الرئيسيثقافةغير مصنف

أغاني المهد  في تونس والجزائر: جولة في عوالم الأمهات

 

 

منذ القدم كان الغناء متنفسا للمرأة، فهي تحمّل الأغنية هواجسها وانفعالاتها، تغنيها بحساسية مفرطة في وحدتها ثمّ تنشدها مع الأخريات وسرعان ما تتحول هذه الأغنية الفردية إلى أغنية جماعية تتجمع حولها النساء لأنّها بكلّ بساطة تعبّر عنهن ولأنّهن وجدن سمات مشتركة بينهن وبين صاحبة الأغنية الأصلية فكلمّا كانت المعاناة صادقة انتشرت الأغنية ولم تندثر.

 

من بين الأغاني الفردية التي تحوّلت إلى أغنيات جماعية تناقلتها النساء أغاني المهد، أي الأغنيات التي تغنيها الأمّ لوليدها، فهي الطريقة الأولى في الخطاب مع الطفل في لحظته الأولى، دون أن يعي الوجود وما يدور حوله، إنّها الدندنة التي تشعره بالأمان لينام مطمئنا أو ليكف عن البكاء والصراخ فصوت والدته من يمنحه هذا الشعور بالاسترخاء والأمان.

 

وتعرف أغاني المهد بأغاني الربّاج بتونس وبأغاني “التراري” بالجزائر  ويطلق عليها أيضا المرارية، وقد عرف العرب قديما هذا النمط الغنائي أي ترنيمات المهد التي تغنيها النساء لتنويم وتهدئة أطفالهن وفي هذا السياق نقتطف هذا المقطع من كتاب “أدب الأطفال وثقافتهم” وهو تأليف جماعي “نجد في التراث العربي الشعري فيضا من المقاطع التي تغنى للأطفال عند تلعيبهم أو تنويمهم. ومن بين هذا التراث ما هو أغاني مهد ترنمها الأمهات لأطفالهن عند تنويمهم وأغاني ملاعبة يرنمها الكبار للأطفال أثناء اللعب”.

 

 

 

يحمل هذا النوع الغنائي معان كثيرة تتراوح بين الفخر بالنسب والفرح بالأمومة ومدح الطفل سواء كان ذكرا أو أنثى من أجل التعبير عن مدى محبة الأهل لطفلهم. ومن الأغاني الشائعة في تونس أغنية “ننّي ننّي جاك النوم أمك قمرة وبوك نجوم” وهي ذات لحن هادئ يرددّه الاباء والأمهات على حدّ السواء خاصة وأنّ الأغنية حملت بطاقة هويّة الطفل أي أنّه طفل معروف النسب من حقّ والدته ووالده التفاخر به.

 

ومن الطرائف في هذا النوع الغنائي أغنية ” سعدي سعد ” والتي غنيّت للبنات والأولاد على حدّ السواء مع بعض الفروقات التي تبيّن جوهر الثقافة النابعة منها –أي الأغنية-  وسنلاحظ هذا الفرق في الأسطر التالية:

 

سعدي سعد سعدي سعد بنتي خير من ألف ولد
سعدي بيها سعدي بيها

و الخطابة تخطب فيها نقولهم بنتي ما نعطيها

تجيني تونس بماليها و سواقيها و سوانيها
يا سعدي ب هاكي البنية كبرت و ولات صبية
سعدي بيها سعدي بيها حاجبة و زغاريد علاها

 

 

أما المتعلقة بالطفل الذكر فهي كآلاتي:

سعدي سعد وسعدي سعد

زين ولدي ما جابو حد لا و والي لا معتمد
سعدي بيه سعدي بيه اندق الحنة وانحنيه

محمد وعلي محاذيه ولدي العالي سعدي بيه
سعدي سعد وسعدي سعد

يا محبس مليان شهد ياكل ولدي

و يتفرهد وما يعطيش لحتى حد
سيد الدار سيد الدار يا مولى الجمل الهدر

لا توريني فيه غيار بجاه ربي الجبار

 

لو تأملنا هذه الأغنية سنجد أنّ الأمّ لا تفرق في محبتها بين الذكر والأنثى ولكنّهما في الحقيقة كليهما وعاء الثقافة التي ينتميان إليها فالرجل هو سيّد البيت والمرأة تنتظر عريسها إننا في هذه الأغنية بشقيها المذكر والمؤنث نلاحظ بكل سهولة انتظارات الأمهات من أبنائهن فإن كان رجلا فهي تنتظر منه أن يكون سندها والقائم بالبيت أما ابنتها فهي تطمح لتزويجها إلى أفضل عريس يحسدها عليه بقيّة النساء.

 

 

لا تختلف أغاني المهد أو التراري بالجزائر  فالأمّ تسبغ على ابنها المحبّة والعطف كما تحملّه أيضا المسؤولية وكأنّها تحاول أن تطبع هذا في ذهنه منذ لحظته الأولى في الحياة تقول إحدى الأغنيات الجزائرية:

 

يا باري يا باري يا رفادّ الدار  _ رفادّ الدار – أي الذي تقع عليه مسؤوليات البيت

يا باري ويبربرك نطلب ربّي يسلمك

ايسلمك وينجيك ويحيّد البلاء عليك

وتقول أغنية أخرى :

ولدي يا زين الزين كحل الحاجب والعين

حبّك ربّي ورضاك والقران نايم معاك

 

تبرز هذه الأغاني اعتناء العرب بأدب الأطفال صحيح أنّه مصطلح حديث ظهر في القرن العشرين ولكن يمكننا القول أنّ هذه الأغاني تنتمي إلى هذا المصطلح الحديث فقد اعتنى العرب بتربية الأطفال منذ القدم وعرفت تربية الأطفال بالاستصباء أي أن يقلد الكبير الصغير ويتمقمص هويته من أجل الاعتناء به وتوجيهه ومرافقته  حتى يعقل ويكبر كما تبرز هذه الأغاني دور الأمّ في تربية الأطفال الأولى فهي من تلقنه عن وعي وغير وعي قيم المجتمع ليتقبلها فيما بعد بكل سهولة.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.