مجتمعغير مصنف

السورية أنيسة حلو .. سيدة علوم الطهي التقليدية التي وصلت للعالمية

 كتابها التاسع يتناول مطابخ العالم الإسلامي

 

حوار/ هديل عطا الله

 

لم يكن غريبا أن تُختار “أنيسة حلو” من بين أقوى النساء العربيات؛ هي التي تحوّلت بكل جرأة من العمل في الإعلام وكذلك مستشارة فنية لبعض الأميرات الكويتيات إلى عالم الطهي؛ ووصلت إلى العالمية بعد أن ألّفت تسعة كتب نالت حظها من النجاح.

 

في ريعان شبابها انتقلت الشيف ومؤلفة الوصفات أنيسة حلو للعيش في مدينة لندن وهي ابنة والد سوري وأم لبنانية؛ تتذوق حلاوة الحياة ما بين أطباقها وطلابها ومشاريع مؤلفاتها؛ وكان آخر ما أنتجته “وليمة: مأكولات العالم الإسلامي”.

 

 “مراسلة ميم” تحدثت مع أنيسة التي فضلت الإجابة على الأسئلة باللغة الإنجليزية؛ حول بعض المحطات في تجربة تملؤها المتعة.

“تحرير المرأة”

من طفولةٍ لا تُعوض عَاشتها مع عائلتها في لبنان؛ تنطلق في حديثها عن ذكريات عائلية منحتها دفء العمر كله: “حرصنا دائماً على قداسة العائلة لذا جمعتنا على الدوام مائدة واحدة يترأسها والدي؛ فيما أمي تدهشنا مرة تلو أخرى بما تطهوه لنا؛ لطالما أحببنا طبخها؛ كنا أسرة عادية تتكون من خمسة أطفال في ذلك الوقت؛ ولا أنسى مشاكستي لأخي الأصغر  كونه المفضل لدى والدتي، أما نحن الأخوات كان يحلو التهامس بالأسرار فيما بيننا؛ كم أحببتُ المحشي والتبولة و”اللوبية بالزيت” من يد أمي؛ لقد عشقت طعامها اللبناني كله باستثناء الملوخية”.

“ترى ما هي ذكرياتك عن سورية وطعامها بما أنها “بلدك الأم” سيدة أنيسة؟”.. وكأنها ترسل تنهيدة شوق إلى الشام؛ فتقول: “سورية جميلة وطنا وشعبًا، طعامها رائع وآثارها التاريخية مبهرة؛ لا يمكنني أن أنسى خبز التنور لعمتي حين كانت تخبزه لنا في مشتى الحلو؛  و يا آلهي ما أعذبها من ذكرى حين تذوقتُ في مطعم الخوالي بدمشق القديمة الحُمص بالإضافة إلى شراب الرمان الذي لم يسبق لي تذوقه من قبل”.

وتستخرج من أوراق مشاغباتها المزيد: “كنت في السادسة عشرة من عمري عندما قررتُ مع أختاي أن نطهو في منتصف الليل؛ يومها نَجحنا في إعداد كعكة الشوكولا، وذات يوم أعددت اللوبيا بالزيت – أحد أطباقي المفضلة – وحينها خبّأت القليل منها لتتذوقها أمي وأبدت إعجابها بها؛ ومع ذلك لم أتشجع أبداً للسير في هذا الطريق؛ لقد كان حلمي أن أكون جزءًا من حركة تحرير المرأة؛ ثم تغير مساري عندما انتقلتُ إلى لندن وأخذت أطهو في حفلات العشاء”.

 

 

في سياق ثقافي

تُرى كيف شقّت أنيسة دربها في مجال الكتابة عن الطعام،  تسترجع تلك الأيام: “تحمسّتُ لتدوين وصفات أمي التي تصب في المطبخ اللبناني وكان نِتاجها كتاب هو باكورة أعمالي قبل 24 عام لمساعدة الشباب اللبنانيين الذين شردّتهم الحرب الأهلية ولم يكن لديهم الحظ الوافر في تناول الطعام المنزلي؛ ومن جهة ثانية أطلعتُ العالم الغربي على المأكولات اللبنانية بعد أن بقيت مجهولة لسنوات طويلة، ثم أخذت أدركت أن الطعام ثقافة قائمة بذاتها وأنه يعني أكثر من مجرد طعام نتناوله؛ إنه التاريخ الذي يتشاركه الناس في التجمعات العائلية والاحتفالات الدينية والجنائز؛ فلكل مناسبة أطعمتها الخاصة بها”.

