزائري يومياته

 

 

يهوى المشي، يمارس السباحة، يلتقط “السيلفيات” مع المارة  لكنه يرفض الحديث في السياسة

 

 

يعيش الجنرال اليامين زروال الرئيس الجزائري السابق في مدينة باتنة – 435 كلم جنوب شرق العاصمة-  حيث ولد قبل 77 سنة، حياة رتيبة وهادئة قريبة من يوميات رئيس جمهورية برتبة مواطن، منذ أن قرر طوعا تقليص عهدته الرئاسية وتسليم السلطة تداولا لخلفه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الفائز في الانتخابات الرئاسية سنة 1999.

 

 استقال من مناصب هامة وعاد ليلعب الدومينو مع أصدقاء طفولته

قلة من يعرفون أن – سي لمين – كما يسميه العامة تميز بمزاج انسحابي متكرر يضفي عليه سمة رجل الانسحابات الكبرى، فهو غضب من الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد غضبا شديدا غداة رفض مشروعه الخاص بإعادة هيكلة الجيش وقبول مشروع غريمه الحميم و ابن مدينته الجنرال خالد نزار. وجراء ذلك طلب الإعفاء من منصبه الحساس كقائد للقوات البرية سنة 1990، فاستجاب الرئيس المغضوب عليه للطلب الاستثنائي على تردد و مضض.

و جبرا لخواطره المكسورة تم تعيينه سفيرا لدى رومانيا غير أنه لم يلبث و أن رمى منشفة الانسحاب من جديد، أشهرا قليلة بعد الشروع في الخدمة الدبلوماسية، مبررا ذلك: “ليس لدي ما أقدمه لبلدي هنا، من الأجدى أن أرجع من حيث أتيت إلى مدينتي باتنة”.

لم يعرف عن زروال في أربع سنوات من حياة الظل التي تلت تخليه عن البزة العسكرية، سوى أنه كان يسهر مع ثلة من أصدقائه المنتمين للطبقات المتوسطة والسحيقة من المجتمع ليقاسمهم بعض النكات ولعبة الدومينو قرب ” لاقار” حي محطة القطار، قبل أن يستنجد به الديوان الشبح لسراي النظام تحت مسمى “مبرر الدولة” سنة 1993 فاستجاب  لإدارة المرحلة الانتقالية و العبور بالبلاد لانتخابات رئاسية فاز بها في 16 نوفمبر 1994.

عقب فوزه الكاسح  في عهد جديد تمكن من دحر الإرهابين “الحضري” و “الريفي” معا عبر استحداث مفارز الحرس البلدي ومجموعات الدفاع الشرعي – الجي.أل.دي-  المعروفة شعبيا بمسمى الباتريوت،  ليحرك بعدها بيدق  الحل السياسي عبر قانون الرحمة الذي أعتبر  تمهيدا سياسيا سلسا لقانون الوئام المدني والمصالحة الوطنية.

ثم صنع المفاجأة الصاعقة في غمرة التحضير للحل السياسي النهائي، معلنا تقليص عهدته الرئاسية، مفضلا التواري عن المسرح السياسي في مشهد مثير لرئيس جمهورية يتخلى عن السلطة بطريقة غير مألوفة في العالمين العربي والإسلامي، فأكسبه ذلك تقديرا شعبيا واحتراما رسميا قلما يتوفران لعسكري مارس حياته السياسية بطريقة شبه مدنية.

 

عاد زروال من جديد لباتنة عاصمة إقليم الأوراس في رحلة عاجلة من العاصمة نحو مطار باتنة الدولي ساعات بعد التخلي عن السلطة، فوزع الابتسامات والتحيات تجاه مستقبليه، وحينما وشوش له أحد أعيان المدينة بطلب وساطة من أجل قضاء مصلحة خاصة ربت على كتفه مرددا في دعابة:

” يسرني أن أعلمك بأنني لم أعد رئيسا للجمهورية، سافر الى العاصمة و حل مشكلتك بنفسك”

 

 

رفض تسلم هبة رئاسية: فيلا فاخرة وسيارة فارهة عقب الاستقالة

لم تمض أشهر قليلة عن عودته لحياة الظل التي يحبذها حتى عاد مكتسحا الشارع بأخلاقية عالية رسخت للأبد صورة شخصيته الزاهدة في السلطة وفي الانتفاع من عطاياها الخالصة، حتى وإن كانت قادمة من خلفه عبد العزيز بوتفليقة الذي قرر أن يمنح مزايا كريمة لرؤساء الجمهورية السابقين – أحمد بن بلة، الشاذلي بن جديد، علي كافي، اليامين زروال- تقديرا لخدماتهم السابقة في سدة الرئاسة. غير أنه رفض تسلم الهبة الرئاسية الثمينة وكانت عبارة عن فيلا فاخرة بالعاصمة وسيارة فارهة من الطراز العصري، في تساوق مع شخصيته المكتفية بمعيشته الراهنة، حيث لايزال مقيما في فيلا بسيطة بحي بوزوران، لا توحي أبدا أنه سراي أو قصر رئيس جمهورية سابق، لولا وجود بعض الحرس المدني الذين يضمنون التأمين والحراسة العادية بطريقة لا تكاد ترى.

