مجتمعالرئيسيغير مصنف

هل سيفتح ماكرون ملف تعذيب الشهيد العربي بن مهيدي؟

 

عند تداول وسائل الإعلام الدولية لخبر اعتراف الرئيس إيمانويل ماكرون بجريمة فرنسا الاستعمارية في مقتل المناضل وأستاذ الرياضيات موريس أودان في قلب “معركة الجزائر” سنة 1957 تساءل المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث في تصريح لقناة فرنسية إن كان رئيس الجمهورية الفرنسية ستكون لديه الشجاعة السياسية ويعترف أيضا بتعذيب الشهيد العربي بن مهيدي، والسؤال منذ تلك اللحظة ظل مطروحا عند العديد من الجزائريين، مؤرخين وسياسيين ومهتمين بالثورة الجزائرية إن كان هناك توجه فرنسي فعلي نحو المزيد من الاعترافات في حق شهداء آخرين سقطوا في ساحات الشرف بنفس الطريقة التي سقط بها موريس أودان على أيدي جلادي الاستعمار الغاشم.

 

 

بمجرد إقرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بدور الدولة الفرنسية في مقتل المناضل اليساري موريس أودان سنة 1957 بالجزائر واعتذاره يوم 13 سبتمبر الماضي، أمام أرملة وأبناء الشهيد أودان وتأكيده على إقامة فرنسا لنظام تعذيب خلال “حرب الجزائر” حتى تعالت عدة أوساط جزائرية داعية الرئيس الفرنسي لإكمال خطوته “التاريخية” وتعميق رصيده السياسي في حلحلة ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا بالاعتراف بدور فرنسا الاستعمارية وقواتها العسكرية في مقتل أحد رموز وأبطال الثورة التحريرية العربي بن مهيدي الذي قال فيه أحد أكبر الجلادين خلال تلك الحرب أوساريس “لو أن لي ثلة من أمثاله لفتحت العالم”..

 

 

 

شقيقة بن مهيدي تراسل الرئيس ماكرون

كما بعثت ظريفة بن مهيدي شقيقة الشهيد العربي بن مهيدي عبر صفحات الجريدة الجزائرية الناطقة بالفرنسية “الوطن” في 28 سبتمبر الماضي، رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون طالبته بمواصلة قول “الحقيقة” بخصوص قضية شقيقها العربي بن مهيدي، ودعته إلى الاعتراف بـ”جريمة دولة” في حق بن مهيدي الذي تم تعذيبه حتى الموت من طرف رجال السفاح أوساريس سنة 1957، وأشارت ظريفة بن مهيدي إلى ماكرون بأن هناك العديد من الجزائريين الذين سقطوا على نفس طريقة الشهيد أودان أي ليس عبر معارك بين الجيش الفرنسي وجيش التحرير الوطني وإنما من خلال حبسهم وتعريضهم لتعذيب وحشي أفضى إلى استشهادهم.. فهل سيستجيب الرئيس ماكرون لرسالة شقيقة بن مهيدي ؟؟ أم أن الرئيس الفرنسي سيضع هذه الرسالة في أدراج قصر الإيليزي؟

 

 

إذا سلمنا بالحقائق فإنه لا يمكن لفرنسا أن تعترف كل يوم بدورها في مقتل شهيد جزائري من شهداء الاستقلال، لأن 132 سنة من الوجود فوق الأرض الجزائرية كان بضريبة غالية قيمتها الملايين من الشهداء الذين ارتوى بهم تراب هذه البلاد، وبالتالي فإن الاعتراف اليومي بالجرائم التي لحقت بالشهداء لن يكفيهم حقهم، رغم أن الرئيس ماكرون صاحب الـ 40 سنة خرج نوعا ما عن المألوف في الخطاب السياسي الفرنسي الرسمي بيمينه ويساره ووصف عند ترشحه للرئاسيات السابقة، استعمار بلاده للجزائر (1830-1962) بأنه كان “جريمة ضد الإنسانية” ثم ذهب لوعد السلطات الجزائرية بإرجاع جماجم زعماء المقاومات الشعبية من متحف الإنسان بباريس إلى الجزائر، وأخيرا اعترافه بدور دولته في مقتل المناضل الشيوعي موريس أودان واعتذاره العلني لزوجته وعائلته.

 

العربي المهيدي في المعتقل

 

وتعتقد الأستاذة المحاضرة في المدرسة العليا للعلوم السياسية سهيلة برحو أن موضوع الذاكرة “هو ورشة للبحث يجب أن يشارك فيها عدة أطراف، خاصة الأكاديميين  في تخصص التاريخ، القانون، الأنتروبولوجيا وعلم الاجتماع وما إلى ذلك من تخصصات ولمن يهمه الأمر خصوصا وأن جزءا من الأرشيف الجزائري أصبح متاحا في انتظار الأجزاء الأخرى”.