سألتها عن القاسم المشترك بين الطعام والفن؛ وحينها نبتت “ابتسامة قوة” بين شفتيها: ” في الفنون تطورَّ أدائي بفعل إحساسي العالي بقيمة الجمال وإيماني بأهمية الثقافة للشعوب، مما أثرى عملي ككاتبة لشئون الطعام، كنت دائماً أتجاذب أطراف الحديث مع الذين التقيهم في رحلاتي، برأي أن السفر لأهداف تتعلق بالطهي يفوق في درجة الإثارة الترحال لأجل الفن حتى وإن بدت جمالية الطعام أقل وضوحاً، وما أن أشرع بتحضير طبق سرعان ما استشعر جمال المكونات والأدوات التي استخدمها، وعندما أكتب وصفاتٍ أحاول دائما وضعها في سياق ثقافي، سواء اتخذت بُعدا اجتماعيا أو قصصيا أو تاريخيا”.

 

 

أوثق علوم الطهي لتنتفع بها الأجيال القادمة

 

 

وحسب خبرتها الطويلة؛ تقول أنيسة حلو لــ “ميم” أن الكتابة عن الطعام تعتمد على توثيق تاريخ الطهي وما يرتبط به من تقاليد وقصص؛ مضيفة: “إذا كان من يكتب عن الطعام يطبخ أصلاً، فهو يختبر على الأرجح الوصفات التي يوثقها، ولا يجوز أن يسعى إلى أهداف تجارية؛ كل ما يجب أن يشغله “كيف سيعمل القراء على إعادة إعداد وصفاته؟، ناهيك عن تشرّبه للتاريخ في هذا الحقل”.

وتولي النقطة التالية اهتماماً بالغاً لتتابع الحديث: “من يريد الكتابة عن الطعام لا بد من شغفه به أولاً، ويتعين عليه تحري الدقة في الوصفات؛ وأن يكون قادراً على إلهام القراء الراغبين في الطبخ والتواقين لمعرفة المأكولات التي يكتب عنها على حد سواء”.

 

 

 

 

وتتحدث عن طبيعة المطبخ اللبناني بشغف كبير: “إنه متنوع وصحي وشهي جداً؛ ويقدم عددا كبيرا من الأطباق اللذيذة مثل الكبة والكباب لأولئك الذين يحبون اللحوم؛ وتتوفر الأطباق النباتية الرائعة المطبوخة بزيت الزيتون؛ ناهيك عن مجموعة هائلة من الحلويات مثل البقلاوة والآيس كريم والسحلب”.

تبدو ضيفتنا سعيدة بطلابها الأوروبيين والعرب الذين يترددون على فصول الطهي التي افتتحتها لتمنحهم من خبرتها عبر دور “المعلمة”، مضيفة: “أشهد إقبالاً من الغرب أكثر من العرب؛ والجميع ينكبّ على تحضير الأطباق العربية والإيرانية المختلفة بحب”.

 

 

خطر الضياع

ماذا عن الكتاب الذي يقدم نظرة شاملة لمطبخ العالم الإسلامي”وليمة: مأكولات العالم الإسلامي”؛ بـــــ طاقة إيجابية مفعمة تسترسل المرأة “غير المسلمة” التي أجادت الكتابة عن الثقافات الأخرى ومنحتها كل تقدير، لتقول: “أحببت دائماً متابعة الطُهاة عن كثب في جميع أنحاء العالم الإسلامي، في المنازل أو المطاعم أو الشوارع؛ جولات تنوعت بين المغرب والبحرين وإيران وقطر وتركيا والأردن والإمارات ولبنان وسوريا وغيرها، كنت أرقبهم باهتمام وهم يخبزون المعجنات؛ لقد تعلمتُ الكثير منهم وحظيت بأوقات رائعة بصحبتهم”.

وتعجب الفنانة الطاهية من أمر بعض الغاضبين الذين تقابلهم بين حينٍ وآخر و لا يسمحون لها بالتقاط الصور؛ موضحة: “أتفهّم جيداً أن بعض لا يحبون تصويرهم، لكني لا أتفهم أبدًا امتناعهم عن التقاط الصور للطعام؛ أود كثيراً أن أتجادل معهم على نحو مرح، ولكني في النهاية أبتسم وأمضي في طريقي إن لم أستطع إقناعهم”.

 

 

 

 

وتعرب عن فخرها بطهي العديد من الأطباق مع الشيف “كلير بتاك” المتخصصة في الحلويات التي أعدّت بنجاح كعكة الزفاف الملكي للأمير هاري وميغان ميركل.

وتتطرق لمسألة التزيين بالقول: “لست واثقة من إتقاني للزينة بما يكفي، إلا أنني أبذل جهدي لجعل الأطباق تبدو جميلة إما من خلال تقديمها بطريقة تليق بها أو بطهيها على نحو يبرز اللون واللمسة الخاصة”.

تفتح قلبها لتكشف عن هواياتها التي تعد مصادر إلهام تنعشها: “في الماضي مارست هواية الصيد؛ و لا استغني في حياتي عن القراءة والاستماع إلى الموسيقى، وعلاوة على ذلك أعشق المشي و الكتابة”.

