فيديومجتمع

كمال المطماطي: عذبوه وطمروه بالإسمنت.. الوجه البشع لنظام بن علي

 


لم تكن جلسات الإستماع العلنيّة لضحايا عقود من الفساد والإستبداد التي نظمتها هيئة الحقيقة والكرامة ضمن مسار العدالة الإنتقاليّة مجرّد حدث عابر فسيل التعاليق والتفاعلات مع شهادات الضحايا وعائلاتهم قد أعاد تعديل الكثير من الأوتار وعدّل زاوية النظر نحو إعادة صياغة التاريخ بعد إنكشاف الحقيقة وردّ الإعتبار لضحايا يعدّون بعشرات الآلاف.

 

 

جلبار النقّاش أو بسمة البلعي أو حتّى “خالتي وريدة” ورضا بركاتي وغيرهم مثّلت شهاداتهم هزّة لدى الرأي العام في الداخل والخارج. ولكن تلك الجلسات شهدت شهادة لزوجة وأم الشهيد كمال المطماطي وكانت الأكثر “رعبا” ربطا بما سبقها وما تلاها من ردود أفعال ومن تداعيات وتصريحات، وقد تبرز أهمية هذا الملفّ أكثر في جعله على رأس الملفّات التي تمّت إحالته إلى الدوائر القضائية المختصّة.

 

نحو 27 سنة مرت ولا تزال عائلة وأصدقاء الشهيد كمال المطماطي يبحثون عن تفاصيل مفارقته الحياة وظروف ذلك في بداية تسعينات القرن الماضي تحت وطأة القبضة الحديدية لنظام المخلوع زين العابدين بن علي، اليوم أصبح جمهور كبير من التونسيين وحتى من غير التونسيين يبحث هو نفسه عن الحقيقة في قضيّة تعكس الوجه البشع والقبيح للفاشيّة.

 


في سنة 1990، لم يكن مساعد المهندس والنقابي الشاب بشركة الكهرباء والغاز بمحافظة قابس في الجنوب التونسي ينتظر مثل كثير من التونسيين بأن ينقلب بن علي على مضامين “بيان 7 نوفمبر 1987” بعد سنوات قليلة من إنقلابه على السلطة، فالسنوات الأخيرة من الثمانينات شهدت إطلاق سراح المساجين والسماح بالتنظم السياسي والمشاركة في الإنتخابات لكل الأطياف التي كانت ممنوعة من ذلك سابقا.

 

 

 

النقابي الشاب إستفاق مثل كثيرين على حملة واسعة أطلقها نظام المخلوع زين العابدين بنعلي ضد الإسلاميين لتندلع المواجهة الأولى على خلفيّة ما تعرّض له الموقوفون من تعذيب وتزوير محاضر، تمهيدا للزج بمعارضين في السجون، مواجهة كان الشهيد المطماطي من أوّل من تم إيقافهم تبعا لها وقد يكون من أكثر من دفعوا ثمنا باهضا على خلفيّتها.

 

“نريد معرفة تفاصيل موت كمال ومكان دفنه… ومحاسبة الجلاّدين” بهذه العبارات المتقطّعة بسبب الدموع المنهمرة على وجه شاحب من أثر الشيخوخة والمعاناة تحدّثت والدة الشهيد كمال المطاطي أمام قاعة إنقطعت فيها الأنفاس في شهادة علنية هي الأولى من نوعها لها، دموع تشاركتها مع الحضور أمامها ومع الحضور خلف الشاشات.

 

الشيخ عبد الفتّاح مورو وبعد صمت مطوّل خرج في تصريح تلفزي ليفجّر معطى آخر في قضيّة إغتيال الشهيد كمال المطماطي، مؤكّدا أن أحد الكوادر الأمنيّة قد أخبره بأنّ جثّة الشهيد قد دفنت في خراسانة من الإسمنت بأحد الطرقات، تصريح هز الرأي العام في الداخل والخارج.

 

الدائرة القضائيّة المختصّة المتعهّدة بملف الشهيد كمال المطماطي عقدت جلسات إستماع للشهود ولعدد من المتّهمين وأصدرت بطاقات تحجير سفر ضدّ عدد آخر من المسؤولين الأمنيين الذين رفضوا الحضور تمهيدا لجلبهم، مسار قضائي يستهدف الحقيقة في قضيّة واحدة قد تكون مآلاته أكثر رعبا وإثارة للجدل من المعطيات التي توفّرت إلى حد الآن.

 

إختطاف فتعذيب فإغتيال ثمّ إخفاء للحقيقة وللجثّة معا، ذلك ما حدث مع الشهيد كمال المطماطي وما حدث مع الآخرين وهو نفس ما حدث بدرجة أقل لمعارضين كثر زمن الطغيان، تلك شريعة الدكتاتوريّة القاتلة وتلك أيضا وجوه من يسندونها والقائمة طويلة في الخسائر التي دفعت ثمنا للحرية على رأسها الأرواح. تبحث عائلة الشهيد كمال المطماطي عن الحقيقة وعن جثّة تواريها الثرى وتقرأ عليها فاتحة الذكر الكريم.. مأساة إنسانية تكشف حجم القهر وشناعة جرائم الإستبداد وكذا الثمن الباهض الذي دفعه عشرات الآلاف من التونسيين سجنا وقهرا وتعذيبا وتنكيلا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.