اختيار المحررينسياسةغير مصنف

برهان بسيّس خلف القضبان.. “غوبلز” مقيّد بأصفاد ضحاياه

توفيق البكاري- مجلة ميم

 

 

لم يكن أستاذ التربية المدنيّة في إحدى البلدات الداخليّة التونسيّة ينتظر أكثر من فرصة تهدى له أو يجدها ملقاة على قارعة النظام، كما حدث لكثيرين، حتّى يضع نفسه على ذمّة نظام ينمّق صورته ويسعى إلى الدفاع عنه بشتّى الطرق، كان ذلك النصف الأوّل من مسيرة “غوبلز” في نسخة تونسيّة مشوّهة إلى أبعد الحدود كان منها في البلاد نسخ كثيرة لكن أبرزها على الإطلاق برهان بسيّس.

 

 

يذهب الفيلسوف الفرنسي “لوي ألتوسير” إلى القول بأنه لا وجود لجهاز قمعي لدى أي نظام فاشي بدون جهاز إيديولوجي يقوم بإصطناع سرديّة تضفي نوعا من “المشروعيّة” على الممارسات القمعية التي يدفع ثمنها الآلاف والملايين من الضحايا، لم يخرج دور برهان بسيّس وآخرين عن هذه القاعدة طيلة نحو عقدين من الزمن إنتهت بثورة شعبيّة عارمة ضدّ الدكتاتوريّة.

 

حتّى الثورة نفسها، باعتبارها شهادة ميلاد وإعادة إنبعاث للشعب وشهادة موت للدكتاتوريّة، لا يمكن أن تسلم من سهام وسكاكين ورصاصات النظام وأعوانه، لم يكن ذلك إستثناءا في الحالة التونسيّة فسمير العبيدي وزير الإعلام الأخير للمخلوع زين العابدين بن علي خرج ليؤكّد أن المنتفضين “عصابات ملثّمين” وخرج “الحرس” المكلّف بالدعاية برهان بسيّس بعده مباشرة ليعتبرهم “عملاء” و”جواسيس” تمّ تجنيدهم لخدمة أجندات خارجيّة.

 

“الثورة مؤامرة” كانت من بين أبرز الجمل والعبارات التي كان برهان بسيّس يردّدها ويصرّ على تكرارها قبل أن يهرب “وليّ النعمة” وينتهي به المطاف متخفّيا بعد أن كانت له اليد الطولى لسنوات.

 

في سنوات “التخفّي” ظلّ بسيّس يهمس لأصدقاءه والمقرّبين منه بأنّه غاضب من أمر واحد لا يتعلّق بالثورة أو بسقوط النظام في حدّ ذاته بل بوجود رموز من النظام القديم على رأس السلطة وهم الذين يعتبرهم “مذنبين” أكثر منه، وبدرجة ثانية كان يسرّ لهم باستمرار أنّه “مغتاض” من حديث كثيرين عن الديمقراطيّة وهم الذين كانوا “معارضين صوريين” للمخلوع أو صامتين عن جرائمه.

 

أتاحت الثورة لبرهان بسيّس ولآخرين المحاكمة العادلة في قضايا فساد وإستغلال نفوذ وغيرها وأتاحت له حريّة التعبير التي إستغلّها كلّها في العودة إلى المشهد الإعلامي الذي ظلّ حاكما فيه بأمره لسنوات بعد أن دفعت رئاسة الجمهوريّة فاتورة دوراته التدريبيّة في بولونيا وهولندا، رغم أنه قد خرج بشكل مفاجئ ليعتذر علنا من الشعب وليعلن تحمّله مسؤوليته في ما إقترفت يداه والأهم أنه وعد بعدم العودة والإبتعاد تماما عن المشهد.

 

لم يلبث برهان بسيّس أن عاد إلى الواجهة الإعلاميّة بعد جولة كـ”مستشار إعلامي” لدى عدد من الشخصيات، عودة غيّر فيها بسيّس بعضا من مواقفه المعلنة، خاصّة تلك التي كانت تستهدف معارضين سابقين أو التي تهاجم الثورة وغيرها.. بل لعلّ ظهوره في ثوب المدافع الشرس عن مربّعات الحريّة وعن الدستور الجديد للبلاد أثار نقاط إستفهام كثيرة فكثيرون هم من يغيّرون مواقفهم المعلنة، ولكن الأفكار والقناعات تبقى هي نفسها متخفّية تحت ثوب جديد أو معدّ خصيصا للمرحلة أو للسياق الجديد.

 

 

قبل الثورة التونسيّة بسنتين، كتب برهان بسيّس مقالا مطوّلا في صحيفة “الصباح” الورقيّة يقدّم فيه إحدى روائع الأدب التونسي “الحبس كذّاب والحيّ يروّح” للكاتب فتحي بالحاج يحيى التي تحوم أطوارها حول شخصيّة “الخميسي” الذي تم الزجّ به في السجن بسبب عدم خلاص ثمن “مأكول” دون أن يكون على علم بأنّ الأيّام ستدور حتما وبأنه سيكون في نفس الوضع بتهمة “عدم خلاص مأكول”.

 

أكل “الخميسي” القادم من البادية الحلويات دون أن يدفع الثمن ظنّا منه بأنّ تذكرة المباراة التي قدم لمشاهدها تتضمّن أيضا خلاص المأكولات فتم الزج به في السجن أمّا برهان بسيّس فقد “أكل” من كل الأصناف وعلى كل الموائد ولم يكتفي بحصّته بل إمتدّت يداه لتأخذ ما ليس له فإنتهى به الأمر في “بودفّة” كما ورد في الرواية المذكورة.

 

لم تلبث أحلام “السياسة” أن راودت برهان بسيّس مجدّدا في ظلّ إهتراء صورة السياسيين والأحزاب في المرحلة الإنتقاليّة وفي ظلّ “الرصيد الرمزي” الذي تمكّن من إكتسابه بفضل عودته إلى الشاشة فكانت حركة نداء تونس وجهته ليجد نفسه منذ الأيام الأولى قياديا “بارزا” في الحزب وسط الإتهامات صلب قيادة الحزب نفسه بالعمل لصالح أحد شقّي الصراع الداخلي بثمن.

 

في الثاني من أكتوبر 2018 تمّ تثبيت الحكم القضائي بسنتين سجنا ضدّ برهان بسيّس بتهمة استغلال موظف عمومي لصفته لهدف تحقيق فائدة لا وجه لها لنفسه والإضرار بالإدارة وفي مساء اليوم نفسه تمّ إيقاف بسيّس وإيداعه السجن ولكنّه ليس “كذّابا” هذه المرّة فالتهم ثابتة هذه المرّة.

 

أقسم برهان بسيّس مرّتين، الأولى ليذود عن المخلوع زين العابدين بن علي ونظامه فسقط النظام وهرب الدكتاتور وأقسم في الثانية بعدم العودة إلى المشهد وبإحالة نفسه على التقاعد المبكّر ولكنّه أخلف وعاد ولكنّ جرائم “اليد الطولى” لا تسقط بالتقادم ونفس اليد باتت وراء القضبان اليوم فالمصالحة نفسها التي كان يصرّ على أنها “ستمر بالديمقراطيّة” لا تنصّ على أن الديمقراطيّة وإستقلال القضاء في البلاد تسقط الجرائم السابقة في حق الشعب والدولة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.