 

 

مهنتي رائعة.. نص ممتع وطعام لذيذ

 

 

ووفقاً لامرأة يغزو الشعر الأبيض رأسها لكن طموحها لا يشيب؛ فإن “أول كتاب للطهي يعود للقرن العاشر خطّه أحد أمراء حلب. مشيرة أن بعض الوصفات في ذلك الكتاب وفي مخطوطات لاحقة في العصور الوسطى ما تزال موجودة مثل طبق “شيشبرك” (عجين اللحم المطبوخ مع اللبن).

“لماذا نحن بحاجة إلى كتب من هذا النوع؟”.. لا تتردد أبداً في تبيان وجهة نظرها: “أجد أنه من المهم الحفاظ على تراث الطهي لبلداننا، ويغدو الأمر أكثر أهمية حين يتعرض وطن كـــــــ سورية بتاريخه الغني وتقاليده الطهوية العريقة لخطر الضياع؛ لا سيما أن نصف الشعب السوري نزح إلى خارج البلاد بعد أن عمّ الدمار فيها”.

 

 

 

 

صراحتها تجلت حين أفصحت لــ “ميم”: “سأصدقك القول.. واحدة من الإيجابيات التي خرجت بها المأساة السورية أن مطبخنا أصبح معروفاً بشكل أفضل وساهم في ذلك النساء اللواتي قررن الاستقرار في الخارج واستثمرن مواهبهن في الطهي لكسب الرزق؛ وبالمناسبة سورية ليست البلد العربي الوحيد الذي اندلعت فيه الحرب، فالعراق ولبنان مثالين آخرين، كل هذا يحتم علينا العمل بجد من أجل الحفاظ على الوصفات التقليدية وتاريخها والحكايات المنبثقة عنها”.

وجه بشوش يقفز أمام عبارتها: “أقبلَ الناس على اقتناء كتبي وعلى ما يبدو أنني أبليت بلاءًا حُسناً؛ آمل أن تستمر أعمالي في تقديم إضافة نوعية كي يتسنى للباحثين في مجال الطهي من الرجوع إليها مستقبلا؛ تركيزي يذهب في اتجاه إنشاء سجل لعلوم الطهي التقليدية لتركه إرثا للأجيال القادمة والمهتمين علّهم ينتفعون به”.

 

 

 

أكتب أكثر وأكثر

لا تتوقف عن تحسين وصفاتها مهما كلفها الوقت، وتنطلق في خططها الجديدة نحو تطوير تقنيات التصوير الفوتوغرافي والفيديو في العام المقبل، حسب قولها.

أما الأسلوب الذي تنتهجه في نسج أفكارها أثناء الكتابة :”استشهد في كتبي  بقصص من الطفولة أو ذكريات من رحلاتي، أو ملاحظات تاريخية حول أمكنة نشأة الوصفات التي بدورها قد ترتبط باحتفال معين سواء كان دينيًا أو شعائرياً. وعموماً تحتوي جميع وصفاتي تقريبًا على حكايا تلهم القارئ بشكلٍ أو بآخر”.

 

 

المأساة السورية قدمت “حسنة” لمطبخنا

 

 

هل الكتابة للطعام برأيكم سهلة أم صعبة؛ تقول لكم أنيسة: ” لا توجد كتابة سهلة أياً كان نوعها أدبي أم طهوي، علماً أن الكتابة للغذاء يمكن أن تلبس حُلة الأدب؛ ولدي قاعدة مقدسة: كلما كتبتُ أكثر أصبحت أفضل، حقاً هي مهنة رائعة لأنها لا تقتصر على الكتابة فقط، إنني أركض خلف نص متين وفي الوقت نفسه أتناول الطعام اللذيذ”.

 

 

انفوجرافيك نشرته سي أن أن

 

 

من طقوسها الغريبة في المطبخ مسارعتها إلى تنظيف السكاكين بعد استخدامها، هي السورية التي بلغت الستين من العمر وما زالت تتعلم.

بروح العرفان والمودة تذكر “مريم عبد الله” أول طاهية في التلفزيون القطري، وكذلك “عائشة التميمي” التي سارت على خطاها، وتشهد لهما بالقول: “كلاهما طَباختين رائعتين وقد علّماني كل ما أعرفه عن المطبخ القطري”.

تجوب أنيسة حلو أفخم مطاعم العالم؛ ومع ذلك يظل المحشي متربعاً في معدتها؛ بالإضافة إلى التبولة و “الكبة بالصينية” التي كانت تعدها والدتها؛ ولا عجب في أن ألطف تعليق يُفرح قلبها: “طعامكِ شهيّ، إنه يشبه طعام أمهاتنا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.