في حين ترى ذات المتحدثة أن مواضيع الذاكرة “تميزت بنوع من الضبابية و أخذت وقتا لمعالجتها لأن كتابة التاريخ عادة ما تكون موجهة و منقوصة من الموضوعية”، وتؤكد سهيلة برحو أن “للجزائر تاريخ عظيم تشهد له كل الدول وتدين بالجرائم التي اقترفت في حق شعبه الأعزل و هذا دليل على أن الإرهاب بدأ من الضفة الأخرى”.

 

المهيدي بعد اعتقاله

 

خطوة الرئيس ماكرون وإن كانت إيجابية ورمزية كما رآها الكثير من الجزائريين إلا أنه من الضروري أن تتبعها اعترافات أخرى لجرائم متعددة ومتنوعة في بشاعتها، مارستها السلطات الاستعمارية الفرنسية خلال تسييرها لمعاركها ضد الثوار الجزائريين، وعلى رأس الشهداء يبرز اسم العربي بن مهيدي وهو أحد قادة جبهة التحرير الوطني المفجرين للثورة المسلحة في 1 نوفمبر 1954 وأحد الفاعلين السياسيين خلال “معركة الجزائر” حيث تم اعتقاله وتعذيبه من طرف الجنرال السفاح بول أوساريس الذي اعترف سنة 2001 لصحيفة “لوموند” الفرنسية بأنه “مارس فعليا التعذيب ضد بن مهيدي”.

 

 

 

في السياق ذاته، علقت المحللة السياسية الجزائرية المختصة في الشأن الفرنسي فاطمة محمدي في حديث جمعنا معها أن الرئيس ماكرون أزال الضبابية في العلاقة بين الجزائر وفرنسا في اتجاه مجرى سيستفيد منه البلدان”، وأشارت فاطمة محمدي إلى إمكانية مطالبة العائلات الجزائرية “بتعويضات لضحاياها إذا اعترفت فرنسا بباقي الجرائم والتفجيرات النووية في منطقة رقان جنوب الجزائر”.

 

مؤرخ جزائري لا يستبعد اعتراف ماكرون بتعذيب بن مهيدي مقابل مصالح اقتصادية

من جهته يرى أستاذ التاريخ في جامعة وهران الدكتور رابح لونيسي في تصريح خص به “ميم” أن ملف تعذيب الشهيد بن مهيدي “يندرج في إطار قضية شاملة تتمثل في قضية الجريمة الإستعمارية، ومنها التعذيب، ففي الحقيقة فقد اعترف ماكرون بممارسة الجيش الفرنسي التعذيب في الجزائر أثناء تناوله قضية موريس أودان منذ أيام، فنحن نلاحظ أن ماكرون منذ توليه السلطة في فرنسا بأنه يقوم بخطوات متوازنة بين طرفين متناقضين فيما يتعلق بملف الذاكرة الاستعمارية، فكلما اعترف بقضية تجرم فرنسا الاستعمارية  يتبعها بعد أيام بحركة ضد الأولى يرضي بها لوبيات الأقدام السوداء والحركى في فرنسا لدواع انتخابية، خاصة أنه أدرك مدى نفوذهم في فرنسا نظرا لما تعرض له من حملة شنيعة بعد اعترافه بشكل غير مباشر بالجريمة الاستعمارية عند زيارته للجزائر قبل انتخابه رئيسا”.

وأضاف الدكتور رابح لونيسي أنه “مثلا بعد ما اعترف مؤخرا باغتيال الجيش الفرنسي لموريس أودان تبعها بتكريم بعض الحركى، كأنه يقوم بعملية موازنة بين طرفين، ولهذا لا يستبعد الاعتراف بتعذيب الشهيد بن مهيدي كثمن يدفعه مقابل خدمة مصالح اقتصادية فرنسية، لكن فلنضع في أذهاننا أن هذه السياسة قديمة، وليست جديدة أين يعترف الفرنسيون بقضايا مثل اعتراف السفير الفرنسي بمجازر 08ماي 1945 منذ سنوات أو الإعتراف بجرائم 17 أكتوبر1961 على يد هولند، لكنها كلها يتم وضعها في إطار حالات معزولة قام بها أفراد ولا تتحمل الدولة الفرنسية مسؤوليتها، وهو ما لا يجب أن نقع فيه، فالاعتراف الرسمي للدولة الفرنسية بالجريمة الاستعمارية في الجزائر هو الذي نريده، وأن يتم في إطاره الشامل، وبكل ما يترتب عن ذلك، أما الاعتراف بحالات دون أخرى مقابل مكاسب اقتصادية، فهي مجرد ذر للرماد في العيون”.

 

إسلام كعبش

 

الوسوم

إسلام كعبش

صحفي مختص في الشأن السياسي الجزائري

مقالات ذات صلة

اترك رد