اختيار المحررينسياسة

تسريبات محاضر تحقيق واتهامات لقضاة: هل تملك الجبهة جهازا موازيا للدولة؟

توفيق الخالدي- تونس- مجلة ميم

 


“نحن لا نتعامل مع الندوات الصحفية وكل شيء عند القضاء” بهذه الجملة علّق الناطق الرسمي باسم النيابة العموميّة التونسيّة سفيان السليطي على نقاط إستفهام كثيرة طرحتها الجبهة الشعبية في ندوة صحفيّة عقدت مؤخّرا للكشف عن “وثائق جديدة” قالت إنّها قد تحصّلت عليها في علاقة بقضيّتي الإغتيال السياسي التي هزّت البلادسنة 2013.

 

 

ندوة الجبهة الشعبيّة إستبقها قياديّوها وعدد من الإعلاميين بحملة واسعة تحدّثت عن كشف “معطيات خطيرة” تتعلّق بـ”جهاز سري” لحركة النهضة التونسيّة وبـ”غرفة سوداء” في وزارة الداخليّة، عناوين أثارت الإهتمام وجلبت الأنظار في ظلّ أزمة سياسيّة متفاقمة تشهدها البلاد خلال الأشهر الأخيرة وتسعى كلّ الأطراف من ورائها إلى إعادة التموقع ضمن ترتيبات التحضير للإنتخابات التشريعية والرئاسية القامة سنة 2019.

 

 

تحقيق مواز للتحقيق القضائي


كشفت الندوة الصحفيّة التي عقدتها الجبهة الشعبيّة عن أن الأخيرة قد أجرت تحقيقا موازيا للتحقيق القضائي الذي لم تختم فيه الأبحاث بعد، تحقيق وصفه بعض المتابعين لمجريات الندوة الصحفيّة بـ”التحقيق الإستقصالي” (لجمعه بين المنهجيّة الإستقصائيّة والنزعة الإستئصالية).

 

 

التحقيق الموازي الذي أجرته الجبهة الشعبيّة لم يكن فحسب خارج الأطر القضائيّة الجاري بها العمل في مثل هذه الحالات، بل وكان موجّها أساسا لإستهداف حركة النهضة أوّلا ثم وزارة الداخلية والسلطة القضائيّة ثانيا، تحقيق تقول الجبهة إنه إعتمد على ملفّات ووثائق لم يتمّ تقديمها إلى القضاء مشدّدة على أنها تدين حركة النهضة.

 

 

 

وثائق أمنيّة على قارعة الطريق


التحقيق الموازي الذي قدّمته الجبهة الشعبية في ندوتها الصحفيّة مبنيّ بالأساس على بعض الوثائق الأمنيّة المسرّبة وعلى معطيات أبحاث وملفّات تتعلّق بملفّ قضائي تم البت فيه قبل سنوات وكذا على تسجيلات صوتيّة، كلّها حسب الجبهة الشعبيّة قرائن إدانة لحركة النهضة بتشكيل “جهاز سريّ” وحتّى بتعطيل سير الأبحاث.

 

قد تكون الوثائق المضمّنة في ملف قضايا سابقة تم البت فيها متاحة لبعض المحامين ولكن الحصول على تسجيلات وعلى تقارير ومحاضر أمنيّة يطرح أكثر من نقطة إستفهام حول كيفيّة حصول الجبهة على مثل هذه الوثائق وخاصّة عن الغاية من وراء تسريبها في هذا التوقيت والطرف الذي قام بذلك.

 

 

 

ردود مثيرة

قد تكون الردود الصادرة عن قياديي وأنصار حركة النهضة ردّا على الإتّهامات الموجهة للحركة منتظرة أو متوقّعة على إعتبار أنها قد أعلنت تمسّكها سابقا بالكشف عن ملابسات الإغتيالات السياسيّة عبر السلطة القضائيّة المستقلّة وقد تكون أيضا المواقف الداعية لإستئصال حركة النهضة من المشهد والصادرة عن بعض من يرفضون مغادرة جحور الإيديولوجيات المغلقة أيضا منتظرة، ولكن مواقف أخرى كانت مثيرة أكثر.

 

 

أوّل المواقف إثارة من محتوى الندوة الصحفيّة التي عقدتها الجبهة الشعبية ذلك الذي صدر عن عضو لجنة الدفاع عن الشهيد الحاج محمد البراهمي المحامي خالد عواينيّة الذي إعتبر في تصريح صحفي أن الندوة لم تشهد تقديم معطيات جديدة في خصوص القضايا المطروحة بل شهدت تقديم “قراءات” تلزم أصحابها وهو ما يتناقض تماما مع صدر عن المتحدّثين في الندوة وما أرادوا إبلاغه إلى الرأي العام.

 

 

خالد عواينيّة لم يكن وحده من تغيّب عن الندوة الصحفيّة وكان له موقف مخالف لمواقف المتحدّثين فمحامية شهداء وجرحى الثورة التونسيّة ليلى حدّاد قاطعت الندوة ونشرت على صفحتها الشخصية بشبكة التواصل الإجتماعي فايسبوك تعليقا أكّدت فيه رفضها المشاركة في عمليّة العبث بالأدلّة والبراهين لخدمة مصالح سياسيّة.

 

 

 

سؤال “الجهاز الموازي”

كلّ الظروف المحيطة بالندوة الصحفيّة التي عقدتها الجبهة الشعبيّة والمعطيات التي تم تقديمها خلال الندوة وكذا التعليقات على ما ورد فيها تطرح سؤال “الجهاز الموازي” بشكل آخر، فالوثائق الأمنية المسرّبة والتحقيق الموازي للتحقيق القضائي تكشف أن تنظيما موازيا يقف وراء إعداد الندوة شكلا ومضمونا.

 

 

سؤال “الجهاز الموازي” الذي تم التطرّق اليه في ندوة الجبهة الشعبيّة يعتمد بالأساس على مقدّمتين الأولى هي أن من يشكّله خارج الدولة وهذا يسقط التهمة على حركة النهضة باعتبارها جزءا من الدولة، أمّا الثانية فهي أن صاحب هذا “التنظيم الموازي” قد قام باختراق أجهزة الدولة، وهذا أيضا يسقط التهمة عن حركة النهضة التي أصبحت موجودة وفاعلة في أجهزة الدولة بشكل علني بعد الثورة دون المرور بمحاكم التفتيش الإيديولوجيّة لإقصائها.

 

 

المقدّمات نفسها لطرح موضوع “الجهاز الموازي” تحيل على أن المتّهم بالضرورة خارج أجهزة الدولة، بل ويعمل بكل الطرق على إختراقها، وفي هذه الحالة فإنّ مضامين الندوة الصحفيّة وما كشف فيها من وثائق سرية مسربة في تحقيق مواز للتحقيق القضائي المتواصل تحيل على سؤال أكثر خطورة، من هو “الجهاز الموازي” الذي اخترق بعض أجهزة الدولة ويسعى إلى توظيف ذلك لغايات سياسية وإنتخابية؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.