 

 

 

 يقرأ الصحف يوميا ويشتري بنفسه اللبن من دكان مجاور

طوال عشرين سنة خلت، ظل زروال ولا يزال يمارس عادات بسيطة مثل تفحص الجرائد بعد فطور الصباح، أو طقوس المشي من عتبة منزله حتى الرصيف المقابل للملعب الأولمبي غداة ورواحا.

وقد يحدث له أن يتوقف بطلب من المارة ليلتقطوا صورا تذكارية أو سيلفي شخصي معه، فيستجيب دونما تأفف، ويتصرف بأريحية كبيرة مع الجميع أطفالا و شبانا و شيوخا ونساء.

وأحيانا يُرى ذاهبا لمحل قرب منزله ليشتري اللبن، أو يتبادل أطراف الحديث مع العجائز والجيران، وهي كلها مشاهد عفوية جعلته قريبا من الناس ومن العادات الشعبية البسيطة. وأكثر من ذلك عادة ما يوصي حراسه الشخصيين بالابتعاد عنه والتواري عن مجال رؤيته، كي لا يشعر بالرقابة اللصيقة الأشبه بإجراءات الإقامة الجبرية.

وتارة أخرى يفضل قيادة سيارته بنفسه متجولا ما بين المدينة والضواحي الجبلية القريبة من بلديتي فسديس والمعذر، حيث أقام بينهما صناديق لتربية النحل وجمع العسل.

علاوة على رياضة المشي تحت أشعة الشمس صباحا أو بعد العصر مساء، يمارس الرئيس المتقاعد السباحة بانتظام لدواعي طبية محضة عقب إصابته بداء عرق النسا، وكان يمارس هوايته تلك بالمسبح الأولمبي بالمركب الرياضي غير بعيد عن منزله، وبسبب تردده المستمر على المسبح لجأت السلطات المحلية لإعادة ترميمه بشكل لائق محاباة له، ثم حين هيأ مسبحا داخل مسكنه انقطع عن الملعب الأولمبي وأصبح يداوم على العوم بعيدا عن فضول الحرس وموظفي المركب الرياضي.

 

 

ولاة جمهورية سابقون: زروال لا يتدخل في شؤوننا

يعترف أحد ولاة الجمهورية الذين خدموا على رأس ولاية باتنة بما يلي “مارست الوظيفة السامية بباتنة طيلة 5 سنوات وشهادة بالحق لم يحدث وأن طلب شيئا له أو لأبنائه أو أقربائه، كما أنه لا يتدخل مطلقا ولا يتردد على أروقة الديوان مثلما يفعل الكثير من النواب والمنتخبون والوجهاء طلبا للوساطات وقضاء المصالح الشخصية أو العائلية. يملك كاملة السلطات ليقوم بذلك لكنه لا يفعل”.

عطفا على المنوال يذكر سكان المدينة أمرين بارزين، فقد رفض التوسط لقريبه لدى مديرية الجمارك كي ينجحه في مسابقة توظيف خارجي، كما شيع بنفسه جثمان شقيقته الكبرى من شقة متواضعة بعمارة قديمة  بحي الأمير عبد القادر – الستاند-، وهو مواظب على حضور جنائز أصدقائه الراحلين دون بروتوكولات سافرة، إذ يفضل القدوم بطريقة بسيطة و دون تكلف. وقد كان يذهب و لا يزال لإجراء الفحوص الطبية بعيادتي الدكتور سعد العود و الدكتور حليس، وأجرى عمليتين جراحيتين لشفط ماء العيون بواسطة الليزر– الكتارات- في عيادة الدكتور إسماعيل سمايلي، وحدث قبل أشهر أن وجد طبيب عيونه منهك القوى بسبب مرض تنفس معقد، فقرر أن يساعده بمكالمة  هاتفية أجراها مع ديوان رئيس الحكومة أحمد أويحي فسارعت السلطات بنقله إلى عيادة فرنسية فمكث للعلاج على نفقة الدولة حتى وافته المنية.

