مدونات

لماذا غابت قضيّة خاشقجي في الإعلام التونسي؟

ثلاث محطّات سابقة تكشف أسباب الصمت

 


كبرى وكالات الأنباء في العالم، الجرائد الأكبر على مستوى عدد القراء دوليا وحتّى مسؤولون كبار وزعماء سياسيين ورموز حقوقيّة دوليّة يتداولون منذ نحو أسبوع الأخبار والتحاليل وآخر المعطيات وكذا التداعيات المفترضة لقضيّة إختفاء الكاتب الصحفي والمعارض السعودي جمال خاشقجي الذي دخل قنصلية بلاده في السعوديّة ليختفي بعد ذلك قبل أن يتطوّر الموضوع بشكل سريع ويتحوّل إلى حديث عن “جريمة دولة” إقترفتها مجموعة سعوديّة قدمت خصّيصا لتنفيذ واحدة من أبشع عمليات الإغتيال داخل أراضي دولة أجنبيّة.

 

 

كلّ العالم تقريبا بات يتابع تطوّرات إختفاء جمال خاشقجي منتظرا الخبر اليقين بعد إستكمال التحقيقات التركيّة بشأن مصيره أمّا عربيّا فباستثناء بعض الصحف القليلة والمحطّات التلفزيّة الإخباريّة، يكاد الخبر يكون “عاديّا” أو على الأقل لا يرتقي إلى درجة المهمّ لدى صحفيين ومؤسسات إعلاميّة كثيرة رغم أن القضيّة تتعلّق باستهداف مباشر للصحافة في واحدة من أبشع الجرائم ضدّ صاحبة الجلالة.

 

 

قد يكون الصمت المطبق في الإعلام السعودي بشأن الحادثة أمرا مفهوما إلى حدّ ما وقد يكون الصمت أيضا مفهوما في البلدان العربيّة التي تشهد تضييقات على حرية الصحافة والتعبير ولكن الأمر مثير للجدل عندما يصبح الصمت نفسه ميزة للإعلام التونسي في البلد الأوّل عربيا في مؤشّر حرية الصحافة والتعبير.

 

 

باستثناء بعض الروابط الإخباريّة القليلة، بالكاد يتم العثور على أثر للتعاطي الإعلامي التونسي مع قضيّة إختطاف واغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، صمت سبقه “صراخ كثير” سابقا بشأن موضوع آخر قد يفسّر ما يجري حاليا بشكل واضح.

 

 

ثلاث أحداث مهمّة وقعت في السنوات الأخيرة قد تفسّر التعاطي الإعلامي التونسي معها حالة الصمت أو التجاهل المتعمّد حاليا لقضيّة الصحفي والكاتب السعودي المعارض جمال خاشقجي. فالإعلام التونسي كان حاضرا بقوّة لتغطية إنقلاب العسكر على السلطة في مصر في صائفة 2013 وكان سبّاقا إلى نقل أخبار محاولة إنقلاب عسكري فاشلة في تركيا سنة 2016 وأخيرا كان جزءا فاعلا وبارزا في الحصار الخليجي المعلن ضدّ دولة قطر.

 

 

خاشقجي يقف بشكل واضح في صفّ الداعمين للتغيير وللثورة والديمقراطية في الوطن العربي وخارج “الأجندة” السعودية الإماراتية في المنطقة في الوقت الذي تصطفّ فيه وسائل إعلام تونسيّة كثيرة في الجبهة المقابلة تماما

 

في صائفة 2013 نفّذ الجيش المصري بقيادة عبد الفتّاح السيسي إنقلابا عسكريا على السلطة داست لإنجاحه الدبابات على أجساد المتظاهرين المطالبين بشرعيّة الصناديق الإنتخابية وبالدولة المدنيّة، بشائر “النصر” كانت على صفحات وشاشات مؤسسات إعلامية تونسيّة كثيرة دعت صراحة لإستنساخ التجربة في تونس معلنة إنحيازها التام ضدّ الثورات والتغيير الديمقراطي في المنطقة العربيّة.

 

 

الإصطفاف ضد التغيير الديمقراطي في الوطن العربي جعل الدول التي ساندت بشكل واضح مسار الإنتقال الديمقراطي والثورات العربيّة في مرمى سهام وسائل إعلام كثيرة ومن بينها وسائل إعلام تونسيّة فأخبار ليلة الإنقلاب العسكري الفاشل في تركيا كانت تصدر أوّلا بأوّل ناهيك عن القراءات والتحاليل وغيرها والأخطر ما يتم دسّه في المضامين من حقد معلن ضدّ النظام التركي بسبب مواقفه تلك.

 

 

لم تكن تركيا وحدها التي تعرّضت لحملات شيطنة وتشويه إعلامي بسبب موقفها الداعم للثورات وللإنتقال الديمقراطي في المنطقة العربية فحسب فدولة قطر نالت القسط الأوفر من ذلك وقد كانت وسائل إعلام كثيرة ومتنوعة من تونس في طليعة “المكلّفين بمهام” ضمن خطوات الحصار الخليجي المفروض عليها من دول السعوديّة والإمارات والبحرين ومصر.

 

 

المحطّات الثلاث المذكورة سابقا تفسّر إلى حدّ يعيد أسباب الصمت المطبق في وسائل الإعلام التونسيّة بشأن قضيّة إختطاف وإغتيال الصحفي والمعارض السعودي جمال خاشقجي، فالأخير يقف بشكل واضح في صفّ الداعمين للتغيير وللثورة والديمقراطية في الوطن العربي وخارج “الأجندة” السعودية الإماراتية في المنطقة في الوقت الذي تصطفّ فيه وسائل إعلام تونسيّة كثيرة في الجبهة المقابلة تماما.

 

 

حريّة التعبير التي تنفذ من خلالها وسائل إعلام تونسيّة إلى مواقف مضادّة للثورات وللديمقراطية التي كرّست ذلك هي نفسها التي إغتالتها أيادي الإنقلابيين في مصر في صائفة 2013 وهي نفسها التي فشلت جماعة “غولن” في إختطافها من الأتراك بعد ذلك وهي التي جعلت الصحفي جمال خاشقجي يدفع حياته ثمنا لها وشتّان بين حرية الصحافة والتعبير هذه وبين تلك.

 

سليمة كراك

صحفية تونسية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد