مجتمعسياسةغير مصنف

صورة الرياض بعد إغتيال خاشقجي: معتقل محمد بن سلمان المغلق

توفيق البكاري- مجلة ميم

 

 

بعد أن كان الأمر يتعلّق بـ”إختفاء” الصحفي والمعارض جمال خاشقجي إثر دخوله إلى القنصلية السعوديّة بإسطنبول، شهدت القصّة تطوّرات دراماتيكيّة مثيرة في الساعات التي تلت إعلام زوجته بعدم مغادرته المكان، بعد يومين من حادثة الإختفاء وانتشر خبر خبر مقتله كالنار في الهشيم.

 

حادثة مثيرة ليست الأولى من نوعها في التاريخ ولكنها الأكثر إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، خاصّة وأنّها حدثت على أرض أجنبيّة في الوقت الذي تشهد فيه المملكة السعوديّة واحدة من أصعب الفترات في تاريخها أصبحت بموجبها متّجهة بشكل كبير نحو مضاعفة ميزانيّة التسلّح من جهة ومضاعفة الميزانية المرصودة لمجموعات الضغط والعلاقات العامّة في أمريكا وأوروبا وحتّى في الوطن العربي نفسه.

 

إختطاف ولاية العهد

لم يكن وصول محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في المملكة السعوديّة طبيعيا أو مجرّد حدث عابر فالخبر الذي كان مفاجئا للرأي العام السعودي كان صادما لجزء من أعضاء العائلة المالكة نفسها، وسرعان ما كشفت الأيام التي تلت ذلك عن أسرار وكواليس ليلة السطو على ولاية العهد.

 

أقدم محمد بن سلمان على إختطاف إبن عمّه وولي العهد السابق محمد بن نايف في إحدى قاعات القصر الملكي وتم إجباره على تقديم البيعة له ضمن إجراءات مشدّدة إنتهت بعد ترحيل ولي العهد السابق إلى الإقامة الجبريّة، حيث يقبع إلى حدّ  اللحظة.

 

بإنقلابه على ولاية العهد في المملكة السعوديّة، سارع محمد بن سلمان إلى إستثمار مئات المليارات من الدولارات لدى مجموعات الضغط وشركات العلاقات العامّة في أوروبا وأمريكيا لحشد الدعم وتحسين صورته، خطوة إستثمرتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل كبير لتقوم بـ”إذلال” السعوديّة ودول الخليج عموما بأشكال مختلفة.

 

 

 

الريتز كارلتون.. معتقل من فئة 5 نجوم

سنة 2017 كانت حبلى بالأخبار المثيرة القادمة من المملكة السعوديّة بعد ليلة إعتقالات هي الأكبر من نوعها منذ عقود من الزمن إستهدفت عددا من أثرياء وأعيان البلاد والعائلة المالكة نفسها، في حملة قال محمد بن سلمان إنها في إطار الحرب على الفساد.

 

رغم عدم تقديمه للقرائن التي تفيد بأنها إعتقالات على خلفيّة قضايا فساد ورغم أنّ أغلب المتابعين قد فهموا على الفور أن مطامح وغايات بن سلمان كانت السيطرة على مصادر السلطة والنفوذ (السياسة والمال والإعلام) إلاّ أن الأخير قد حاول بشتّى الطرق تلميع صورته لدى الرأي العام.

 

السعوديّة “المنفتحة”

بعد وصوله إلى ولاية العهد بطريقة مثيرة لم يكتف محمد بن سلمان بمحاربة رجال الأعمال وبعض أعضاء العائلة المالكة فحسب بل دخل في صراع مع المؤسسة الدينيّة في البلاد بعد أن أعلن بوضوح عما أسماه بـ”الإصلاحات الدينيّة” التي لاقت حملة إنتقادات ورفض كبيرة في الداخل.

 

يقول محمد بن سلمان ان الزمن لم يعد زمن السعوديّة الوهابية المنغلقة على نفسها بل قد بات زمن السعوديّة المنفتحة التي سمحت بقيادة المرأة للسيارة وافتتحت دور السينما وغيرها من الخطوات “الإصلاحية”، في حين يقوم باختطاف الدعاة الأكثر انفتاحا على غرار الشيخ سلمان العودة وغيره بسبب إنتقاداتهم لتوجهات ولي العهد.

 

 

صورة السعوديّة المنفتحة والحداثيّة التي يحاول محمد بن سلمان الدفع لأجل ترويجها في الخارج بشكل من الأشكال تتعارض في الواقع كليا مع ما يحدث في الداخل من ممارسات، وخاصة من حملة إعتقالات وإختطاف للمعارضين، لكنها أصداءها لم تتجاوز في الغالب تقارير المنظمات الحقوقية الدولية.. أما اليوم ومع حادثة إختفاء جمال خاشقجي، فقد باتت أساليب النظام السعودي في ترصد وقمع كل صوت مخالف بوحشية قل مثيلها، حديث القاصي والداني في مشارق الأرض ومغاربها.

 

إختطاف خاشقجي يسقط الأقنعة

إختفاء الصحفي والمعارض السعودي جمال خاشقجي بعد لحظات من دخوله لمقر سفارة بلاده بتركيا وتتالي التقارير التي تؤكّد خبر إغتياله داخل السفارة هي “الجريمة الأخيرة” ربّما التي يقدم عليها ولي العهد محمد بن سلمان الذي قدّم بلاده على طبق من ذهب للرئيس الأمريكي دونالد ترمب وللكيان الصهيوني الغاصب بعد إسناده المطلق لتصفية القدس عاصمة فلسطين الأبديّة من أجل نفسه وصورته.

 

بعد حادثة إغتيال خاشقجي لم تعد كل أموال السعوديّة ولن تكون على أي حال من الأحوال قادرة على ترميم صورة ولي العهد محمد بن سلمان الذي قد يدان خلال الأيام القليلة القادمة بارتكاب “جريمة ضد الإنسانيّة” وقد يقود بلاده لأزمة ديبلوماسية مع تركيا.

 

 

الصحف الدوليّة تكشف الصورة الحقيقيّة لبن سلمان

منذ بروز خبر إختفاء الصحفي والمعارض السعودي جمال خاشقجي قبل نحو أسبوع من الآن تتالى التقارير الصحفيّة التي تهاجم الرياض وتطالب الحكومات والزعماء الغربيين بالتحرّك فورا لكشف مصير الكاتب والردّ على الجريمة النكراء.

 

صحيفة واشنطن بوست الأمريكية قالت في آخر تقاريرها عن الحادثة إن المسؤولين في الخارجية الأمريكية بدءا من وزير الخارجية مايك بومبيو، محبطون بسبب عدم وجود رد موضوعي سعودي على الاستفسارات الأمريكية رفيعة المستوى بشأن اختفاء الصحفي جمال خاشقجي.

 

وأضافت الصحيفة التي إختارت أن تترك الصفحة التي يكتب فيها خاشقجي عموده بيضاء في عددها الورقي إن تأكيد مقتل خاشقجي أو اختفاءه على أيدي السعوديين، سيخلق موجة جديدة من الضغط في الكونغرس لإعادة تقييم العلاقات مع السعودية وإذا طالب الرأي العام في الولايات المتحدة بالرد.

 

وفي السياق ذاته، قال القيادي الجمهوري في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي ماركو روبيو، إنه “إذا تأكد هذا التقرير الإخباري المزعج عن خاشقجي، يجب على الولايات المتحدة والعالم المتحضر أن يستجيب بقوة، وسأقوم بمراجعة جميع الخيارات في مجلس الشيوخ بشأن التعامل مع السعودية”.

 

كما قال القيادي الديمقراطي وعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ تيم كين، إنه اتصل بالخارجية الأمريكية بشأن خاشقجي، مضيفا أنه “يجب أن نعرف ما حصل فعلا وفرض عقوبات. استهداف الصحفيين يجب أن يتوقف”.

 

صحيفة الغارديان والإندبندنت البريطانيتين بالإضافة إلى صحيفتي “زايت” الألمانية ولوموند الفرنسيّة إنضمّت بدورها إلى صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكيّة في ذهابها إلى أن قضيّة خاشقجي ستتسبّب في ما وصفته بـ”الإساءة البالغة” لصورة الرياض لدى الولايات المتحدة الأمريكيّة ولدى الدول الأوروبيّة.

 

بخطوة إختطاف وربما إغتيال الكاتب الصحفي جمال خاشقجي يكون محمد بن سلمان قد حشد كل الرأي العام الدولي ضدّه وضدّ الرياض ويكون قد أسقط عن نفسه كل المساحيق رغم مئات المليارات من الدولارات التي إستثمرها لتزيين صورته على مدى السنتين المنقضيتين.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.