 

يفضل الرئيس المتقاعد التداوي بالعيادات الخاصة الكائنة بالمدينة أو بالمستشفى الجامعي بباتنة مثلما حدث قبل شهرين جراء إصابته بجرح في اليد في وقت متأخر من الليل، وقد هاله أن يشاهد بعض مظاهر الإهمال والتسيب و عذاب المواطنين في مصلحة الإستعجالات، فصب جام غضبه على القائمين رافضا أن يجلس على كرسي قدم له “لم أولد لأجلس على كرسي ليعالجني الأطباء، يمكنكم أن تخيطوا الجرح وأنا واقف على قدمي” ثم حين أستفسر حول ضجيج قادم من إحدى الغرف قيل له إنه صراخ شخص سكران أصيب في حادث مرور، فهم أحد المسؤولين بالتوجه إليه لإسكاته فنهره الرجل بقوله “دعوه في غيبوبته فقد يقول أشياء أنكى من ذلك لو يستفيق، لكن عليكم أن تعالجوا هؤلاء المواطنين الزوالية بنفس الطريقة التي عولجت بها، لا فرق بين كوني رئيس جمهورية سابق وبينهم كمواطنين عاديين”.

 

مواطنون ينشرون صور سلفي لهم مع الرئيس الأسبق

 

 هل تكشف  مذكراته الشخصية سر هروبه الكبير من الرئاسة؟

صنفت تلك الخصال المرتبطة بشخصية الرجل المنحدر اثنيا من عرش أيث ملول الشاوية والملتحق بالثورة وعمره 16 سنة عقب استيلائه المثير  على مليون فرنك فرنسيي و صك بمبلغ مليوني فرنك فرنسي من مكتب المحامي الفرنسي اليهودي علوش، الصورة النمطية والإنثروبولوجية الغالبة في المخيال الجزائري عن سكان الأوراس فهم يطلقون على الرجل صفة “شاوي وفحل”.

وترسخ ذلك من خلال نمط مساره المتميز بالزهد في السلطة والنزوع نحو الكفاف تحت الظلال، لذا ما فتئ كثيرون من مناطق الأوراس والقبائل والغرب والشرق والجنوب يطالبونه بالترشح للرئاسيات غير أنه كان دائما ما يردد

“لم أترك السلطة كي أعود إليها، سني لا يسمح بذلك، لا وجود لشخص ملهم، مجنون من يخلد في السلطة”.

مقابل ذلك، لم يسلم أول رئيس جزائري يصعد في انتخابات رئاسية تعددية سنة 1994، و أول حاكم للبلاد يقرر على حين غرة الاستقالة قبل تمام فترته الشرعية بسنتين، من انتقادات طالته وتطاله بخصوص صمته المطبق ورفضه المطلق الخوض في الشأن السياسي الجزائري وكشف خبايا العلبة السوداء ولو بشهادة تساهم في التأريخ لفترة عصيبة من تاريخ البلاد المعاصر، كما لو أنه  مصاب بعدوى وباء الزهد المتنقل من العزوف عن السلطة إلى التعفف عن الريوع، و إلى رفض الكلام.

حين طلبت منه ذات مرة إجراء مقابلة ترصد يومياته بعيدا عن الشأن السياسي الذي يصر على عدم الخوض فيه، لم ينفق علي سوى ابتسامة عريضة محركا رأسه يمينا و شمالا نحو حرسه مطلقا كلمة يتيمة “إذا أردت أن تشرب معي قهوة مثل الإخوان فمرحبا بك، أما إذا كنت تريد شيئا آخر غير فنجان البن فهذا غير ممكن البتة”.

تردد منذ ست سنوات أن زروال كان بصدد كتابة مذكراته الخاصة أسوة بالجنرال خالد نزار والعقيد طاهر زبيري والشاذلي بن جديد، لكن مرت ست سنوات ولم تصدر تلك المذكرات لأسباب لا يعلمها سوى هو، مكرسا بذلك مقولة أنه قريب من المواطنين في طقوسهم اليومية، وبعيد عن الجزائريين في الشؤون السياسية. لذا يتخوف الكثيرون في أن يكون مشروع المذكرات الذي كشفه لمقربين يكون قد مات تحت “قانون الأوميرتا”… قانون الصمت الشهير، وووري الثرى تحت طائل واجب التحفظ العسكري، وصار مجرد أمنيات تلاشت بعدوى الزهد المترحل والسكتة القلمية التي فوتت على الفضوليين والمؤرخين معرفة أسباب النزوح النهائي أو الهروب الكبير والأخير من السياسة إلى المواطنة.

 

طاهر حليسي 

إعلامي وروائي جزائري

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق